د. يحيى الرخاوى يوضح لـ«7 أيام» أسباب نجاح دراما رمضان «النكدية»

هل النكد فى طبيعة النفس ويُفطر المرء عليه أم أنه من الصفات المُكتسبة التى تُصبح سمات للشخصية بعد ذلك؟ وإذا كان من البديهى ألا يكون النكد جزءًا من فطرة الإنسان، إذن فلماذا تميل إليه الأغلبية عندما يتم طرحه على شكل أغنية أو مسلسل أو أى عمل فنى؟! حتى هؤلاء الذين يتمتعون بحالة تناغم وامتنان مع خالق الطبيعة وتطوراتها نجد أغلبيتهم أيضًا ينجذبون للمادة المقدمة «النكدية»، ويُعجبون بمحتواها ولو لمرة واحدة!
«7 أيام» توصَّلت إلى إجابات عن تلك الأسئلة، بعد النقاش والحوار مع أستاذ الطب النفسى د. يحيى الرخاوى الذى فسر لنا أسباب النجاح الدائم لدراما رمضان «النكدية»، أو بشكل عام ما وراء الإحصائيات ومؤشرات البحث التى تشير إلى تقدم محتوى ذى طابع «نكدى»، وتصدره لقوائم المشاهدات، نتيجة الإقبال والتفاعل، وبمنتهى َّ من كل العوامل الثقافية أو الاجتماعية وغيرها، فنحن هنا نتحدث عن «النكد حول العالم».

فى البداية أشاد د. يحيى الرخاوى بانتقاء كلمة «النكد»، حيث يفضل استعمالها عن كلمة اكتئاب، التى أشار إلى انتشارها دون وعى، فكلمة نكد تُستعمل أكثر عند العامة وفى الثقافة الشعبية، وهى لا تعنى بالضرورة الحزن بقدر ما تفيد الضجر والغم والهم، وأحيانًا حين نصف بها شخصًا متشائمًا أو مُصدِّرًا للغم والمشاكل، فيقال إنه «شخص نكدى».

أمَّا لفظ الحزن فهو من أكثر الألفاظ التى تعلم من خلالها د. يحيى الرخاوى ما تتصف به ثقافتنا العربية بوجه خاص من احترام للمشاعر البشرية دون تسطيح أو اختزال، فالحزن فى عمق أصوله هو جزء لا يتجزأ من طبيعة الوجود البشرى، وأصل فى الوجود، وهو شعور إيجابى مثله مثل الغضب، والفرح، والحب.

مواساة الذات

أوضح د. يحيى الرخاوى الفرق بين متابعة عمل فنى حزين ومعايشة الحزن؛ فليس كل عمل فنى حزين يَدل على أن من يتابعه هو «نكدى» بالضرورة، فإذا كان الشَّخص يعايش تكرار نفس حالته، ويُحاكيها، فالأمر هنا هكذا يكون كما هو فى ثقافتنا الشعبية ما يُسمى بالتنغيم للدلالة على «أسى الفقد»، أو رحيل عزيز، ويسمى «العديد»، فعلى أرض الواقع وظيفة «العديد» الأعمق أن تعدد مناقب الراحل، فتستثير أحزان الذات والأقربين له حتى يعبر عن أساه بفقد الراحل، لأن كتم هذه المشاعر أكثر ضررًا من التعبير عنها، والأفضل أكثر هو المشاركة فيها بالفعل، والمشاركة تعنى ليست فقط بالمواساة أو العزاء، وإنما بالشعور بنفس شعور الذى فقد عزيزًا، وهذا من أهم ما يخفف عنه أيضًا تدريجيًّا مع الوقت.

فالأمر هنا حب استثارة لأحزان داخلية، فهو بمثابة مواساة طبيعية للذات غرضها «التنفيس»، والتخفيف أيضًا.

الوعى والكبد

أمَّا إذا كانت المتابعة من الأفراد الذين يتعايشون بحالة من الرضا والتناغم مع الخالق والطبيعة، فهذا حزنٌ من نوع آخر، وهو أقرب إلى الكبَد الذى قال فيه الله تعالى: [لقد خلقنا الإنسان فى كبد]، وهؤلاء الذين رضى الله عنهم فرضوا عنه فإنهم لا يميلون إلى هذا النوع تحديدًا، لكنَّهم يعرفون صعوبة طريق المعرفة، ولا يستسهلون الحلول من خارجهم، فهم يميلون وأقرب إلى المشاعر الأصلية التى خلقوا بها، ومن بينها مشاعر الحزن التى يشاركونها بالمشاهدة أو الاستماع، أو المتابعة التى قد تتفاوت درجاتها أيضًا.

