تاريخ الفانوس المهروس بين الماضى والحاضر

 اليوم أخذنا عشق الماضى إلى أقدم أحياء القاهرة القديمة (حى الجمالية بالحسين) إحدى مناطق القاهرة القديمة المتميزة بقدم مبانيها وصناعتها اليدوية المختلفة، والتى تبدأ من أول حى الحسين إلى باب الشعرية، مرورًا ببوابة النصر إلى باب الفتوح.. وكالعادة وجدناها تعج بالمارة ولكن هل كل هؤلاء يستطيعون استنشاق عبير الماضى وحكاياته التى تطوق النفس إليها.. وإلى استرجاع آلاف الصور التى تتهاوى وراء بعضها بعضًا فى نسق رائع يرسم أجمل ما كانت عليه قاهرة المعز فى الماضى من فرح وبهجة، حينما كانت تستقبل شهر رمضان كما نحن الآن نستعد له.. تخيلوا معى فى مثل هذا الوقت قديمًا، عندما كانت تتحلى بها شوارع وأزقة القاهرة القديمة لكى تظهر فى أبهى أشكالها وتتلألأ بأنوارها الملونة من خلال فوانيس رمضان التى كانت تغطى واجهات المحال التى تبيعها، وكم من عمال يسهرون أيامًا وأسابيع وشهورًا على مدار العام، لكى يستطيعوا إنجاز عملهم المتميز من الفانوس.
تفانين – ألفت السعيد

إن أول من عرف فانوس رمضان هم المصريون.. وذلك كان يوم دخول المعز لدين الله الفاطمى مدينة القاهرة قادمًا من المغرب.. وكان ذلك فى شهر رمضان عام 358 هجرية.. وخرج المصريون فى موكب كبير اشترك فيه الرجال والنساء والأطفال للترحيب بالمعز الذى وصل فى ظلام الليل.. وكانوا يحملون الفوانيس الملونة والمزينة وذلك لإنارة الطريق إليه.. وهكذا بقيت الفوانيس تضىء الشوارع حتى آخر يوم فى شهر رمضان.. وحتى يومنا هذا، وبذلك أصبحت عادة سنوية يحبها ويفرح ويحتفى بها كل المصريين كبارًا وصغارًا.

وهناك روايات عديدة أخرى عن أنها من العصور الفاطمية عندما طلب هارون الرشيد أن يتم وضع مصابيح أمام كل مسجد لإنارة الطرق طوال شهر رمضان. أيًا كان أصل الفانوس، يظل الفانوس رمزًا خاصًا من رموز شهر رمضان خصوصًا فى مصر. لقد انتقل هذا التقليد عبر الأجيال والسنين.
انتقلت فكرة الفانوس المصرى إلى أغلب الدول العربية بجميع أشكالها وأنواعها.. أما فى مصر فقد اختلفت رؤية الفانوس من وجهة نظر المصريين من عادات وتقاليد، إلى انعكاس الأوضاع السياسية والاجتماعية عليها، وذلك منذ عهد الملكية وتحديدًا فى فترة الثلاثينيات من القرن الماضى، فقد تم عمل تصميم لفانوس رمضان على غرار الفانوس المعلق فى قبة قاعة البرلمان المصرى وقتذاك وسمى بفانوس (البرلمان).
وأيضًا هناك فانوس سمى باسم (فاروق) والذى يحمل اسم ملك مصر السابق.. وقد صمم خصيصًا لاحتفالات القصر الملكى بيوم ميلاده، وتم تزيين القصر بما لايقل عن 500 فانوس فى ذلك الوقت.

أصبح فانوس رمضان أحد عناصر التوثيق للأحداث بدءًا من الأغانى الشعبية المحبوبة إلى الشخصيات الكرتونية المعروفة، ومرورًا بالشخصيات الفنية والسياسية.. والتى باتت تزاحم الفوانيس التقليدية المصنوعة يدويًا

وتتوالى الأحداث وتمر السنون حتى وصل إلى ما نراه الآن، وأصبح فانوس رمضان أحد عناصر التوثيق للأحداث بدءًا من الأغانى الشعبية المحبوبة إلى الشخصيات الكرتونية المعروفة، ومرورًا بالشخصيات الفنية والسياسية.. والتى باتت تزاحم الفوانيس التقليدية المصنوعة يدويًا ذات الزجاج الملون والشموع المضيئة إلى الفوانيس البلاستيكية التى تعمل بالبطارية.

وبالقياس تتراجع أيضًا أخلاقيات الزمن الجميل بما فيها من جمال فطرى إلى أخلاقيات التيك أواى والتوك شو.. وبالتالى لا ندرى أيضًا ما هو التحول الذى يصل إليه فانوس رمضان بعد مرور قرن من الزمان.. هل يُفترض وجوده، ولكن بأشكال أخرى متأثرًا بمجريات أحداث ذلك الوقت؟ أم يتحول إلى مجرد ذكريات؟ الله أعلم.. وكل سنة وأنتم طيبون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.