«#دختران_خیابان_انقلاب» «فتيات شارع الثورة» يرفضن الحجاب ويشعلن شرارة جديدة فى إيران

 لم يكن أحد يتصور أنه حينما تتملك فتاة الجرأة للمطالبة بحقها فى ارتداء ما تشاء من ملابس، ربَّما يتسبب ذلك فى ثورة جديدة على نظام الملالى الإيرانى للمطالبة بإطلاق الحرِّيات فى مجال عدم تجريم خلع الحجاب للنساء، حتى إن بعض التحليلات وإن بالغت فى تقدير الموقف فإنها ترى أن تلك الموجات الاحتجاجية ربما تكون مسمارًا جديدًا فى نعش النظام، الذى قام على أنقاض دولة الشاه منذ 1979.. وسريعًا ما حاول نظام الملالى احتواء الموقف قبل تفاقمه، فكشف مكتب الرئيس الإيرانى عن دراسة عمرها أكثر من 3 سنوات، مُفادها أن 49.8 بالمائة من الإيرانيين عامةً يريدون أن يُقرر النساء بأنفسهن ارتداء الحجاب من عدمه، وهى الخطوة التى أربكت المشهد بشكل كبير، فالتنبؤات بتصرفات النظام الإيرانى غير محمود عقباها.

فيدا .. تُفجِّر الثورة

فى الثامن والعشرين من ديسمبر الماضى، قررت فتاة تبلغ من العمر 31 عامًا وتدعى فيدا موحد أن تثور فى وجه النظام الإسلامى فى قلب العاصمة طهران، للمطالبة بإسقاط إلزامية ارتداء الحجاب، لتلقى قوات الأمن القبض عليها، وتحتجزها لمدة قاربت الشهر، قبل أن تفرج عنها ليلة السادس والعشرين من يناير الماضى.
القبض على فيدا رغم إخلاء سبيلها، جعلها أحد أبرز أيقونات المجتمع النسوى الإيرانى، ما جعل عددًا كبيرًا من النساء يتضامنَّ معها، بل امتد الأمر للرجال كذلك، فأطلقوا هاشتاج حمل عنوان «دختران خیابان انقلاب» باللغة الفارسية، أى «فتيات شارع الثورة»، للإعلان عن رفض الحجاب الإجبارى، والتعاطف مع قضايا حقوق المرأة.

نرجس .. الشرارة الثانية

عقب مرور شهر على واقعة خلع الحجاب الأولى، أقدمت فتاة أخرى تبلغ من العمر 22 عامًا تُدعى نرجس حسينى على تكرار ذات الفعل الذى بدأته فيدا، وهو خلع حجابها والتلويح به من على منصة بأحد شوارع طهران، لتعتقلها الشرطة، ما تسبب فى زيادة دعم السيدات الإيرانيات لتلك الحركات الاحتجاجية الصامتة، للمطالبة بحرية ارتداء الملابس، والثورة ضد غطاء الرأس.

محامية نرجس، قالت فى تصريحات صحفية: إن السلطات الإيرانية لم تُعلن بَعْد التُّهم الموجهة لموكلتها، فى الوقت الذى كشفت فيه السلطات عن طلبها ما يقرب من 140 ألف دولار كفالةً لنرجس، وهو ما أشار -بحسب المحامية- إلى عدم اعتزام الدولة إطلاق سراح نرجس، والاحتفاظ بها خلف القضبان -على حد وصف المحامية- وهو ما يخالف القانون الإيرانى، الذى بدأ تطبيقه عقب الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979، ويقضى بمعاقبة السيدات اللاتى يخلعن حجابهن فى الأماكن العام بغرامة مالية لا تزيد على 500 ألف ريال إيرانى أى ما يعادل 13 دولارًا أمريكيًّا، وتصل فى بعض الأحيان إلى 153 دولارًا أمريكيًّا، والسجن من 10 أيام إلى شهرين على الأكثر.

الإيرانيات يتضامنَّ

عقب واقعتى القبض على نرجس وفيدا، اجتاحت مظاهر الغضب قلب العاصمة الإيرانية طهران، فيما زاد عدد النساء اللاتى يقُمن بخلع حجابهن والتلويح به كعلم، للاعتراض على إلزامية ارتداء الحجاب، قبل أن ينضم إليهن بعض الرجال الدَّاعمين للحركات النسوية الإيرانية، مشاركين بنفس طريقة الاحتجاج، ورافعين اللافتات المناهضة للحجاب الإجبارى.

وبأسرع من المتوقع بدأت رقعة الاحتجاج على ارتداء الحجاب الإلزامى تزيد، لتضم نساء محجبات قُمن بإعلان تضامنهن مع السيدات اللاتى يرفضن ارتداء الحجاب، مؤكدات -فى ذات الوقت- حقهن فى الاختيار سواء بارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه، حتى إنَّ سيدات محجبات قُمن بالسير على نهج قريناتهنَّ، فقمن برفع أوشحة رمزية على عصا، ووقفن على منصات مرتفعة لمناهضة الحجاب الإلزامى.

