بعد إصدار فنزويلا عُملتها الرَّقميَّة «بيترو» كيف تُنقذ العملات الافتراضية مصر من مشاكل النقد الأجنبى؟

 كلُّ شىءٍ حولنا تحوَّل إلى الرَّقميَّة بفضل التَّقدُّم التكنولوجى، فلماذا نستبعد أن تتحوَّل الأوراق النقدية هى الأخرى لعُملات رقميَّة؟ فعلى الرغم من ارتباط العملات الرقمية وأشهرها البيتكوين بالغموض والعالم الافتراضى، فإن تناولها اقتصر على شبكة الإنترنت، بسبب حظرها من معظم حكومات العالم، لكننا يبدو أننا أصبحنا أمام مشهد آخر تمامًا بعد أن أعلنت فنزويلا رسميًّا منذ أيام عن إصدار أول عملة رقمية فى العالم، واسمها «بيترو»، والتى تغطيها الدولة باحتياطيات البلاد الضخمة من النفط والغاز.
أدخلتنا العُملات الافتراضية فى واقع جديد تمامًا للنظام المالى العالمى، فتحوُّل العملات الورقية إلى الرقمية بمثابة ثورة مالية، تشبه كثيرًا الثورة الرقمية فى مجال الاتصالات والإنترنت التى غيَّرت نمط حياة البشرية؛ لذلك من المؤكد أن تتغيَّر قواعد اللعبة المالية التى فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا عقب الحرب العالمية الثانية، والتى احتكر فيها الدولار دور الوسيط فى التعاملات التجارية الدولية، ما أتاح لأمريكا قدرة التحكم والتأثير فى اقتصاديات كل شعوب الأرض.

لذا ففى حالة نجاح هذه العُملات فى تحقيق الأهداف المُختلفة، وتبنِّى الحكومات المختلفة إصدار العُملات المُشفَّرة، فإن ذلك سيساعد الدول -خاصة التى تعانى من نقص النقد الأجنبى التقليدى ومنها مصر- فى الفكاك من سيطرة العملة الخضراء فى مختلف التعاملات المالية؛ خاصة فى ظل تمتُّع هذه العُملات بتطبيقات واسعة ظهرت بعد استخدام البيتكوين فى بعض البورصات العالمية الكبرى خلال الفترة الأخيرة.

وأثبتت التَّعاملات الخاصة بالبيتكوين فى بورصة ناسداك أنها غير مُعرَّضة للفساد وتستوعب مجموعةً كبيرةً من البيانات، لذا فمن الممكن للحكومات استعمالها لجمع الضرائب، وإصدار جوازات السفر، وتتبع سجلات الأراضى، وضمان سلسلة توريد السلع.

مُستقبل واعد للعُملة الفنزويليَّة

أظهرت الأرقام الرسمية للحكومة الفنزويلية أن العملة الرقمية «بيترو» -التى أطلقتها فى 21 فبراير الماضى- تلقى ترحيبًا من قبل المستثمرين عالميًّا، حيث تسعى فنزويلا من خلال تلك العُملة إلى تعويض نقص السيولة والتحايل على الحصار المالى والاقتصادى الذى فرضته الولايات المتحدة على الدولة اللاتينية الصغيرة.

وأكد الرئيس نيكولاس مادورو أن المبيعات الأولية من «بيترو» بلغت نحو 735 مليون دولار أمريكى، وجاء ذلك خلال احتفال أُقيم بمناسبة إطلاق العُملة الرقمية الأولى بالعالم، موضحًا: «لقد رأينا بالفعل نوايا شراء بيترو بقيمة 4.77 مليار يوان، وهو ما يعادل نحو 735 مليون دولار».

وأضاف الرئيس الفنزويلى أن هذه العُملة تُعزِّز من استقلال وسيادة فنزويلا الاقتصادية، وتسمح لها بمحاربة جشع القوى الأجنبية التى تحاول خنق الأسر الفنزويلية عبر العقوبات للاستيلاء على النفط.

موجة عالميَّة لإصدار العُملات الرَّقميَّة

أعلن العديد من الدول أنها تخطط لإطلاق عملة رقمية وطنية لها؛ وذلك لتحقيق أهداف اقتصادية ومالية مختلفة، فروسيا التى تأتى على رأس هذه الدول، والتى أعلن بنكها المركزى فى يونيو الماضى أنه بدأ فى إنشاء عملة إلكترونية وطنية، وأنه يعمل على العديد من القوانين واللوائح، التى تسمح باستخدام العملة الرقمية بحيث لا تتسبب فى مشاكل تؤثر على اقتصادها، تسعى هى الأخرى للتخلص من السيطرة المالية الغربية عليها، عبر النظام المالى العالمى الذى يهيمن عليه الدولار، لذا يُفرض عليها تكوين احتياطات ضخمة منه للحفاظ على قيمة عملتها الوطنية، بما جعل اقتصادها تحت رحمة صُنَّاع السياسة الأمريكية.

ويختلف الهدف من إصدار العُملة الإلكترونيَّة اليابانية، حيث تخطط مجموعة من البنوك اليابانية الكبرى لإنشاء عُملة رقميَّة تُسمَّى «جى كوين»، يمكن استخدامها لشراء السلع أو تحويل الأموال من خلال الهواتف المحمولة، لتكون منافسة مباشرة لشعبية البيتكوين.

