فى الذكرى الـ70 لتأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس نكبة جديدة لفلسطين

 نَكْبةٌ جديدةٌ للقضيَّة الفلسطينية وللوطن العربى، وخطوةٌ أخرى نحو تحقيق حلم إسرائيلى زائف للاستيلاء على المدينة المُقدَّسة.. هذا باختصار ما مثَّله الاحتفال بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب لمدينة القُدس المُحتلَّة؛ فعلى بُعد نحو كيلومتر من المسجد الأقصى قبعت السفارة الأمريكية الجديدة التى استغرق تشييدها 7 سنوات، ليُؤكِّد مبناها الذى جاء على طراز الأبنية التاريخية أن هناك تاريخًا أسودَ يُكتب لهذه المنطقة لا شك أنه ستُرسم خلاله سيناريوهات نُحاول أن نستشرف قراءة بعضها فى هذا التقرير.

تعطيل عملية السلام

قال السفير بركات الفرا، المندوب الأسبق لفلسطين فى جامعة الدول العربية، إن أوَّل تداعيات قرار افتتاح السفارة الأمريكية فى القدس يعنى تعطيل عملية السلام، حيث إنه ليس أمام الشعب الفلسطينى إلا أن يظل يتصدَّى لهذا القرار هو وكل شعوب الأمة العربية، وهذا يُعد أحد أهم التداعيات الخطيرة لهذا القرار على الأمن والسلم الدوليين، بجانب أنه قرار يتناقض مع قوانين الشرعية الدولية والأمم المتحدة. أضاف أن افتتاح السفارة يعنى أيضًا أن تخرج الولايات المتحدة الأمريكية تمامًا من المُعادلة كراعية لعملية السلام فى الشرق الأوسط، فلابُدَّ أن يرعى عملية المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل الأعضاء الدائمون بمجلس الأمن بجانب ألمانيا (6+1)، وذلك على غرار ما حدث فى الملف النووى الإيرانى، فيجب أن يتَّفق العرب أن من يرعى عملية السلام والمفاوضات لا يكون دولة واحدة كما حدث فى السابق، موضحًا أن روسيا لا يُمكن أن تأخذ دور الولايات المتحدة فى هذا الملف بسبب تصاعد التوتر بينها وبين الغرب.

الضغوط العربية

أكد الفرا أن العلاقات الدولية عبارة عن مصالح، وأنه بقدر ما نستطيع أن نستثمر ما لدينا من إمكانيات وعلاقات كعرب فى العالم بمقدار ما نستطيع أن نصل إلى الأهداف التى نسعى لتحقيقها. وأضاف: «نحن كأمة عربية بلا جدال لدينا كثير من الأوراق والمصالح مع جميع الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه إحدى الصيغ الأخرى التى يجب أن نسير عليها فيما بعد هذه الأزمة». ويرى أن مصالح إسرائيل هى التى ستُجبرها على التفاوض مع العرب لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، خاصة إذا تم الضغط عليها من الدول التى لديها مصالح فى المنطقة العربية، وذلك رغم التعنُّت الذى مارسته فى الفترة الماضية.

إسرائيل مُحاصرة

ذكر مندوب فلسطين الأسبق فى الجامعة العربية أن إسرائيل ليست بالأسطورة التى لا تُقهر، لأنها مُحاصرة بأحزمة نارية فى غزة ولبنان وسوريا، وهى تعلم ذلك يقينًا أن انفجار الوضع سيُكبِّدها خسائر شديدة للغاية، وأنه لا يمكن لأمريكا أن تُنقذها فى تلك اللحظة.

