تحتفظ بالتَّقسيم الشَّطرنجى الذى خُططت عليه أسامة محرم لـ«7 أيام»: الإسكندرية حاضنة لأقدم شوارع مصر

الإسكندرية.. بمجرَّد ذكر هذا الاسم فإنَّ أوَّل ما يجول بخاطرك هواؤها النَّقى، وبحرها الواسع، وموجها العتىُّ الذى يضرب سواحلها شتاءً، والجاذب للمُصيِّفين إليها من كل حدب وصوب، إلا أنه ربَّما لم يجُل فى خاطرك أن تلك المدينة كانت وليدة الصُّدفة على يد الإسكندر الأكبر حتى جعل باطنها عامرًا بالآثار القديمة التى تضعها فى مصاف الوجهات السياحية المصرية.
وفى جولة سياحية اصطحبنا فيها المرشدة السياحية آية عبدالله، ومؤسس مبادرة Love Alexandria أسامة محرم، ومؤسس موقع inmagazineonline، لرؤية الإسكندرية بأعين أثرية، ربما لم يُتح لكثير منا رؤيتها أو حتى السماع عنها، فى محاولة لتغيير نظرية «الإسكندرية الصيفية»، لعل بعد هذه الجولة تجبرنا على زيارتها شتاءً للتعرف على معالمها حتى ولو لم تلمس أقدامنا مياه بحارها.
التخطيط الأصلى لمدينة الإسكندرية القديمة

الإسكندرية الشطرنجية

بُنيت مدينة الإسكندرية القديمة على شكل رقعة شطرنج مستطيلة، تكون فيها الشوارع أفقية ورأسية بطرق متوازية ومتعامدة على بعضها البعض على يد مهندس اعتُبر أبرز مهندسى الحقبة البطلمية ويدعى دينوقراطس بإيعاز من الإمبراطور الإسكندر المقدونى الذى جاء إلى مصر عام 332 ق.م.

بالفعل، بدأ المهندس فى إنشاء المدينة التى أطلق عليها اسم «راقودة»، وقسَّمها إلى 5 مقاطعات، وهى «ألفا» التى خُصِّصت للقصور الملكية والمتاحف والمكتبة التاريخية القديمة، و«بيتا» التى كانت تسكنها الطبقة الأرستقراطية، و«جاما» التى سكنها عامة الشعب اليونانى، و«دلتا» التى استقر فيها اليهود، وأخيرًا «أبسلن» التى سكنها المصريون، وأتم بناءها عام 331 ق.م.

لم يتبق من تلك المدينة حتى الآن إلا بعض المعالم المتفرقة فى ربوع الإسكندرية التى سميت على اسم مؤسسها الإسكندر الأكبر المقدونى، الذى جاء إلى مصر، ورحب به المصريون لتحريرهم من الحكم الفارسى الجائر، وقضى فى مصر فصل الشتاء بالكامل، وخلال إحدى رحلاته لواحة سيوة لفت انتباهه مدينة ساحلية تقسم البحر من بحيرة ماريوت، وقرر أن يتخذها عاصمة جديدة لإمبراطوريته، فكانت تلك المدينة هى الإسكندرية.

أقدم شوارع مصر

بمجرد زيارتك مدينة الإسكندرية والبحث عن أماكن للتنزه والتبضُّع من المؤكد أن أول مكان يخبرك به الناس هو شارع الملك فؤاد، الذى يمتد من أول باب شرق، وحتى أبوالدردار، فهو الشارع الملىء بالمحال التجارية والكافيهات الشهيرة، أما إذا أردت رؤية الإسكندرية الشعبية فينصحك أهالى المدينة بزيارة شارع النبى دانيال المكتظ بمحال الكتب، ويمتد من منطقة سيسيل وحتى محطة مصر، ويقع فى بدايته مسجد النبى دانيال وأوسطه الكنيسة المرقسية الأقدم فى مصر وأفريقيا، أما فى آخره فيوجد المعبد اليهودى إلياهو هانبى، إلا أنه بالتأكيد لا يعلم الكثيرون عند زيارتهم لهذين الشارعين أنهما أقدم شارعين فى مصر.

