الغاز المسال من قلب أم الدنيا إلى كل الدنيا مصر تعيد صياغة خريطة الطاقة العالمية

 بعيدًا عن الجدل الدَّائر حول صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، باعتبارها نوعًا من التَّطبيع المرفوض سياسيًّا أو المقبول اقتصاديًّا، فقد بِتنا أمام حقيقةٍ أخرى لا تقبل الجدل، وهى أن مصر فى طريقها لتتحوَّل إلى مركز إقليمى لتداول الغاز المُسال، وذلك بعد الاكتشافات الضَّخمة لحقول الغاز فى منطقة شرق البحر المتوسط، فضلاً عن موقع مصر الاستراتيجى الذى يجعلها ممرًا مفتوحًا على جميع الأسواق الدولية، خاصة السُّوق الأوروبية المُتعطشة لإمدادات الغاز، ولكن كيف أصبحت القاهرة تحتل هذا المركز العالمى على حساب أنقرة التى خاضت حروبًا لتستأثر بهذا الموقع دون غيرها؟ هذا هو السُّؤال الذى ستجيب عنه«7 أيام» فى هذا التَّقرير.

احتياطات ضخمة

لعلَّ أول الأسباب التى ساهمت فى جَعْل مصر جديرةً بهذا المركز أن المياه الإقليمية المصرية فى شرق البحر المتوسط تسبح فوق بحر عميق من الاحتياطات الضَّخمة من الغاز الطَّبيعى، وهذا ما أكده العديد من التقارير الصَّادرة عن جهات بحثيَّة أجنبيَّة كُبرى، وكان أبرزها التَّقرير الصَّادر عن المساحة الجيولوجيَّة الأمريكيَّة فى عام 2010، الذى كشف عن أن منطقة دلتا النِّيل بالبحر المتوسط تُعدُّ من أهم مناطق العالم فى احتياطى الغاز باحتياطات تصل إلى 323 تريليون قدم مكعب قابلة للاستخراج، وهى نفس المنطقة التى يقع فيها حقل ظهر العملاق أكبر حقول الغاز فى المنطقة.

وتمتلك مصر مخزونًا عملاقًا من الغاز الصَّخرى، وهو من نفس النوع الذى تقوم باستخراجه الولايات المتحدة، التى بدأت فى تصديره مؤخرًا إلى بعض الدول الأوروبية، حيث كشف تقرير لوكالة الطَّاقة الأمريكيَّة فى أواخر عام 2013 عن احتواء الصَّحراء الغربية بمصر على نحو 536 تريليون متر مكعب من الغاز الصخرى، منها 99 تريليونًا قابلة للاستخراج.

وأعلنت وزارة البترول المصريَّة عن طرح مُزايدة عالميَّة للتَّنقيب عن الغاز والبترول فى المياه الاقتصاديَّة للبحر الأحمر، بالإضافة إلى الانتقال إلى المرحلة الثَّانية من مشروع تنمية حقول شمال الإسكندرية وغرب البحر المتوسط والجيزة والفيوم وحقل نورس بدلتا النيل، فضلاً عن إعلان حفر 20 بئرًا لاستخراج الغاز على بعد 180 كيلومترًا من بورسعيد بنهاية 2019، كما أعلن وزير البترول عن أن مصر وقَّعت اتفاقًا مبدئيًّا مع قبرص لمَدِّ خط أنابيب لضخ الغاز من قبرص إلى مصر، وهناك مُناقشات بدأت بين الحكومتين فى هذا الصَّدد مؤخرًا.

وعلى المستوى السِّياسى هناك مناقشات مع الشُّركاء الإقليميين لتحقيق هدف مصر فى أن تصبح مركزًا إقليميًّا للطاقة بالتَّوازى مع استراتيجية الطَّاقة التَّابعة للاتحاد الأوروبى.