سايكس بيكو جديدة

عن تداعيات القضية على المنطقة أكد الفرا أنه لابُدَّ من معرفة أن قضية إسرائيل لا تقف عند حدود القضية الفلسطينية، فالأطماع أكبر بكثير من فلسطين، موضحًا أن مخطط تقسيم الدول العربية لايزال المشروع الرئيسى للكيان الصهيونى، مُتسائلاً: ألم يُعلن الغرب أن اتفاقية سايكس بيكو 2016 قد انتهت، ولابُدَّ من اتفاقية جديدة يُعاد بموجبها رسم خارطة الوطن العربى، وهو ما نُشر علانيةً فى صُحُف كُبرى مثل «الجارديان»، و«واشنطن بوست»؟

أشار الفرا إلى أنه بالطبع هناك احتمالات لانضمام دول أخرى لنقل سفاراتها إلى القُدس، خاصةً إذا لم نُحسن مُواجهة هذا القرار فى الوقت الراهن، وبالتالى لابُدَّ من الإسراع فى وضع خطة تشمل اتخاذ قرار فى الجامعة العربية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أى دولة تنقل سفارتها إلى المدينة المقدسة.

صفعة القرن

من القدس يقول أديب جودة الحسينى، أمين مفتاح كنيسة القيامة وحامل ختم القبر المُقدَّس: «اشترك الرئيس الأمريكى مع رئيس دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو فى جرائم قتل الفلسطينيين، والتى مازالت مستمرةً حتى يومنا هذا، وأعداد الشهداء تتزايد يومًا بعد يوم، فكل يوم يمر يدفع الفلسطينيون ثمنًا غاليًا نتيجة هذا القرار المُشين، وجميعنا مُتفقون على أن (من لا يملك أعطى لمن لا يستحق)»، مشيرًا إلى أنه «بدلاً من أن تكون صفقة القرن كانت صفعة القرن للعالم أجمع، فترامب ونتنياهو يتلذذان بتلطيخ أياديهما بدماء الفلسطينيين، وكأن هذه اللعبة القذرة راقت لهما».

يومٌ أسود

يعتبر الحسينى يوم الاثنين 14 مايو يومًا أسودَ فى تاريخ مدينة القدس، حيث سيتم الاحتفال بافتتاح السفارة الأمريكية فى أحد أحياء مدينة القدس المحتلة، وبمُباركة دولة الاحتلال التى سعت جاهدةً لإيجاد هذا المبنى وسارعت بتحضير جميع التصاريح والرُّخص الأمنية والمدنية ليتسنَّى للسفارة مباشرة أعمالها دون أى إعاقات.

أوضح د.جهاد الحرازين القيادى بحركة فتح الفلسطينية أن نقل السفارة الأمريكية للقدس يُشكِّل وصمة عار فى جبين الديمقراطية الزائفة والخادعة التى تتغنَّى بها الوﻻيات المتحدة وصورة من صور التَّنكُّر للقانون الدولى وحقوق الإنسان وضرب بعُرض الحائط لكل اﻻتفاقيات والمواثيق الدولية، ولذلك سيكون هناك تحرك فلسطينى على عدَّة أصعدة مع الدول العربية والإسلامية والأوروبية ودول العالم الحر، حيث سيكون هناك توجه لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان لإدانة اﻻحتلال والمطالبة بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطينى واﻻعتراف بالدولة الفلسطينية والحصول على العضوية الكاملة بالأمم المتحدة مع اﻻنضمام لمجموعة جديدة من المنظمات والمعاهدات الدولية وتفعيل عدَّة ملفات أمام محكمة الجنايات الدولية لمُحاسبة قادة اﻻحتلال على الجرائم التى ارتكبوها بحق الشعب الفلسطينى، وهناك تحرك على الصعيدين العربى والإسلامى لتفعيل قرارات القمم العربية السابقة أعوام 1980، و1990، و2000، والتى دعت جميعها إلى مقاطعة الدول التى تُقدم على نقل سفاراتها إلى مدينة القدس مع ضرورة تعزيز صمود الشعب الفلسطينى ودعمه بكل الوسائل والإمكانيات.

كما أكد د.أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والقيادى بحركة فتح الفلسطينية، أن «السبب الرئيسى فيما وصلت إليه الآن الدولة الفلسطينية هو الانقسام فى الإدارة السياسية للدولة، سواء من فتح أو من حماس».

