إطلاق بورصة لتداول النفط بالعملة الصينية يثير المخاوف فى أمريكا الدولار V.S اليوان .. فصل جديد فى حرب «الكاوبوى» و«التنين»

 فى تحدٍّ خطير للهيمنة الأمريكيَّة على تجارة النَّفط العالميَّة، أطلقت الصِّين منذ أيام بورصة لتداول عقود النَّفط الآجلة بعُملتها «اليوان»، ووُصِفت هذه الخطوة بنقطة تحوُّل فى سوق النَّفط العالمى، كون هذه البورصة الأولى عالميًّا التى تُسعِّر وتبيع النَّفط بعُملة غير الدولار الأمريكى.
ترجع أهمية هذا القرار إلى أن الصِّين أصبحت أكبر مُستوردٍ للخام فى العالم، حيث تبلغ وارداتها اليوميَّة نحو 9 ملايين برميل، بعد أن أزاحت الولايات المُتحدة التى ظلَّت لعقود تحتكر هذا المركز لنفسها.

«البترودولار» فى مَهَبِّ الرِّيح

تتمثَّل أهم التَّداعيات الخطيرة لهذ القرار فى أنه يُهدِّد بإسقاط نظام «البترودولار»، وهو النِّظام النقدى الذى يحكم العالم منذ بداية السَّبعينات من القرن الماضى.

وقد نشأ هذا النظام على أنقاض النِّظام النَّقدى القديم الذى يعتمد الذهب كغطاء نقدى للدولار، حيث استبدل النَّفط بالذهب كغطاء للدولار منذ عام 1974، ما أنقذ الدولار وقتها من السُّقوط.

اتفقت الولايات المتحدة حينها مع الدول المُصدِّرة للبترول -وأغلبها دول عربيَّة- على اقتصار بيع وتسعير براميل النَّفط على الدولار، وذلك مقابل توفير الحماية لحقول النَّفط.

ومن المُنتظر أن يؤدى القرار الصِّينى إلى تغيير قواعد اللعبة الماليَّة فى العالم تمامًا، كونه سيدفع تُجار النَّفط خاصة فى آسيا لحيازة «اليوان» الصِّينى بدلاً من الدولار لشراء الخام، بما يُقلِّل من مُعدلات الطَّلب على العُملة الخضراء عالميًّا، ويُنهى العلاقة التى ربطت الدولار بالذَّهب الأسود.

حرب اقتصاديَّة شاملة

«إننا لا نريد خَوْض حرب تجاريَّة مع الولايات المتحدة، ولكننا أيضًا لا نخشى تلك الحرب».. بهذا التَّصريح ردَّت الصِّين على المُذكرة التى وقَّعها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مؤخرًا، والتى تفرض رسومًا إضافيَّة بـ60 مليار دولار على الواردات الصِّينيَّة لأمريكا.

على الرغم من أن المسئولين فى البلدين اقتصروا فى توصيف تلك الحرب على أنها حرب تجاريَّة فحسب، فإن الواقع خاصة بعد هذا القرار يؤكد أن الحرب بين البلدين تخطَّت حدود الحرب التُّجاريَّة وتحوَّلت لحرب اقتصاديَّة شاملة، لذلك استغلَّت الصِّين إعلان أمريكا للحرب التجاريَّة بعد إعلان ترامب فرض رسوم حمائية، لتتخذ تلك الخطوة التى تأخَّرت لنحو ربع قرن، حيث إن الصين أطلقت بورصة لعقود النفط المحلى فى عام 1993، لكنها سُرعان ما أُغلقت بعد عام بسبب تقلُّبات السُّوق.

عصر جديد للذَّهب الأسود

أعلن ولى العهد السُّعودى محمد بن سلمان -قبل أيام- عن اتفاق طويل الأمد بين السُّعودية وروسيا، أكبر مُصدِّرين للنَّفط عالميًّا، ويهدف هذا الاتفاق إلى الحفاظ على استقرار أسعار النَّفط خلال الفترة المقبلة.

لا شك أن تزامن هذا الإعلان مع إطلاق بورصة عقود النفط فى شنغهاى لم يكن صُدْفة، بل إنه بالتأكيد جاء نتيجة تلك التَّطوُّرات التى حدثت بالسوق، لذلك فإن تجارة النَّفط تكاد تدخل عصرًا جديدًا، حيث إن أسعار الذَّهب الأسود من المُتوقع ألا تكون رهينة المُضاربات التى تحدث فى بورصتى لندن ونيويورك، فقد كان من أهم الأهداف التى تأسَّست من أجلها بورصة شنغهاى توفير آليَّة للتحوُّط ضد المخاطر وإدارة السُّوق، بجانب المُساهمة فى تسعير النَّفط عالميًّا.

الخطوة الصِّينية بداية حقيقيَّة لتحرير النَّفط العربى من هيمنة الدولار على تجارة النَّفط على مدار أكثر من 35 عامًا

نهاية محسومة للانهيار

لا تكتفى الصِّين بتلك الخطوة المُهمة لكى تنهى هيمنة العُملة الأمريكيَّة على الاقتصاد العالمى، بل إنها اتخذت العديد من الخطوات الأخرى لتحقيق هذا الهدف، حيث كانت قد اتفقت مع عدد من الدول الكبرى على استخدام اليوان بدلاً من الدولار فى التَّبادل التُّجارى مع بكين، وعلى رأس تلك الدول روسيا والسعودية ومصر.

علاوة على ذلك، تعمل الصين منذ فترةٍ طويلةٍ على دعم احتياطياتها من الذَّهب، حيث إنها أكبر مُنتج ومُستورد للمعدن الأصفر، فقد قُدِّر احتياطيها من الذهب فى نهاية 2016 بنحو 12 ألف طن.

وتسعى بكين من خلال زيادة حيازتها للذَّهب لدعم عُملتها المحليَّة، والتَّخلِّى عن حيازة الدولار الذى يُعدُّ عُملة الاحتياطى الثَّانية فى البلاد.

لذلك فإن نهاية الدولار تكاد تكون محسومةً حال نجاح تلك الخطوات المدروسة بعناية.

قُبلة حياة للجنيه المصرى

لعلك تتساءل مثلى لماذا لا تشترى مصر النَّفط من المملكة العربيَّة السعوديَّة أو ليبيا أو أى دولة عربيَّة أخرى بالجنيه المصرى بدلاً من الدولار؟ ولماذا لا يتم التداول فى بورصة دُبى لعقود النَّفط بعُملة عربيَّة بدلاً من العُملة الخضراء؟

نحن مُقيدون بما يُسمَّى نظرية «البترودولار»، والتى تُلزم الدول المُصدرة للنفط «أوبك» ببيع وتسعير صادراتها من النَّفط بالدولار، لذلك فإن الخطوة الصِّينية بداية حقيقيَّة لتحرير النَّفط العربى من هيمنة الدولار على تجارة النَّفط على مدار أكثر من 35 عامًا، ولكون هذه الخطوة من المُمكن أن تدفع دول أوبك لبيع نفطها بعُملة غير الدولار، لذلك فإننا قد نشهد مصر وهى تشترى احتياجاتها من النَّفط العربى بالجنيه المصرى بدلاً من الدولار، الأمر الذى سيدعم سعر الجنيه المصرى مقابل العُملة الأمريكيَّة، ويُخلِّصنا من كابوس العُملة الخضراء إلى الأبد.