الموقف الرَّسمى

على الصعيد الرسمى، أكد المدعى العام والثورى الإيرانى عباس جعفرى دولت آبادى، فى تصريحات إعلامية لوكالة إيلنا الإيرانية أن مثل تلك الاعتراضات غير مُبررة، ومبنية على تأجيج المشاعر، مُشددًا على اعتقال كل من يقوم بتكرار مثل هذا الفعل، وأن خلع الحجاب فى الأماكن العامة جهرٌ بالمعصية، ويستوجب المعاقبة، لأنه عمل غير قانونى.

وأكد نائب رئيس البرلمان الإيرانى على مطهرى عدم وجود شواهد تشير إلى إجبار النساء على ارتداء الحجاب فى المجتمع الإيرانى، لافتًا إلى أن الكثير منهن يظهرن بالمظهر المحبب لهن دون إجبار، معربًا عن رفضه التَّشدد.

إيران تشهد حركات نسوية تحررية على نطاق واسع، واتخذت الحجاب مدخلًا لها لتغيير عادات وتقاليد المجتمع

القانون الإيرانى

القوانين الإيرانية جاءت مُلزمة للنساء بشأن ارتدائهن الحجاب، إلا أن أغلبهن يرتدين وشاحًا يحجب الجزء الأمامى من الشعر فقط، بينما ترتدى الفتيات المراهقات ملابس ضيقة، عكس ما يطلبه المتشددون من ارتداء الملابس الرسمية النسائية الإيرانية منذ الثورة الإسلامية وهى «الشادور»، والتى تكون سوداء وواسعة وفضفاضة وطويلة ولا تُظهر من النساء إلا الوجه والكفين.

اتهامات للعمال

التيارات المتشددة الإيرانية تتهم بصورة مباشرة مناصرى الاحتجاجات العمالية الإيرانية التى بدأت فى ديسمبر الماضى بالوقوف خلف تلك المطالب المناهضة لارتداء الحجاب الإجبارى، لافتين إلى أن مثل تلك الدعوات شاذة عن المجتمع، وتعتبر بمثابة احتلال فكرى وثقافى غربى للمجتمع الإيرانى المسلم.

تَغيُّر الأجيال

كشفت الأحداث التى شهدتها مدن إيرانية فى أواخر العام الماضى وبدايات العام الجديد إلى التغيُّرات التى وقعت فى المجتمع الإيرانى بعد مرور 4 عقود على إعلان الجمهورية فى إيران، حيث ارتفعت أعمار المشاركين الرئيسيين فى الثورة، لتصل إلى الكهولة، بجانب التطور فى وسائل الاتصال، خصوصًا التواصل الاجتماعى، التى جعلت الشباب على تواصل مع ما يجرى فى بقاع العالم كافة.

حتى إن وزير الداخلية الإيرانى عبدالرضا رحمانى فضلى، أشار إلى هذه النقطة، وقال خلال تصريحات له: «إن تغيّر الأجيال وتغيّر طريقة المعيشة وتغيّر التكنولوجيا من أهم أسباب الاضطرابات الأخيرة فى إيران، على النحو الذى شُهد فيه انخفاض يقدر بـ50% من حضور الأهالى فى الشَّوارع فى اليوم التالى الذى فُرضت فيه قيود على شبكة الإنترنت، لافتًا إلى أن الجيل بعد الثورة لديه معتقدات واختيارات وطبائع مختلفة، والتى يجب تناولها، والبعض لا يتمتع بإدراك هذه الموضوعات، ويُصر على معتقدات لا تلبى متطلبات الجيل الحالى». وذكر رحمانى فضلى أنه خلال الانتخابات الأخيرة شارك أكثر من 60 إلى 70% من الشعب على إثر دعاية شبكات الإنترنت، ومن الممكن القول بناءً على ذلك أنه فى كل هذه التغييرات فإن المبدأ الأساسى هو التغيير نفسه.

طالب الشباب الإيرانى أيضًا بالتخلص من الضغوط الاجتماعية التى فرضتها الأجيال الأولى للثورة، الذين يعتبرهم لا يتفهمون مطالبه

المراقب للأحداث التى شهدتها إيران، يلاحظ عدة أمور، أهمها توجّس الشباب الجامعى بشأن مستقبله، كما أن الشباب الإيرانى أعلن معارضته للتيارين السائدين فى البلاد؛ الأصولى والإصلاحى، كما طالب الشباب الإيرانى أيضًا بالتخلص من الضغوط الاجتماعية التى فرضتها الأجيال الأولى للثورة، الذين يعتبرهم لا يتفهمون مطالبه.