بداية الصدمة

فى ديسمبر الماضى أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً لإسرائيل، واصفًا هذا التحرك بأنه «خطوة متأخرة جدًّا» من أجل دفع عملية السلام فى الشرق الأوسط والعمل باتجاه التوصل إلى اتفاق دائم، لافتًا إلى دعم بلاده إلى حل الدولتين إذا أقره الإسرائيليون والفلسطينيون، مُطالبًا وزارة الخارجية الأمريكية ببدء استعدادات نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. بالفعل، بدأت الخارجية الأمريكية فى تحضيرات نقل السفارة الأمريكية عبر استبدال لافتات القنصيلة بالقدس لسفارة الولايات المتحدة الأمريكية، كما بدأت بلدية القدس فى تمهيد الطرق المؤدية للسفارة، وبحسب ما أشار موقع «واللا» العبرى، فإن السفير الأمريكى فى إسرائيل ديفيد فريدمان وجَّه الدعوات الرسمية لعدد كبير من الضيوف لحضور نقل السفارة الأمريكية.

استعدادات خاصة

استعدَّت بلدية القدس لافتتاح مقر السفارة الأمريكية الجديدة فى المدينة المحتلة بتنظيف الشوارع وتزيينها بالزهور ولافتات الترحيب، إلى جانب تزيين الطرقات والحافلات بعلمى أمريكا وإسرائيل، ويشارك فى الاحتفال 30 سفيرًا من أصل 86 مُعتمدين لدى تل أبيب، فيما رفضت باقى الدول الدعوة، وكثفت حكومة دوريات الشرطة من مرورها على الطرق المؤدية للبلدة ومقر السفارة بشكل خاص.

ورحَّب المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلى للإعلام العربى أوفير جندلمان، بالسفارة الأمريكية قائلاً: «أهلا وسهلاً بالسفارة الأمريكية الجديدة بأورشليم».

المُقاطعون للاحتفال

أعلنت جميع الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبى، إضافة إلى روسيا والصين، رفضها للخطوة التى اتخذتها الولايات المتحدة، وبحسب صحيفة «هاآرتس» العبرية، فإن معظم سفراء الاتحاد الأوروبى المُعتمدين لدى إسرائيل قرَّروا مقاطعة الاحتفال الذى سيُقام بمناسبة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، وأشارت إلى أن كلاً من أستراليا وبولندا وألمانيا وأيرلندا ومالطا والمكسيك والبرتغال والسويد رفضت إرسال مندوبين لحضور الاحتفال، فى الوقت الذى وصل فيه وفد كبير من الولايات المتحدة الأمريكية لحضور مراسم الاحتفال فى مقدمتهم إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وجاريد كوشنر، كبير مستشارى البيت الأبيض، على رأس وفد يضم 250 عضوًا بينهم وزير الخزانة ستيفن منوشين، ونائب وزير الخارجية جون سوليفان. كما رفضت مصر حضور مراسم نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، رغم إرسال الحكومة الإسرائيلية دعوةً رسميةً لحضور الاحتفال.

جميع الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبى، إضافة إلى روسيا والصين، أعلنت رفضها للخطوة التى اتخذتها الولايات المتحدة

أمريكا ليست الوحيدة

إعلان الولايات المتحدة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس كان بمثابة البداية والحافز لعدَّة دول تستعد للسير على النهج ذاته، ففى مارس الماضى أعلن رئيس جواتيمالا جيمى موراليس أن بلاده ستنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس يوم 16 مايو، بعد يومين من النقل الأمريكى، بينما أبدت رئيسة وزراء رومانيا فيوريكا دانشيلا لنظيرها الإسرائيلى بينامين نتنياهو استعداد بلادها لنقل سفارتها من تل أبيت إلى القدس، كما بدأت الخارجية الرومانية بالفعل فى نقل المقر، وسط معارضة من الرئيس الرومانى كلاوس يوهانيس، الذى شدد على أن هذه الخطوة لن تتخذ قبل اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول وضع القدس، كما أعرب الرئيس التشيكى، ميلوش زيمان، نيته نقل سفارة بلاده لدى إسرائيل، من تل أبيب إلى مدينة القدس، وذلك على 3 مراحل، ووافق البرلمان الهندوراسى أيضًا بالأغلبية على نقل السفارة الهندوراسية للقدس.

