فى عيد ميلاده العاشر بعد رحيله من المرأة الحقيقية فى حياة محمود درويش؟

 محمود درويش الشاعر الفلسطينى الذى وُلد فى 13 مارس 1941 بالأراضى الفلسطينية، والتى ارتبط اسمه بالنضال والكفاح كونه جزءًا من قضيتها طوال عمره، فكان أحد أهم رموز القضية الفلسطينية بجانب توليه العديد من المناصب وتكريمه فى عدة محافل، وبالطبع قد خاض العديد من التجارب السيئة فى حياته نتيجة ذلك، ولكن لا يغفل أحد دوره هذا، وهو ما تجلَّى فى ردود الفعل بعد وفاته فى 9 أغسطس 2008.

وتزامنًا مع شهر المرأة نحاول أن نعيد القراءة سريعًا فيما يخُصُّ حواء فى حياة محمود درويش، عارضين مقتطفات بسيطة تنم عن ذلك، فقد كانت لها تأثير واضح على أعماله فى مختلف مراحل عمره، وكانت محط إسقاطات تدلُّ على تقديسه لدورها الوجودى الأساسى فى حياتنا التى أراد أن يُرسِّخ بها مفهومًا قد يُعززها أكثر.

المرأة كأُمٍّ فى حياة درويش

لم يدرك عُمق هذه العلاقة وحاجته إليها إلا عندما أُودع فى السجن وهو فى سن الرابعة عشرة، حيث شعر بحاجته إلى دفء الأم وحنانها فى لحظات مشبعة بالحقد والكراهية والتغطرس تلك التى عاشها فى سجن المحتل، فالأم عند درويش تعنى له الحب المفقود والملاذ الذى يلوذ إليه عند الشعور بالحرمان أو قسوة الحياة، فيرى فى استحضار صورتها خلاصًا من الشعور بالوحدة والضياع والغياب، فقال:

أحنُّ إلى خبز أمى

وقهوة أمى

ولمسة أمى

وتكبر فى الطفولة

يومًا على صدر يوم

وأعشق عمرى لأنى

إذا مت

أخجل من دمع أمى

وقال:

أمى تَعُدُّ أصابعى العشرين عن بُعد، تمشطنى بخصلة شعرها الذهبى

تبحث فى ثيابى الداخلية عن نساء أجنبيات، وترفو جوربى المقطوع

لم أكبر على يدها كما شئنا، أنا وهى، افترقنا عند منحدر الرُخام.

المرأة كأرض ووطن فى حياة درويش

كانت المحبوبة فى أغلب قصائده هى الوطن فلسطين، ففلسطين بالنسبة له أمه ومحبوبته وأخته ومعشوقته، هى كل شىء فى حياته لذلك لُقِّب بمجنون التراب، وشاعر الأرض المحتلة، وعاشق من فلسطين، وشاعر الثورة.

فعمليَّة التمازج بين المرأة والوطن ظاهرة وبارزة عند الشعراء، لكن درويش عمَّق من عملية التمازج وبلغ ذروتها حتى درجة التوحد، وذلك أن قناعته الحقيقية بعملية التمازج بين المرأة والأرض أو الوطن ممتدة فى التراث الإنسانى لما بينها من نقاط التقاء وتشابه فكلتاهما رمز للخصب والنماء، كما أنهما رمز للحياة وبينهما البدء الإنسانى يتم بالخروج من رحم المرأة، فإن المنتهى الإنسانى يكون دخولاً فى رحم الأرض، وهما الوعاء الذى تُلقى الطبيعة فيه بذورها.

قال درويش:

الأرض أم أنت عندى أم أنتما توأمان

من مد للشمس زندى الأرض أم مقلتان

سيان سيان

إذا خسرت الصديقة فقدتُ طعم السنابل

وإن فقدت الحديقة ضيعت عطر الجدائل

وضاع حلم الحقيقة

وقال:

فلسطينية العينين والوشم، فلسطينية الاسم

فلسطينية الأحلام والهم، فلسطينية المنديل والقدمين والجسم

فلسطينية الكلمات والصمت، فلسطينية الصوت

فلسطينية الميلاد والموت

حملتك فى دفاترى القديمة

نار أشعارى

حملتك زاد أشعارى

وباسمك صمت فى الوديان

خيول الروم أعرفها، وإن يتبدل الميدان

سأكتب جملة أعلى من الشهداء والقتل

فلسطينية كانت ولم تزل

وقال أيضًا:

آه يا جرحى المكابر

وطنى ليس حقيبة

وأنا لست مسافر

إننى العاشق والأرض حبيبة

وبكلمات أخرى قال:

أموت/ أحبك

إن ثلاثة أشياء لا تنتهى

أنت والحب والموت

فكونى امرأة/ كونى مدينة

المرأة كعاشقة فى حياة درويش

تعددت أسماؤها ومواقفه المتغيرة من فُراقها، وتعددت كلمات قصائده مثل (لن تأتى وأنتظرها وغيرها..)

وقال:

قسوت حبيبى، حرام.. حرام نضيع أيامنا

إلى أين نمضى.. أناديك، إنى خلفك، فيك، أحُث المنى

لعينيك.. ليلى الطويل.. وفجرى القصير، وكل الذى فى الدُّنى

لعينيك عيناى.. قلبى، ذاتى، فكرى.. جسمى كلى أنا

أحبك.. حتى القساوة فيك.. وحتى فرارك من دربنا

وقال أيضًا:

أختاه

غيبنى، ولم أدر

كيف اندفعت إليه فى سيرى

قد قال لى يومًا وفى شفتيه ما يُغرى

شفتاك عنقودان من عنب

يا كرمة العنب

ومضى ولم يترك سوى الزَّغب

من كرمة العنب

المرأة كإنسانة فى حياة درويش

المرأة عند درويش ليست كأى امرأة وإنما هى امرأة فنية يستغلها الشاعر فى التعبير، فقد غازل النساء الطويلات والقصيرات، فى قصيدته، مثل (الجميلات هن الجميلات)، واستطرد فى باقى إشادته، وفى باقى قصائده أيضًا، واصفًا أغلب صفات المرأة الفسيولوجية والظاهرية ومُثنيًا عليها.

المرأة التى كانت فى حياة محمود درويش كانت بالنسبة له ليست اسمًا معينًا أو علاقة خاضها بكل إخلاص، حتى المرأة كانت حواء التى خُلقت من ضلع آدم، فدائمًا كان منظوره يدلُّ على قناعته بأن المسئولية الأكبر عند آدم، وأصل الحياة عند حواء.