هل سيُحاكم نتنياهو بعد اتِّهامه بالفساد للمرة الثَّالثة؟

 يبدو أن إسرائيل على وشك الدُّخول فى مُنعطفٍ جديدٍ ربما يعصف بحكومتها التى اُنتخبت فى مُنتصف مارس من عام 2015، وأسفرت عن تشكيلها للمرَّة الرَّابعة والثَّلاثين، فزلزال عنيف بدأ فى ضرب رأسها بصورةٍ مباشرةٍ، عقب اتِّهام رئيس الوزراء المُنتخب بنيامين نتنياهو بالفساد وخضوعه للتَّحقيقات، فما الاتِّهامات المُوجهة له؟ وما مصيره ومستقبل حزبه «الليكود»؟ ومَنْ يرأس الحكومة حال الإطاحة به بالتزامن مع تقرير عن مجموعة «الشفافية العالمية»، والذى وضع تل أبيب فى المرتبة الـ34 عالميًّا فى الفساد؟ ولذلك تجيب «7 أيام» فى هذا التَّحقيق عن هذه الأسئلة.
مظاهرة حاشدة فى إسرائيل ضد نتنياهو

قضايا نتنياهو

تورَّط رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى 3 قضايا رئيسيَّة لها علاقة بسعيه لتحسين صورته وعائلته فى وسائل الإعلام بطرق غير مشروعة، ففى القضية الأولى طلب من رجل الأعمال ليونارد بلافاتنيك شراء القناة العاشرة الإسرائيلية، حتى يحصل صديقه أرنون ميلتشين -المُساهم فى القناة- على أرباح من بيع أسهمه، مع تعيين مدير مكتبه أرى هارو رئيسًا لشركة الأخبار فى القناة، كخطوة لبناء الثِّقة بينه وبين مالكى القناة الجدد.

لكن بيع الشركة لم يدر الأرباح المُتوقعة، فى الوقت الذى قدَّم فيه ميلتشين هدايا عينية لنتنياهو وزوجته، تمثَّلت فى زجاجات شمبانيا وعلب السيجار الفاخر والحلى باهظة الثمن، وبلغت قيمتها 285 ألف دولار أمريكى.

أمَّا القضية الثَّانية فتورَّط فيها نتنياهو عقب محادثاته مع أرنون موزيس ناشر صحيفة يديعوت أحرونوت، والتى جاءت فى سياق تقوية الصحيفة على حساب جريدة إسرائيل هيوم واسعة الانتشار، فى مقابل تقديم الأولى دعمًا إعلاميًّا لرئيس الحكومة وعدم الهجوم عليه، وهو ما حدث بالفعل، وقام مدير مكتبه أرى هارو بتسجيل تلك المكالمات. كما يُتهم نتنياهو بأنه طلب من رجل الأعمال «بلافاتنيك» البحث عن مُستثمر لشراء أسهم من «يديعوت» لمساعدة «موزيس» فى تقوية الصَّحيفة.

والقضية الثَّالثة فإنها تشبه القضية السَّابقة، وقالت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إنها تمثَّلت فى تسهيلات قام بها نتنياهو خلال توليه وزارة الاتصالات ورئاسة الحكومة بين عامى 2014 و2017، لرجل الأعمال شاؤول أولوفيتش، صاحب موقع «واللا» العبرى الشَّهير فى إسرائيل، وشركة «بيزك» أكبر مجموعة اتصالات فى إسرائيل، وغيرهما من الشَّركات والمواقع الإلكترونيَّة، مقابل تغطية أخبار نتنياهو إيجابيًّا وعدم مهاجمته أو انتقاده. وبحسب تحقيقات الشُّرطة الإسرائيليَّة فإن نتنياهو قدَّم تسهيلات لأولوفيتش رغم معارضة وزارة الاتصالات لذلك، وتلقى العاملون فى «واللا» على إثرها آليات مختلفة لمتابعة أخبار «نتنياهو» من المديرين التحريرين والتنفيذيين بالمؤسسة، وهو ما نفوه تمامًا.