وبمرور الوقت أخذت الهوَّة تكبر بين الأجيال الأولى للثورة الإيرانية، التى تعتبر أن أحد أهم إنجازاتها كان الاتفاق على تشكيل نظام إسلامى يُمكنه توحيد البلاد، مع إعطائها نوعًا من الديمقراطية الدينية، التى استطاعت إيجاد صيغة سياسية بديلة تمكِّنهم من إسقاط حكم الشاه، والأجيال الجديدة للثورة التى نرى فى الحياة الغربية النموذج الذى يحلم به كل شاب إيرانى.

وأشارت الكثير من الدراسات إلى أن شعارات الطلاب كانت تُشير إلى أن الجيل الشاب قد سَئِم من الوعود الخاوية، ويسعى إلى قادة سياسيين يسعون بشجاعة وراء إحقاق مطالب هذا الجيل، بالنَّظر إلى أن هذا التيار لا يتمتع بأهداف واحدة أو قائد واحد.

حقوق الإيرانيات

أكد أحمد فاروق الباحث فى الشأن الإيرانى أن إيران تشهد حركات نسوية تحررية مماثلة سواء تمت الدعوة إليها من الداخل أو من الخارج، تُطالب بحريات النساء عامةً، وإن اتَّخذت الحجاب مُدخلاً لها، النساء يعانين من تمييز يُمارس ضدهن فى النظام القائم حاليًا، على الرغم من إشارته الدائمة إلى حجم الديمقراطية التى يتمتع بها، إذ تُمنع المرأة من دخول ملاعب كرة القدم أو أى لعبة أخرى يشارك فيها الرجال، وكذلك النساء تترشح فى الانتخابات عامةً، لكن قليلات منهن من يَسمح لهن مجلس صيانة الدستور بخوض غمار المنافسات الانتخابية، وأقصد الانتخابات البرلمانية ومجالس البلديات.

الحجاب بداية التمييز

وتابع أحمد فاروق الباحث فى الشأن الإيرانى: يعتبر عدم ارتداء الحجاب فى إيران جريمة، لأنه يعد مجاهرة بالذنب وفق تعريف المسئولين، وبالتالى تُفرض عقوبات على من يقمن بذلك، وتكتسب أهمية الحجاب من أنه يضفى شرعية أكثر على مصطلح الجمهورية الإسلامية، فالحجاب رمزٌ للعفاف وفقًا لتعريف المسئولين أيضًا، فالحكومة فى إيران تحاول كثيرًا أن تُشير إلى نفسها من خلال البُعد المَذهبى والأيديولوجى، وتُدافع عن هويَّتها «الإسلامية» بأى ثمن، وبالرغم من أن رئيس الجمهورية الحالى حسن روحانى ضمّن تعيين السيدات فى المناصب الرفيعة فى الحكومة، فإن الوعد تم تنفيذه، لكن على مستويات أدنى من منصب وزير، واقتصرت على نائب وزير ومساعد وزير ورئيس هيئة أو مؤسسة، فما يحدث استمرار لسياسة التمييز ليس ضد النساء وحدهن بل مع كل الأقليات فى إيران، عدا عددٍ محدود للغاية من بقية القوميات المؤمنين بالنظام ومبادئه.

امتيازات ضاغطة فى المنطقة

من المؤكد أن ازدهار أوضاع النساء فى الشرق الأوسط وتحسن أوضاعهن الحقوقية يلقى بالعبء على كاهل الإيرانيات الحالمات بمثل تلك الأوضاع التى تغيرت بين ليلة وضحاها فى عدة دول لم تكن تحلم النساء فيها بنصف ما وصلن إليه من حُرِّيات.

فها هى الغريم التقليدى لإيران، المملكة العربية السعودية عبر أبرز مجدديها الأمير محمد بن سلمان ولى العهد، يمنح نساء بلده حزمة من الإصلاحات النسوية الحقوقية دفعةً واحدةً، بدأت برفع الحظر عنها فى قيادة السيارات، واستمرت مع تصويت مجلس الشورى على قرار يتيح للمرأة إصدار فتاوى، والسماح للمرأة بالحضور فى مدرجات ملاعب كرة القدم، كما أن رؤية السعودية 2030 التى يرعاها محمد بن سلمان تتركز على دعم وتعزيز مشاركة النساء فى كل جوانب الحياة، ومنها سوق العمل بنحو 30%، إذ بلغت الرساميل النسائية فى البلاد أكثر من 100 مليار ريال، وتجاوزت استثماراتهن العقارية 120 مليار ريال.

مستقبل الاحتجاجات

كل تلك الإصلاحات ربَّما تمثل أكبر الضغوط على الإيرانيات الساعيات للظفر فقط بالسماح لهن بحق ارتداء ما شئن من ثياب، فهن الآن أمام عدة خيارات؛ إما القتال حتى الرمق الأخير غير عابئات بردود فعل نظام الملالى، الذى يمكنه التنكيل بهن بكل الطرق، أو التسويف والمحاولة فى وقت لاحق عقب هدوء الأجواء، أو صرف النظر عن الأمر برمَّته، وهنا لا يمكن الجزم بأى خيار سيخترن، بل إن الأيام وحدها ستفصح عن قرارهن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.