فلسطين تُندِّد

طالب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات بمقاطعة دولية لحفل افتتاح نقل السفارة الأمريكية لدى إسرائيل فى القدس، قائلاً إن المشاركة فى حفل الافتتاح تُضفى الشرعية على قرار غير شرعى وغير قانونى وتُعزز الصمت على سياسات الاحتلال الإسرائيلى الاستعمارى.

القدس ثكنة عسكرية

شهد حرم المسجد الأقصى حالة من الاستنفار القصوى، عقب تحويل قوات الاحتلال ساحات الأقصى ومدينة القدس إلى ثكنة عسكرية، واعتدت قوات الاحتلال الإسرائيلى الخاصة على حُرَّاس المسجد، لتصدِّيهم لعصابات المستوطنين فى منطقة «باب الرحمة» داخل الأقصى خلال صلواتهم التلمودية العلنية، وهتافاتهم، وتصفيقهم الاستفزازى فى المسجد، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية.

ورفع مستوطنون العلم الإسرائيلى فى ساحات الأقصى فى الوقت الذى شرع فيه المصلون.

تحصيل حاصل

يرى المؤرخ والباحث الفلسطينى عبدالقادر ياسين أن قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس تحصيل حاصل، إلا أن البعض اعتقد أن القرار جاء كاشفًا عن التحيُّز الأمريكى لإسرائيل، لكن هذا الاعتقاد خاطئ، فالأولى مُنحازة للثانية حتى قبل قيام دولة الاحتلال ذاتها.

مُقاومة اللامقاومة

يرى ياسين أن «التظاهرات والمسيرات لا يُمكنها أن تُحرِّر وطنًا مُحتلاً، وأن مثل تلك الأساليب يمكن أن تُغيِّر مواقفَ فى أوطان غير ديمقراطية وليست دولاً مُحتلة، فليس من المنطقى تنظيم تظاهرات وسقوط العشرات من الجرحى والشهداء لتتباهى الفصائل الفسلطينية بذلك»، مؤكدًا أن «فصائل المقاومة لم تعد تُقاوم».

قرار نقل السفارة الأمريكية جاء انعاكسًا لحالة التماهى الأمريكى الإسرائيلى عقب تنامى التيار الشعبوى الأمريكى بعد وصول ترامب لسُدَّة الحُكم فى أمريكا

تداعيات نقل السفارة

أما أستاذ العلوم السياسية طارق فهمى فيرى أن تنفيذ الولايات المتحدة الأمريكية نقل السفارة إلى القدس سيعقبه نقل عدة دول أمريكية لاتينية وأفريقية وشرق آسيوية لسفاراتها إلى القدس، وهو أمر بالغ الخطورة، لأنها ستحذو حذو سابقتها, ما يفرض واقعًا جديدًا يتمثل فى جانب فلسطينى عليه أن يعى المتغير الجديد.

أمريكا تتنازل عن الوساطة

نائب رئيس المركز العربى للبحوث والدراسات، هانى سليمان، قال إن نقل الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس يُعدُّ تنازلاً صريحًا عن دورها الذى طالما سعت لإقناع العالم به، وهو أنها وسيط مُحايد لإنهاء الصراع العربى الإسرائيلى، فنقل السفارة جاء انعاكسًا لحالة التماهى الأمريكى الإسرائيلى عقب تنامى التيار الشعبوى الأمريكى بعد وصول ترامب لسدة الحكم فى أمريكا.

فرناس حفظى ورضا يوسف ومحمد فوزى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.