الكبَد الذى ذُكر فى القرآن وتحدث عنه ، والذى يُفهم بشكل بسيط أنه الأوقات الصعبة التى تمُر على الإنسان، أو حتى القصد العام بأن الحياة اختبار صعب، قد يكون ذلك الكبَد نعمة للإنسان إذا كان القلب عامرًا بالإيمان الذى يدفعه لتقبُّل كل ما يأتى من الكون بكل وعى ورضا وامتنان.

الوجع الحلو

إذا كان حتى تفسير الكَبد يعنى الصلابة والكمال أو أفضل تقويم، فهناك أسباب منطقية مطمئنة أخرى تعطى نفس الدلالة، منها أن الإنسان فى رحلة حياته من الطبيعى أن يمُر بتجارب من ذلك النوع الذى يترك فى صاحبه شيئًا لا يرحل مع الوقت، ولا يُنسى مع الزمن.. قد يتعايش به الفرد بكل رضا وامتنان، بعد أن أصبح غير متسبب فى «نكده»، مهما كانت القصة لها أثر فى نفسه بذكراها المأساوية.

لكنه أيضًا بمُجرد أن يرى أو يسمع ما يلمس تلك «الشعرة الخفية» أو المنطقة المطوية فى حياته ذات الطابع «غامق اللون» التى طالما لا يُفكر بها أو دائمًا ما يحولها بإيمانه إلى مصدر مُتجدد للطاقة التى يعيش بها ليُحقق ما وجد من أجله، نجده ينجذب إليها، وإلى تلك اللمسة التى شعر بها فى أعماق روحه، وذكرته بشىء ما مدفون، وذلك ما يُطلق عليه «الوجع الحلو» فقد يكون ما يجذبه إليه الحنين إلى ذكرى ما أو مكان أو شخص أو تفاصيل تجعله حتى يبتسم فقط ويواصل حياته على نفس الوتيرة الراضية الهادئة المُتناغمة مع كل ما يأتى من الله وأدواته فى الأرض بكل امتنان وسرور.

همٌّ يُبكى .. وآخر يُضحك

إذن فمزيد من الأعمال النكدية لا يضر, إذا ظلت الأعمال الضاحكة أو التى تعطى الأمل منتشرة أيضًا، وإن كان من باب التوازن الذى أصبحنا نفتقده كثيرًا الآن، لاسيما أن تلك الأعمال التى يُطلق عليها البعض قبل أن يتجنبها بأنها «نكدية» تنهال عليها بمُجرد طرحها العديد من «الكوميكس» التى يصنعها رواد مواقع السوشيال ميديا، ساخرين من حُزنها غير المبرر بالنسبة للبعض أو من باب الضحك فقط، حتى من جانب مُتابعى العمل.

وهذا ما يأخذنا إلى المعنى الحقيقى لمقولة «هم يبكى وهم يضحك».. فكل حدث يقع يكون له تفاصيله المضحكة والمبكية، من يُضحكه ما يُبكيه قد يكون وصل لدرجة لا بأس بها من النُضج الذى يجعله واعيًا لغرض حياته أو وجوده «العدمى»،

وأنه لا يوجد شىء يستحق التعاسة، فإمَّا الرضا والتأقلم والسعادة المسئولة أو لا شىء آخر، فلا بديل عن الانطلاق بحرية من دون قيود.

واختتم د. يحيى الرخاوى حديثه بأن هناك نوعًا آخر ساخرًا أيضًا، وهو من يعجز أن يشارك الآخرين فى أحزانهم الحقيقية، بل يتمادى بعد عدم المشاركة إلى الاستهانة بمشاعرهم، حتى الضحك منها أو عليها، وهو حرٌّ أيضًا حتى فى أن يضحك على هموم الناس، ولكنه يعلن بذلك تبلده أكثر مما يعلن خفة دمه أو صلابة مشاعره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.