وأفادت القناة الثَّانية الإسرائيليَّة -وهى محطة تلفزيونيَّة غير رسميَّة- بأن القضية الأخيرة نُقلت من هيئة الأوراق الماليَّة الإسرائيليَّة إلى الشُّرطة التى بدأت بإجراء تحقيق سرى فى الملف المُتورط فيه أيضًا شخصيات مهمَّة، لافتة إلى أن تلك القضية أقوى بكثير من القضايا الأخرى لـنتنياهو، لأنها تحمل مفاجآت ربما تُفجِّر الوسط السِّياسى الإسرائيلى لتورُّط شخصيات كبيرة فيها.

الشُّرطة تتهمه رسميًّا

منذ مطلع عام 2017 استجوبت الشُّرطة الإسرائيليَّة نتنياهو 7 مرَّات، وعملت على جَمْع الأدلة، حتى وجَّهت له اتِّهامًا رسميًّا بالفساد والاختلاس وسوء استغلال الثِّقة فى ملفين آخرين يوم 13 فبراير الماضى، على أن يُستجوب أمام المحكمة كمتهم فى قضية «بيزك»، وكشاهد فى شكوك حول فساد مُحتمل وقع خلال بيع ألمانيا لإسرائيل ثلاث غوَّاصات عسكريَّة.

رَدُّ نتنياهو

فى منتصف فبراير الماضى نفى نتنياهو التُّهم التى وجهتها إليه الشُّرطة الإسرائيليَّة بارتكابه جرائم رشوة واحتيال، وأكد فى خطاب تلفزيونى أن الادِّعاءات لا أساس لها من الصِّحة، وأنه لم يرتكب أىَّ مخالفات، ولم يحاول قط تحقيق مكسب شخصى خلال وجوده فى منصبه.

الإسرائيليون ينتفضون

عقب توجيه الاتِّهام رسميًّا لنتنياهو تظاهر آلاف من المواطنين الإسرائيليين، فى ساحة المسرح الوطنى بالعاصمة تل أبيب، للمُطالبة برحيل ومحاكمة رئيس وزرائهم، رافعين لافتات كُتب عليها «رئيس وزراء الجريمة»، و«باى باى بى بى». وأعلن رئيس كتلة ميرتس اليسارية المُعارضة فى الكنيست إيلان غليون عن عزمه تقديم مشروع قانون لحلِّ الكنيست والبَدْء فى إجراءات الإعداد لانتخابات مبكرة، عقب فقدان نتنياهو لثقة الشَّعب الإسرائيلى على إثر خلفية قضايا الفساد، بحسب وصفه. أمَّا رئيس حزب يش عتيد «هناك مستقبل» الإسرائيلى فأكد على ضرورة تنحِّى نتنياهو عن السُّلطة حتى تنتهى التَّحقيقات وتثبت إدانته من عدمها، وليتفرَّغ للنِّزاع القضائى.

مستقبل نتنياهو

تستبعد أستاذ العلوم السِّياسيَّة بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائيَّة، د.حنان أبوسكين، أن يقوم تنتياهو بالتَّنحى، وتقول إنه شخصيَّة مُتمسكة بالسُّلطة لأعلى درجة ولا يُوجد أىُّ مؤشر لنيَّته فى تَرْك السُّلطة منذ بَدْء التَّحقيقات معه، بل على العكس قام بتوظيف الأزمة ليهاجم الشُّرطة ويُصوِّر الاتِّهامات على أنها صراع سياسى بين المؤسسات السِّياسيَّة فى إسرائيل.

أمَّا أستاذ العلوم السياسية وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجيَّة، د.جمال يوسف، فقال إن الموقف السياسى لـ«نتنياهو» سيتأثر بالتأكيد بقضايا الفساد الجارى التحقيق معه بشأنها، إلا أنه لا يتوقع أن تقضى عليه سياسيًّا، معللاً ذلك بحنكة رئيس الوزراء الحالى وقدرته على تعزيز القوى اليمينية فى إسرائيل ما قد يجعل مصيره ربما يختلف عن سالفه إيهود أولمرت. وأشار يوسف إلى أن نتنياهو واجه قضايا الفساد المُثارة ضده بإظهار مدى قدرته ونجاحه فى تحقيق أمان وأمن إسرائيل على الصعيدين الإقليمى والدولى، وخصوصًا فى أعقاب تولِّى الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم فى الولايات المتحدة الأمريكية، والذى يرتبط معه بعلاقات وطيدة.