سر لجوء إسرائيل لمصر

يكشف التَّقرير الذى نشرته صحيفة «قبرص ميل» أواخر يناير الماضى لُغز لجوء إسرائيل لتصدير الغاز إلى مصر، بعد أن كانت أكبر المُستوردين للغاز المصرى قبل سنوات معدودة، وكذلك تنازل تل أبيب عن 3 مليارات دولار قيمة أحكام قضايا التَّحكيم الدولى ضد مصر مقابل هذه الصَّفقة، فقد أكد فى هذا التَّقرير د.تشارلز إيلين، خبير الغاز العالمى بالمعهد الأطلسى، أن أكبر المشاكل التى تواجه تصدير الغاز فى الشَّرق الأوسط، خصوصًا قبرص وإسرائيل، هى المخاطر التُّجارية، بسبب انخفاض أسعار الغاز العالميَّة وعدم القدرة على مُنافسة الأسعار الرُّوسية المُهيمنة على السُّوق الأوروبية.
وأشار إلى أن توقُّف إسرائيل وقبرص عن التَّنقيب عن الغاز خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، على الرغم من الدعم الأوروبى، ليس بسبب المخاطر السِّياسيَّة، ولكن لعدم العثور على مشترين للغاز، موضحًا أن العامل الرَّئيسى المحدد للدولتين هو السعر، فمتوسط سعر الغاز فى أوروبا يتراوح بين 5 و6 دولارات، وتكلفة استخراج الغاز وتسييله من الدولتين ستكون أكبر من ذلك بكثير، وأشار إلى أنه بالنسبة إلى مصر، فإن الوضع مختلف، فزيادة عدد الحقول المُنتجة تعنى زيادة الإنتاج، والأمر غير مُقتصر على حقل ظهر الذى حظى بشهرة عالمية، ولكن بعدد آخر من الحقول التى تقع غرب دلتا النيل، وهذا الإنتاج لن يغطى الطلب المحلى فحسب، وإنما سيكون هناك فائض فى نهاية المطاف سيُحوَّل إلى محطات التَّسييل القائمة بالفعل فى مصر، ومن ثَمَّ تصديره للخارج.
وشدد التَّقرير على أنه يجب على قبرص وإسرائيل إيجاد طرق لإنتاج الغاز وبيعه بأسعار السُّوق الأوروبية، وهنا يكمن التَّحدى الرَّئيسى، فبالنسبة لإسرائيل لديها 3 طرق مُمكنة للتصدير إلى أوروبا؛ الأولى من خلال تسييله فى مصر ومن ثَمَّ تصديره لأوروبا مباشرة، أو تسييله لديها واستخدام خطوط الأنابيب التُّركية لأوروبا، أو إنشاء خطوط أنابيب خاصة بها، ومعظم الطرق لن تكون مجدية تجاريًّا، لأن تكلفتها ستتجاوز السعر الأوروبى، إلا استخدام الطَّريق المصرى، أمَّا بالنسبة لقبرص فسيكون الحل المصرى الأكثر قابلية للتَّطبيق لعدم وجود أزمات سياسية بين البلدين، بل بالعكس هناك علاقات قوية، ولكن تبقى أزمة التَّكلفة.

كشف تقرير لوكالة الطَّاقة الأمريكيَّة فى أواخر عام 2013 عن احتواء الصَّحراء الغربية بمصر على نحو 536 تريليون متر مكعب من الغاز الصخرى، منها 99 تريليونًا قابلة للاستخراج

انهيار الحلم التُّركى

تسعى تركيا -منذ التَّعاقد على مشروع «نابوكو» مع الاتحاد الأوروبى فى عام 2002 لمَدِّ الغاز من بحر قزوين بوسط آسيا إلى أوروبا عبر الأراضى التُّركية- أن تصبح مركزًا لنقل وتداول الغاز لأوروبا، بما يتيح لها التَّحكُّم فى اقتصاد القارَّة العجوز، ومن ثَمَّ ابتزاز أعضاء الاتحاد الأوروبى بهذه الورقة المُهمة وقبول عضويتها بالاتحاد فى نهاية المطاف.