يوجد فى الإسكندرية أقدم شوارع فى مصر مثل شارعى «فؤاد» و«النبى دانيال» اللذين يرجع تاريخ نشأتهما إلى 2400 عام

إن التقسيم الشطرنجى الذى أسِّست على شكله المدينة أنشأ شارعين عظيمين هما شارع فؤاد أو طريق الحرية الذى سُمِّى فى العهد البطلمى باسم «الطريق الكانوبى»، حيث كان مصفوفًا بالأعمدة الرخامية من بدايته وحتى نهايته، وكان الشارع العرضى الرئيسى فى الإسكندرية ويقطع المدينة من مدخلها عند رشيد وحتى حى أبوقير، أما الشارع الطولى الذى قطع المدينة من شمال الإسكندرية وحتى جنوبها فهو شارع «النبى دانيال»، ولهذا فإن الشارعين يُعتبران أقدم شوارع مصر، فيرجع تاريخهما إلى أكثر من 2400 عام، حيث احتفظت الإسكندرية بذات التخطيط الذى لم يتغير كثيرًا.

كوم دكة الإسكندر

حى مرتفع عن مستوى سطح الأرض يقع فى قلب الإسكندرية القديمة والحديثة، وبالتحديد نتيجة لتقاطع شوارع الإسكندرية الرئيسية أفقيًّا ورأسيًّا، وحاليًا بجوار محطة مصر، ولتسميته عدَّة تفسيرات أبرزها يجرى على ألسنة أهل المدينة، ويعود إلى أسطورة يرددها الأهالى، أن للإسكندر الأكبر أريكة مصنوعة من الماس والجواهر النفيسة، وعندما قرر السفر خارج المدينة لخوض المعارك الحربية أمر أحد مهندسيه بحفر غرفة تحت الأرض لا يعلم عنها أحد ليخبئ فيها أريكته وهو ما فعله المهندس، كما ردم على تلك الغرفة حتى صار فوقها تل صغير أو «كوم» من التراب، وبعد ذلك أمر الإسكندر بقتله خوفًا من أن يسرقها، ومات الإسكندر ولم يعد إلى أريكته التى قال عنها الإسكندرانية إنها «دكة».

بُنيت هذه المنطقة فى عهد الإسكندر الأكبر، وكانت تسمى «راقودة»، وعقب وفاته قسَّمها البطالمة إلى 3 مناطق يونانية، ومصرية، ويهودية، أسِّست كمنازل سكنية قبل أن تتحوَّل إلى مناطق للخدمات الميدانية فى العهد الرومانى، قبل أن تتعرَّض لزلزال عنيف عام 535م هدم الكثير من آثارها، وتتكون هذه المنطقة من حائطين داخلى وخارجى على شكل حرف U مُلئ الفراغ بينهما بالطوب الأحمر والعقود الهندسية، أما الحوائط ذاتها فبنيت من الحجر الجيرى والأحمر، وتكوَّن المكان من 17 عمودًا حجريًّا ترجع للعصر البيزنطى، وحتى الآن يوجد فى مدخلها لوحتان مصنوعتان من الموزايك الأبيض والأسود على الأرض.

داخل تلك المساحة الكبيرة يوجد 13 صفًّا من المبانى المتدرجة المصنوعة من الرخام عدا الجزء الأسفل منها صُنع من الجرانيت الأحمر، وتحمل هذه المبانى بعض الأرقام، وهى 11 و6 و5، وبعضها دون أرقام، وتوجد فوق تلك الصفوف عدة أعمدة رخامية مازالت محتفظة بنقوشها، أما غطاؤها فلم يعد موجودًا، ويُرجَّح أن يكون على شكل قبَّة مصنوعة من الصخر الأحمر، وذلك لوجود بعض البقايا منه فوق تلك الأعمدة، وتوجد بعض الغرف الملونة التى يظهر أكثر ألوانها الأحمر، وداخل وسط كل غرفة قطعة صخرية كانت تستخدم كالطاولات للقراءة، وفى غُرف أخرى توجد أحواض عميقة فى منتصفها تمامًا دون التمكن من تحديد الغرض منها، إلا أنه من المؤكد أن روَّاد هذا المكان كانوا من صفوة المجتمع البطلمى.

