انبهرت به الأميرة ديانا .. وزاره ودفن به أغاخان حكاية جراند أوتيل .. الفندق القديم الذى عشقه عظماء العالم

 لا يختلف الكثيرون على مدى النجاح الذى حققه مسلسل جراند أوتيل خلال موسم الدراما الرمضانى السابق، وذلك بفضل الحبكة الدرامية الرائعة والأداء التمثيلى المتميز للأبطال، فضلاً عن (لوكيشن) التصوير المبهر، والذى تم فى فندق (كتراكت) أو (جراند أوتيل القديم)، وهو الفندق الذى تم الانتهاء من تجديده وتطويره وفتحه مرة أخرى منذ ثلاث سنوات فقط، وذلك بعد غلقه لعشرات السنوات، وربما لم يكن نجاح المسلسل فقط هو السبب الرئيسى فى الحديث الآن عن حكاية فندق (جراند أوتيل) القديم، أو فندق (كتراكت) كما يطلق عليه الآن، ولكن السبب الرئيسى يكمن فى النجاح الأكبر للمسلسل وهو الإقبال الكبير من قبل المصريين والعرب على الحجز فى الفندق بعد أن ابهرهم جمال الطبيعة وعبق وأصالة الفندق والذى بنى على الطراز (الفيكتورى) ولا يزال حتى الآن، وحتى بعد تطويره بذلك التراث الذى يجعل كل من يراه أو يتجول بداخله يشعر وكأنه استخدم (آلة الزمن) للعودة إلى الماضى وتحديدًا إلى فترة الثلاثينيات والأربعينيات.

أصبح الفندق بشكل خاص، وأسوان بشكل عام مخبأً استراتيجيًا للأجانب المقيمين فى مصر خلال فترة الحرب العالمية الثانية

حكاية فندق جراند أوتيل القديم، تعود إلى عام 1899، وذلك فى عهد الخديو عباس حلمى، وذلك بعد أن تم الانتهاء من امتداد السكة الحديد إلى جنوب مصر ووصولها إلى النوبة وأسوان، وهو ما جعل أعدادًا كبيرة وغفيرة من السياح يتوجهون إلى هناك من أجل الاستمتاع بسحر النيل والآثار الفرعونية العظيمة، ومن هنا كانت فكرة بناء فندق كبير هناك على ضفاف النيل بالإضافة إلى عدد من المراكب النيلية السياحية المتحركة لخدمة السياحة التى أصبحت طاقتها كبيرة فى ذلك الوقت، ولكى يصبح الأمر أكثر إبهارًا للسياح تم اختيار موقع متميز للفندق أعلى كتلة صخرية يمكن لنزلائه من مشاهدة النيل وجمال وسحر مدينة أسوان، وتذكر عدة مصادر تاريخية والصفحة الرسمية للفندق أن أول إعلان رسمى للفندق كان فى 11 ديسمبر 1899، وذلك فى جريدة (إجيبشيان جازيت)، ونص الإعلان على وجود غرف كبيرة وشقق فندقية ومكتبية وطاولة بلياردو، ومدفأة كهربية تعمل طوال الليل، وكان الفندق فى ذلك الحين يستوعب نحو 60 ضيفًا مقيمًا، ولكن مع زيادة الإقبال على الفندق وزيادة شهرته اضطرت إدارة الفندق والتى كانت سويسرية فى ذلك الوقت إلى إقامة خيام لإقامة النزلاء فى جزء من حديقته المطلة على النيل مباشرة، واللافت للنظر هنا أنه بالرغم من أن إدارة الفندق كانت قد قررت إقامة تلك الخيام بشكل مؤقت لحين الانتهاء من تطوير المكان وزيادة عدد الغرف به وهو ما تم بالفعل فى عام 1902، إلا أنه يبدو أن فكرة الخيام كانت قد لاقت قبولاً كبيرًا من قبل النزلاء الذى باتوا يقصدون الفندق من كل مكان فى العالم، للدرجة التى جعلت البعض يطلب الحجز للإقامة فى الخيام وليس الغرف طوال فترة زيارته لأسوان.

فندق جراند أوتيل القديم أو «كتراكت» يعد واحدًا من أعرق 10 فنادق تاريخية حول العالم

على أية حال وبعد ثلاث سنوات فقط من إنشاء الفندق وتحديدًا فى عام 1902 وصلت شهرة الفندق إلى العالمية، وبات نزلاؤه يأتون إليه من كل مكان فى العالم وذلك بفضل ذكاء إدارته السويسرية ومدى سحر المكان الذى أنشئ فيه الفندق، وساعد على زيادة شهرة الفندق أيضًا فى ذلك العام تحديدًا زيادة عدد الغرف به بشكل كبير، أما العامل الثانى فكان افتتاح المطعم الرئيسى فى 10 ديسمبر عام 1902، فى حفل أقل ما يوصف به أنه كان حفلاً أسطوريًا، حيث حضر افتتاح المطعم الرئيسى الخديو عباس حلمى حاكم مصر، وكل من ديوك كونوت الابن الثالث للملكة فيكتوريا، واللورد وليدى كرومر، والسير ونستون تشرشل، وجود إيرد مهندس سد أسوان الذى أرسى حجر أساس السد فى نفس يوم افتتاح المطعم، بالإضافة إلى باقة كبيرة من رجال الدولة والوزراء. وقد حرص الفندق منذ ذلك الوقت على استضافة علية القوم ومشاهير العالم على مر السنين، كان أشهرهم أغاخان الثالث (السلطان محمد شاه حاكم الطائفة الإسماعيلية بالهند)، الذى واظب على زيارة الفندق كل عام للعلاج من مرض الروماتيزم، وكانت أولى زياراته للفندق عام 1937 حيث قضى شهر العسل فى الجناح الجنوبى فى الدور الثانى وعقب وفاته عام 1957 طلب أن يدفن فى أسوان، وقد استغرق بناء قبره نحو عامين، هو الضريح الذى يشكل تحفة معمارية أخرى تزين الفندق، ويمكن لكل نزلاء الفندق أن يشاهدوه من شرفة الفندق الرئيسية.

