ضرب بكل قرارات الأمم المتحدة عرض الحائط قانون «يهودية إسرائيل» .. عنصرية وتصفية شاملة للقضية الفلسطينية

 «يَحِقُّ لكل يهود الأرض إمكانيةُ الهجرةِ إلى إسرائيل؛ كونها دولةً قوميةً لهم».. هذا باختصار أهمُّ بنود قانون «يهودية إسرائيل» الذى وافق الكنيست على القراءة الأولى منه مُؤخَّرًا.. وبهذا القانون أعلنت إسرائيل صراحةً أنها دولة عُنصرية لا تقبل بحقوق المواطنة، وبأن شعارَ «الدولة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط» لم يكن إلا أكذوبةٍ استُهلكت ولا حاجة لها اليوم، طالما أنه بالإمكان تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائى عبر هذا القانون الذى لا يُقرَّ سوى بحقوق اليهود فى أرض فلسطين، ويُنكر كل الحقوق الفلسطينية الخاصَّة بعودة اللاجئين، وحدود 1967، وأيضًا حقوق العرب المُقيمين بإسرائيل نفسها.

إسرائيل يهودية

صدَّقَ الكنيست الإسرائيلى فى القراءة الأولى على مشروع قانون «القومية»، الذى يعتبر إسرائيل دولةً قوميةً للشَّعب اليهودى، والذى مرَّ بمُوافقة 64 عضوًا، ومُعارضة 50، فيما يتطلَّب تمريره القراءتين الثانية والثالثة.

وأكد بيان الكنيست أن مشروع القانون يُكرِّس مكانة إسرائيل وطنًا قوميًّا للشَّعب اليهودى، وأن حقَّ الشَّعب اليهودى فى تقرير المصير فى وطنه حقٌّ حصرى له فقط، وأن القُدس عاصمة إسرائيل، والعبرية لُغتها الرَّسمية، كما يتبنَّى مشروع القانون التقويم العبرى تقويمًا رسميًّا للدولة، ويُعلن أيام الاستقلال والأعياد اليهودية وأيام الذكرى أيامَ عُطلةٍ رسميةٍ.

أهداف القانون

يرى المحللون أن هذا القانون له أهداف متعددة، يكمن أهمها فى إسقاط حق العودة لأكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطينى فى الخارج، إضافة إلى إسقاط حق الفلسطينيين فى تقرير المصير، وفى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؛ فاشتراط الحكومة الإسرائيلية على الفلسطينيين الإقرار بيهودية الدولة يأتى كُلَّما دار الحديث حول مُفاوضات لتسوية نهائية للقضية الفلسطينية، ولكن لتلك الأسباب يرفض الفلسطينيون الإقرار بيهودية إسرائيل، رغم الدعم الأمريكى لهذا الشرط؛ فالمُوافقة على هذا الشرط تعنى صراحةً التنازل عن جميع الحقوق الفلسطينية، بما فيها الأراضى التى احتُلَّت عام 1967، وكأن الفلسطينيين يقولون للأمم المتحدة إننا نرفض قراراتكم التى تنصُّ على حق العودة لأراضى ما قبل 1967، و‫لذلك فالاعتراف والإقرار يسلب الفلسطينيين حق عودة اللاجئين وحق التعويض حسب قرارات الشرعية الدولية.

التخلص من عرب إسرائيل

‫لا يقتصر الهدف من هذا القانون على سلب الفلسطينيين حق العودة وإقامة الدولة، بل تسعى إسرائيل أيضًا من خلاله للتَّخلُّص من العرب الموجودين فى إسرائيل، على أساس مبدأ تبادل الأرض بالسكان، ويبدو أن النواب العرب فى الكنيست الإسرائيلى قد أدركوا أخيرًا أنهم لم يكونوا سوى لعبة فى يد الاحتلال يستخدمها لكى يُدلِّس على العالم أن إسرائيل دولة ديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة وصيانة حقوق الأقليات من غير اليهود؛ لذلك لقى هذا القانون انتقادات شديدة من جانب أغلب الأعضاء العرب فى الكنيست البالغ عددهم 16 عضوًا، حيث وصف النائب العربى أحمد الطيبى مشروع القانون بأنه عُنصرى، وقال: «ينصُّ مشروع القانون على وجود نوعين من المواطنين؛ مجموعة من اليهود لديهم حقوق، ومجموعة أخرى مقبولة مسموح لها بالبقاء، ولكن دون حقوق، ويُحدِّد مشروع القانون قُرى سكنية لليهود فقط، وهذه هى العُنصرية بعينها».

من جهتها، قالت النائبة العربية حنين زعبى: «إن مشروع القانون يُثبت اعتراف الكنيست نفسه بأنه لا إمكانية واقعية لدولة يهودية وديمقراطية فى الوقت نفسه، وأنه على هذه الدولة أن تختار، وقد اختارت طوال الأعوام السبعين أن تكون يهودية، وليست ديمقراطية، وتفرض إسرائيل نفسها فى مشروع القانون كممثلة لكل اليهود، مع أن أحدًا لم يُخوِّلها بذلك، فإسرائيل لا تستطيع أن تتحدَّث باسم يهود العالم، ولا باسم سكان هذه البلاد، ولا باسم المواطنين، إسرائيل تستطيع أن تتحدَّث فقط باسم الصهيونية وما تنطوى عليه من توجُّه استعمارى وقيم عُنصرية».