بُنيت مدينة الإسكندرية القديمة على شكل رقعة شطرنج مستطيلة، تكون فيها الشوارع أفقية ورأسية بطرق متوازية ومتعامدة

مقابر الأنفوشى

إذا مررت بالقرب من منطقتى بحرى ورأس التين بحى الجمرك، فإنك بالتأكيد سترى بجوار بعض المنازل أثرًا استُخدم كمقابر جنائزية فى الحقبة البلطمية، وبالتحديد فى القرن الثانى قبل الميلاد، وتبدأ تلك المقابر بدرج وساحة كبيرة ووحدتى دفن، فيها نقوشات جمعت بين الحضارتين المصرية واليونانية، وحين بُنيت كانت متعددة، إلا أن ما بقى منها 5 تمتاز بزخارف الفرسكو، والمرمر، والرخام، وتتكون من صالة معمارية وحجرة، وبها من 10 إلى 15 غرفة، فيها زخارف جدارية، من نوع فنون نادرة، واكتشفت فى عام 1901 أثناء تنظيف عالم أثرى ومترجم يدعى الأمير عمر باشا طوسن لأملاكه وأرضه، وأطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى المنطقة الموجودة فيها؟

مقابر الصخور

على مقربة من مساكن الضباط بمنطقة مصطفى كامل فى حى شرق حاليًا اختار البطالمة ذلك المربع لبناء مقابرهم الجنائزية عبر نحتها فى الصخر فى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الثانى قبل الميلاد، وقسَّموها إلى جزأين، أحدهما فوق الأرض والآخر تحت الأرض مُتشابهين فى البنية والحجم، بقى منها حتى يومنا هذا 4 مقابر.

أول تلك المقابر تتكون من سلالم وساحة وعدة غرف، وبئر حوض للطقوس الجنائزية وآخر للقرابين، وكانت المياه تجمع وتنقل إلى غرفة أخرى عبر مواسير فخارية، وتوجد فى تلك الغرفة أدوات الطقوس الجنائزية، كما أن هناك غرفًا أخرى، وضعت على أبوابها تماثيل لأبوالهول على قاعدة مرتفعة والجزء العلوى منها نقوش وزخارف مصرية، كما توجد لوحة لسيدتين، بين 3 فرسان ومذبح لتقديم القرابين، أما الغرفة الرئيسية فى هذه المقبرة فهى غرفة الدفن الرئيسية التى تحمل جدرانها عدة لوحات جدارية ملونة وعدة أسماء يرجح أن تكون للمتوفين وزوَّارهم الدائمين، واكتشفت تلك المقابر بالصدفة عام 1933 أثناء تجريف قطعة أرض فى منطقة رشدى بغرض إنشاء ملعب كرة قدم لقوات الاحتلال الإنجليزى آنذاك، وذلك على يد عالم أثرى يدعى أدريانى، وأطلق عليها مقابر مصطفى كامل لوجودها فى المنطقة التى تحمل ذات الاسم على شاطئ مدينة الإسكندرية.

معبد الرأس السوداء

أما إذا كنت من الزائرين لمنطقة سيدى بشر فستلاحظ الطابع السكنى الذى يغلب على المنطقة، وترى المكان الذى قرر فيه أحد الفرسان الأثرياء البطالمة -بغرض التقرب من الملكة إيزيس التى ظن أنها أنجته من الموت عقب سقوطة من عربته الحربية- بناء معبد أطلق عليه «الرأس السوداء» نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، وقسِّم المعبد إلى مستويين الأول للمُصلِّين وإقامة الطقوس، والمستوى الثانى خُصِّص كسكن للكهنة، أما الغرفة الرئيسية للمعبد فيتم الوصول إليها عبر مدخل مربع الشكل بواسطة سلم خاص للكهنة، وتتوسط هذه الغرفة قاعدة من الحجر الجيرى، وُوجد فى هذا المعبد 4 تماثيل أكبرها للملكة إيزيس، والثانى لحبوقراط، والثالث لإله الطفولة هيرمانوبيس الذى كان هجينًا من الإله المصرى أنوبيس، وهرماس أحد آلهة الأولمبوس اليونانيين، كما وُجد تمثالان لأوزوريس الكانوبى، وهم آلهة المعبد، وعدد من تماثيل أبوالهول.

واكتشف المعبد عام 1936، وظل فى موقعه الأصلى حتى عام 1988، إذ تقرَّر نقله من موقعه بسبب تعرضه لخطر الانهيار بعد ارتفاع منسوب المياه الجوفية، وفى عام 1993 نقل إلى منطقة «جبانة اللاتين» الموجودة بالقرب من باب شرق، واستغرق تقطيعه ونقله ما يقرب من 6 أشهر، ونقلت القطع الأثرية التى كانت فيه إلى مكتبة الإسكندرية.

تلك الأماكن التى ربَّما تمرُّ بها كل يوم دون أن تدرى أن لها تاريخًا يرجع إلى أكثر من 2400 عام، وربَّما عند زيارتك المقبلة إلى الإسكندرية تنظر إلى تلك المناطق مُستحضرًا عبق الماضى السحيق والحاضر المعاصر الذى يسرُّ الناظرين.