وبالفعل تلقَّت الخطة دعمًا من البنك المركزى اليابانى وهيئة تنظيم القطاع المالى باليابان، كونها من المُمكن أن تساعد اليابانيين فى التخلص من اعتمادهم الكبير على النقد الأجنبى.

وتدرس الصين أيضًا -صاحبة ثانى أكبر اقتصاد فى العالم- إصدار عملة رقمية محلية، وذلك بسبب أن السوق الصينى كان أكبر الأسواق التى يتم فيها تداول العملات الرقمية قبل أن تحظر التعامل بها مؤخرًا، وهو ما كان سببًا رئيسيًّا فى الخسائر الكبيرة التى تكبدتها عملة البيتكوين منذ نهاية العام الماضى.

أثبتت التَّعاملات الخاصة بالبيتكوين فى بورصة ناسداك أنها غير مُعرَّضة للفساد وتستوعب مجموعةً كبيرةً من البيانات

أما عربيًّا فقد أعلنت الحكومة الإماراتية فى أكتوبر الماضى عن سعيها لإطلاق عُملتها الرقميَّة الرسميَّة تحت اسم «إم كاش»، وذلك بهدف جعل إمارة دبى الواجهة الحقيقية للمستقبل الرقمى، عن طريق استبدال التعاملات الإلكترونية بكل التعاملات المالية التقليدية.

وأعلنت مؤسسة النقد العربى السعودى فى أكتوبر الماضى عن خطة لإطلاق عملة رقميَّة تجريبية للتداول بين البنوك فقط لمواكبة التطورات العالمية.

وبجانب هذه الدول التى أعلنت رسميًّا أنها تُخطط لإطلاق عملات رقمية فإن هناك كثيرًا من الدول التى يتوقع أن تسير على هذا النهج، ومنها كوريا الشمالية والإكوادور اللتان تسمحان بتداول العملات الرقمية، أمَّا فى أوروبا فتدعو بعض المراكز البحثية الكبرى، ومنها المعهد الألمانى للاقتصاد، البنك المركزى الأوروبى لإصدار عملة رقمية رسمية، بهدف تحقيق مزيد من الاستقرار المالى فى أسواقه المالية.

البورصات والبنوك العالميَّة

على الرغم من الانتقادات الواسعة التى طالت العملات الرقمية فى السنوات الماضية، وعلى رأسها البيتكوين، لكنها تتخذ اليوم مكانًا مُميزًا فى جميع المناقشات الاقتصادية العالمية، ما يشير إلى تغيير واقع القطاع المالى.

ولم يقتصر الأمر على المناقشات التى دارت عن البيتكوين والعملات الرقمية فى أكبر منتديات الاقتصاد فى العالم، بل إن العديد من البورصات والبنوك العالمية استخدمت هذه العملة، حيث بدأ أول تداول على منتجات مالية تعتمد على عملة البيتكوين الإلكترونية فى إحدى البورصات الرئيسية بمدينة شيكاغو الأمريكية، ما اُعتبر خطوةً باتجاه تقنين العملة الرقمية فى الولايات المتحدة نفسها، كما دخل بعض عمالقة القطاع المالى مجال الاستثمار فى البيتكوين، حيث أعلن بنك جولدمان ساكس عن استثمار 50 مليون دولار فى شركة ناشئة تعمل فى مجال تقديم خدمات تخزين واستخدام البيتكوين.

تحذيرات أمريكيَّة

حذَّرت وزارة الخزانة الأمريكيَّة من السَّماح باستخدام العُملة الرقميَّة «بيتكوين»، وذلك بحجة تفادى استخدام هذه العُملة فى النشاطات غير الشرعيَّة.

ويرى بعض المحللين أن التحذيرات الأمريكية تأتى نتيجة المخاوف المتعلقة بحصول العملات الرقمية على حصة من أسواق النقد الدولية، تسمح لها بتنحية الدولار الأمريكى جانبًا والخصم من رصيده فى التعاملات التجارية الدولية التى يسيطر عليها، والتى تفرض من خلاله الولايات المتحدة هيمنتها التجارية والمالية على العالم.

حل مشكلة النَّقد الأجنبى بمصر

على الرغم من أن البنك المركزى المصرى حذَّر من التعامل مع كلِّ أشكال العُملات الافتراضيَّة المُشفرة، لما ينطوى على التعامل فى تلك العملات من مخاطر مرتفعة حيث يغلب عليها عدم الاستقرار والتَّذبذب الشديد، فإنه لا يمكن أن نستبعد إصدار البنك المركزى هذه العُملة فى المستقبل، فى حال إثبات فاعليتها فى التعاملات المالية فى الدول التى أصدرتها، وعملت على المساعدة فى حل المشاكل الناجمة عن استخدام أوراق النقد التقليدية، خاصة أن مصر تعانى منذ سنوات من مشكلة نقص النقد الأجنبى، والذى جعلها تلجأ إلى المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولى للاقتراض؛ لسد العجز ودعم احتياطيها النقدى، وكذلك فك احتكار العملة الخضراء على احتياطياتها من العُملة.

أخيرًا.. رغم كل التحذيرات والحظر فإن العملات الرقميَّة تُقدِّم واقعًا جديدًا فى عمليات الدَّفع والتحويلات وتسوية الأوراق المالية وغيرها من التطبيقات الواسعة، لذلك فإننا بتنا أمام واقع عالمى جديد، نتبادل فيه الأموال بنفس السرعة التى نتبادل فيها البيانات والاتصالات عبر الإنترنت والهواتف الذكية خلال المستقبل القريب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.