جذور تاريخية

لم يكن هذا القانون وليدَ اللحظة، بل إنه له جذور تاريخية تعود لنشأة الحركة الصهيونية فى القرن التاسع عشر وسعيها لإنشاء دولة يهودية فى فلسطين، لكنَّ هذا المخطط ظهر بشكل علنى منذ عام 1995، وبالأخص بعد اغتيال إسحاق رابين، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، حيث إن الحكومات الإسرائيلية المُتعاقبة لديها قناعة تُفيد بعدم قُدرتها على تحقيق تسوية شاملة مع الفلسطينيين تمنحهم دولة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وبشكل رسمى بدأت إسرائيل فى إدراج مصطلح يهودية الدولة فى مفاوضاتها ومباحثاتها مع الفلسطينيين خلال لقاءات كامب ديفيد الثانية عام 1999 فى إطار البحث حول ملفات الحل النهائى التى تدَّعيها، ولم تقتصر تلك القناعة على الحكومات الإسرائيلية اليمينية المتعصبة، بل إن حكومة جورج بوش الابن تبنَّته بشكل علنى، فكان وزير الخارجية الأمريكى الأسبق كولن باول أوَّل من استخدم تعبير الدولة اليهودية عام 2001، ومن بعده جورج بوش فى قمَّة العقبة عام 2003 فى إطار تنسيق أمريكى مع الإسرائيليين.

وفى عام 2004 ظهرت نقطة التحوُّل الفعلية فى الموقف الإسرائيلى؛ إذ تطوَّر الموقف الإسرائيلى حيال مُطالبة الفلسطينيين بالإقرار بيهودية دولة إسرائيل، وتجلَّى ذلك فى التحفُّظات الـ14، التى وضعتها لتنفيذ خارطة الطريق، وتحديدًا فى التحفُّظ السادس الذى دعا إلى ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، واقترنت تلك التحفُّظات حينها بمُطالبة الفلسطينيين بالتنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل، إلا أن الجانب الفلسطينى لم يقبل بذلك الشرط، وبحلول عام 2007 خلال مؤتمر أنابوليس دعت إسرائيل إلى وجوب الاعتراف الفلسطينى بيهودية إسرائيل، إلا أنها عادت وتراجعت عن ذلك الشرط، بسبب الرفض الفلسطينى.

انهيار اتفاقية أوسلو

منذ اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحاق رابين فى 1995 على يد المتطرفين اليهود؛ بسبب سعيه لإقرار السلام مع الفلسطينيين، ولدى الحكومات الإسرائيلية المُتعاقبة قناعةٌ بعدم قُدرتها على تحقيق تسوية شاملة مع الفلسطينيين تمنحهم دولة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وبدا واضحًا تمامًا أمام السلطة الفلسطينية أنه لا أمل فى أى مفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية الحالية؛ لأنها ستكون مضيعة للوقت لا أكثر، لذلك لم يكن أمام المجلس الوطنى التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية إلا أن يُقرَّ مؤخرًا بأن التزامات الفترة الانتقالية التى نصَّت عليها الاتفاقيات المُوقَّعة فى أوسلو والقاهرة وواشنطن، لم تَعُد قائمةً، مُكلِّفًا اللجنة التنفيذية بتعليق الاعتراف بإسرائيل.

ومن اللافت أن الرئيس الفلسطينى محمود عباس، الذى كان يُعرف بعرَّاب أوسلو، قد كفر بها، وكفر بجدوى التفاوض مع الجانب الصهيونى، حيث إنه منذ إعلان ترامب عن أن القدس عاصمة لإسرائيل وأمر بنقل السفارة الأمريكية إليها، لم يكُفّ عباس عن التصريحات شديدة اللهجة، والتى تنمُّ عن يأسه من التفاوض، وهو ما ظهر جليًّا فى تصريحه الأخير الذى قال فيه: «إن مُعاداة السَّامية فى أوروبا لم تكن بسبب مُعاداة اليهود فى أوروبا، وإنما نتيجة لمُمارسة اليهود الرِّبا»، وهو التصريح الذى اعتبرته إسرائيل والأمم المتحدة وأمريكا وبعض الدول الأوروبية مُعاديًا للسَّامية، ما اضطر عباس للاعتذار عنه، وقبلها وصف الرئيس الفلسطينى السفير الأمريكى فى تل أبيب بـ«ابن الكلب»، وكلها تصريحات تؤكد أن أبومازن يتعرَّض لضغوط شديدة أفضت لابتعاد كلماته عن أى دبلوماسية معهودة عنه، وهذا يقودنا إلى أن إسرائيل اختارت هذا التوقيت بعناية للإعلان عن هذا القانون الذى تمَّ إخفاؤه لسنوات، ليتزامن مع إجراءات نقل السفارة الأمريكية للقدس فى الرابع عشر من الشهر الجارى.

أخيرًا، لا شك أن ما ما تقوم به إسرائيل اليوم فى ظل الدعم الأعمى من الحكومة الأمريكية لن يُبقى أىَّ احتمال لجدوى المُبادرة العربية التى طرحتها السعودية فى 2002 لحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين والعودة لحدود 1967، والتى رفضتها إسرائيل وقتها، وإننا أمام نكبة جديدة سيُعلن عنها خلال أيام، ولابد أن تكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة التى تعتبر القضية الفلسطينية ركنًا أساسيًّا فى جميع الصراعات التى تدور فيها منذ بدايات القرن الماضى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.