مع مرور الأيام والسنوات زادت شهرة الفندق حتى أصبح مقصدًا لكبار الشخصيات فى العالم ومنهم قيصر روسيا (نيكولاى الثانى)، وعالم‏ ‏الآثار ‏الإنجليزى ‏(هاورد‏ ‏كارتر) مكتشف‏ ‏مقبرة‏ توت‏ ‏عنخ‏ ‏آمون، والملك فاروق ملك مصر، والكاتبة الشهيرة (أجاثا كريستى) والتى استوحت روايتها (جريمة على ضفاف النيل)، من فترة إقامتها فى الفندق، وكذلك الملك محمد الخامس ملك المغرب، والأميرة الراحلة ديانا، والتى أكدت خلال زيارتها للفندق على مدى إعجابها بطرازه وتصميمه المزيج بين الطراز الفيكتورى والطابع الشرقى للتصميم الداخلى المستوحى من مدفن السلطان قلاوون وجامع ابن طولون، وبالطبع لا يمكن أن نتجاهل الزيارات المتكررة للملك فؤاد، والنحاس باشا وزعيم الأمة سعد زغلول إلى الفندق.

قيمة الفندق ومكانته لدى الأجانب تحديدًا زادت خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح الفندق بشكل خاص، وأسوان بشكل عام مخبأً استراتيجيًا للأجانب المقيمين فى مصر، حيث حرص معظمهم على إرسال ذويهم وأبنائهم إلى الفندق للإقامة هناك خلال فترة الحرب، كذلك كان يقيم بشكل شبه دائم فى أسوان والفندق بعض العمالة الأجنبية فى مصر والذين أصبحوا غير قادرين على العودة إلى بلادهم، وربما كان الفندق هو المكان الوحيد تقريبًا فى مصر الذى لم يتأثر بالحرب العالمية الثانية وذلك بسبب الضغط الكبير عليه من قبل الأجانب، وبعد انتهاء الحرب زاد الإقبال على الفندق وزادت شهرته، حيث كانت إدارة الفندق فى ذلك الوقت سويسرية خالصة، وكان الموظفون به من اليونانيين والإيطاليين والسويسريين وأهالى النوبة، والذين أسهموا بشكل كبير فى شهرة الفندق بفضل تراثهم وملابسهم والفلكلور الخاص بهم والذى أضفى روحًا مميزة للفندق.

الجدير بالذكر هنا أن فندق جراند أوتيل القديم أو (كتراكت) يعد واحدًا من أعرق 10 فنادق تاريخية حول العالم، وربما يستطيع خلال الفترة المقبلة أن يعود إلى ما كان عليه فى الماضى نظرًا لتقديمه بصورة رائعة خلال المسلسل وتوضيح مدى جماله وجمال مدينة أسوان، وربما ذلك يجعلنا أمام نقطة غاية فى الأهمية وهى كيفية الترويج لمصر وسياحتها وكيفية المساهمة بشكل حقيقى فى عودة السياحة إلى مصر وخاصة مدينتى الأقصر وأسوان واللتين تعانيان أشد العناء منذ اندلاع ثورة 25 يناير وتوقف حركة السياحة بهما بصورة شبه كاملة، وربما ليس من العيب أيضًا أن نتعلم من غيرنا، حتى لو كان ذلك الطرف الذى نتعلم منه لا يتمنى لنا النهوض أو التقدم أو حتى الاستقرار، وأقصد هنا تحديدًا التجربة التركية، تلك التجربة التى تتمثل فى تركيز الدراما التركية والتى غزت العالم العربى بشكل كبير على إظهار مدى روعة وجمال تركيا وتتعمد دومًا إظهار العديد من الأماكن التاريخية والسياحية والأثرية التى تبهر المشاهد وتجعله يذهب لزيارة تركيا، وأعتقد أننا لو قررنا أن نفعل ذلك سنتمكن من فعله بسهولة لأن بلادنا تحتوى على الكثير من الأماكن الأثرية والسياحية المبهرة بل ونملك فى مصر الكثير من الأشياء والأماكن التى لا يملكها بلد فى العالم سوانا، والفكرة ليست صعبة بدليل ما أكدت عليه الكثير من الصفحات الاقتصادية بالصحف المصرية من أن هناك إقبالاً كبيرًا على الحجوزات فى مدينة أسوان وفندق جراند أوتيل بعد عرض المسلسل، رغم أن الموسم الصيفى ليس هو موسم السياحة فى أسوان نظرًا لارتفاع درجات الحرارة بها بشكل كبير، ولكن لو حاولنا.. فقط حاولنا.. حتما سنستطيع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.