وأوضحت د.حنان أبوسكين أن اللافت فى القضية موقف الأحزاب الشريكة فى الائتلاف الحكومى مع نتنياهو، فهى عكس المُتوقع حيث لم تتخل عنه ولم تطالبه بالاستقالة إنما استمرت فى دعمه، ما يُعزِّز موقفه السياسى.

الشرطة الإسرائيلية استجوبت رئيس الوزراء 7 مرات منذ عام 2017

تبكير الانتخابات

يُمثِّل إجراء انتخابات مُبكرة أحد السيناريوهات المُحتملة لإنهاء أزمة نتنياهو، فانتخابات الكنيست أُجريت فى عام 2015، ويُفترض أن تُكمل مدتها فى عام 2019، إلا أن عدم استقرار الحكومات أبرز سمات النظام السياسى الإسرائيلى، وتتوقع د.حنان أن تجرى الانتخابات المبكرة فى حالتين فقط، الأولى قبول المستشار القضائى لائحة اتِّهام الشرطة لنتنياهو وإدانته، فيكون إجراء الانتخابات المبكرة أمرًا حتميًّا، والثانية انسحاب أحد الأحزاب السياسية الشريكة فى الائتلاف الحاكم كمحاولة استرضاء للرأى العام الداخلى فى ظل الاحتجاجات الشعبية على الفساد، وهنا ستسقط الحكومة ويكون إجراء الانتخابات المبكرة أمرًا حتميًّا أيضًا.

استمرار سيطرة اليمين

إذا تم إجراء انتخابات مُبكرة فإن أول ما يجب توقعه استمرار سيطرة الأحزاب اليمينية والمُتطرفة على الحكومة الإسرائيلية، ولعلَّ أبرز تلك الأحزاب «الليكود» الذى يتزعمه نتنياهو، لكونه حزبًا ذا قاعدة انتخابية كبرى خاصة بين المستوطنين، ومن المُتوقع وفق استطلاعات الرَّأى أن حزب يش عتيد «هناك مستقبل»، الذى يتزعمه يائير لبيد، سيكون منافس الليكود الأول. أمَّا احتماليَّة سيطرة الأحزاب العربية على الحكومة فيظل ضعيفًا للغاية، فى ظلِّ مُعاملة العرب فى إسرائيل على أنهم مواطنون درجة ثانية.

وبالنسبة لليسار الإسرائيلى فإن مكانته تراجعت بصورة كبيرة، فالمزاج الشعبى الإسرائيلى يميل لليمين بسبب الهواجس الأمنية، وهو ما أظهرته الانتخابات الأخيرة التى أُجريت عام 2015، وفاز فيها حزب ميرتس اليسارى بـ5 مقاعد فقط، إلا أن رئيس حزب العمل والمعسكر الصهيونى آفى غاباى يظل أحد منافسى نتنياهو حال رحيله.

استطلاعات الرأى تنصف «الليكود»

وفق استطلاع للرأى أجراه موقع «واللا» الإسرائيلى، فإنه من المُتوقع حال إجراء انتخابات مبكرة حصول حزب «يش عتيد» على 25 مقعدًا، بينما يحصل الليكود على 24 مقعدًا، ويحصل المعسكر الصهيونى على 15 مقعدًا، والقائمة المشتركة على 11 مقعدًا، وميرتس على 7 مقاعد.

أمَّا المُرشح الأكثر حظًّا فى تلك الانتخابات فسيكون بنيامين نتنياهو وسيحصل على 33 بالمائة، يليه زعيم حزب «يش عتيد» يائير لبيد بـ18 بالمائة، وبنسبة 11 بالمائة حلَّ زعيم المعسكر الصهيونى آفى غاباى ثالثًا، فيما رأى 25 بالمائة من المُستطلع آراؤهم أن كلَّ المرشحين لا يصلحون.