ولعلَّ ذلك يُعدُّ أحد أهم البراهين التى تكشف تغيُّر سياسة تركيا فى المنطقة، وتحالفها مع روسيا فى سوريا بعد سنوات من العداء الشَّديد، بعد أن أدركت أن الرُّوس هم أصحاب الكلمة العُليا فى سوريا بعد التَّدخُّل العسكرى، وأن مشروع نقل الغاز القطرى إلى أوروبا انتهى إلى الأبد هو الآخر على يد الرُّوس، فما كان من أنقرة إلا أنها ارتمت فى أحضان الرُّوس وتخلَّت عن أحلامها فى سوريا، بعد أن اتفقت موسكو معها على مَدِّ خط غاز عبر أراضيها لنقل الغاز عبر البحر الأسود لتركيا ومن ثَمَّ إلى أوروبا عبر اليونان، وهو ما يُفسِّر التَّقارب التُّركى الأخير مع اليونان على الرغم من العداء التَّاريخى والأزلى بين البلدين. لكن هذه الأحلام الأردوغانية فى الاستئثار بالسَّيطرة على الاقتصاد الأوروبى عبر الغاز باتت مُهددة مرَّة أخرى بعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، التى مهَّدت لتكثيف عمليات البحث والاستكشاف فى المنطقة الزَّاخرة بالغاز الطَّبيعى، وبعد أن تأكدت أن الغاز المُستخرج من هذه المنطقة سيمرُّ بمصر وليس عبر أراضيها نظرًا لاعتبارات اقتصاديَّة وجيوسياسيَّة بعد تمركز الأسطول الروسى بطرطوس فى سوريا، لذلك شرعت سريعًا فى إعلان التَّنقيب عن الغاز بشرق البحر المتوسط فى المياه الإقليمية المصرية، بعدما رفضت الاعتراف باتفاقية ترسيم الحدود بين مصر وقبرص، ومنعت سفنها البحرية حفَّارات شركة إينى الإيطالية من التَّنقيب عن الغاز فى المياه الإقليمية القبرصية، وهو ما استدعى مصر أن تردَّ بقوة على هذه الاستفزازات حينما أعلنت أنها لن تسمح بالمساس بالسِّيادة المصريَّة تحت أىِّ ظرف.

صراع دولى محموم

لا يخفى على أحد أن هناك صراعًا عالميًّا محمومًا بين روسيا والولايات المتحدة لفَرْض الزَّعامة على العالم، وتحتل قضية السَّيطرة على الطَّاقة صُلب هذا الصِّراع الطَّويل، لذلك تسعى واشنطن لوجود بدائل للغاز الرُّوسى فقد كانت هى مَنْ تبنت فى عام 2002 مشروع «نابوكو» لنقل الغاز من بحر قزوين إلى أوروبا، وبعدها مشروع نقل الغاز القطرى إلى أوروبا، ودعم إسقاط نظام الأسد فى سوريا، وبعد أن فشلت هذه المحاولات على يد الرُّوس تسعى واشنطن لمنع روسيا من مَدِّ خطوط غاز جديدة لأوروبا عبر الضَّغط على بعض الدول الأوروبيَّة الحليفة لشراء الغاز المُسال الأمريكى عالى التَّكلفة مقابل رفض الغاز الرُّوسى المُنخفض التَّكلفة، وبالفعل صدَّرت شُحنات إلى كلٍّ من بولندا وليتوانيا فى الفترة الأخيرة، غير أن معظم الخبراء يرون أن الولايات المتحدة لن تستطيع أن تفى بالاحتياجات الأوروبيَّة الضَّخمة من الغاز خاصة فى ظلِّ التَّكلفة العالية للغاز الصَّخرى الأمريكى مقارنة بالغاز الرُّوسى الرَّخيص.

أمَّا سياسة مصر الخارجيَّة فتحفظ التوازنات مع القوى الكبرى، وتنأى بنفسها على أن تكون أرضًا خصبة للصِّراع بين تلك الدول، كما حدث فى سوريا والعراق وأوكرانيا، مكتفيةً بأن تكون مركزًا إقليميًّا لتداول الغاز المُسال يحفظ مصالح الجميع، ويكون بعيدًا عن مُزاحمة القوى الكبرى فى أسواق الطَّاقة التى هى سِرُّ نفوذها السِّياسى والاقتصادى على العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.