إسقاط فوائد المديونيات دفعة قوية لإحياء الصناعات المصرية مبادرة البنك المركزى «طوق نجاة» لإنقاذ المصانع المتعثرة

 يعتزم البنك المركزى المصرى إطلاق مُبادرةٍ جديدةٍ لإحياء الصِّناعات المصريَّة فى إطار دوره المُساند للاقتصاد القومى المصرى، وتكمُن تلك المُبادرة فى إنقاذ المصانع المُتعثِّرة مع البنوك، وتشمل خطط البنك تقديم مُبادرة لإسقاط فوائد المديونيات المستحقة للبنوك مع هذه المصانع، والتى تبلغ ما يُقارب 5 آلاف مصنع.
المُبادرة ليست الأولى للبنك لـ«المركزى»، حيث سبقتها مُبادرات أخرى تدعم اقتصاد مصر، من ضمنها مُبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويضخُّ القطاع المصرفى نحو 200 مليار جنيه فى صورة قروض جديدة تتم دراستها بعناية من البنوك على أن يتم توفير المعلومات لأصحاب المشروعات وتيسير وصولهم للبنوك وتوفير التدريب اللازم لهم لرفع فرص النجاح، والتأكد من جدوى المشروعات بالتنسيق مع الجهات المعنية، خاصة وزارة التجارة والصناعة، واتحاد الصناعات المصرية، والمعهد المصرفى المصرى.. ولذا ترصد «7أيام» فى هذه السطور آراء الخبراء حول هذه المُبادرة.

فى البداية، أوضح هانى أبوالفتوح، الخبير الاقتصادى، أن التَّعثُّر من وجهة نظر البنك حالة ناجمة عن عديد من الأسباب والعوامل تتفاعل عبر مرحلة من الزمن وتؤدى إلى الحالة التى يصل فيها المشروع إلى عدم قُدرته على سداد التزاماته والحصول على أموال جديدة والعودة إلى وضع يؤهله لاستعادة توازنه المالى والتشغيلى، مؤكدًا أنه لا يعلم أحدٌ على وجه اليقين عدد المصانع المُتعثِّرة، سواء كان التَّعثُّر جزئيًّا أو توقفًا كاملاً عن الإنتاج، مشيرًا إلى أن مُبادرة البنك المركزى تخصُّ إعادة جدولة ديون المصانع المُتعثِّرة لدى البنوك وإسقاط الفوائد المُستحقَّة عليها، كما سيتم التنازل عن القضايا المنظورة أمام القضاء بين العُملاء المُتعثِّرين والبنوك، وبشكل عام تهدف المُبادرة إلى تشجيع المصانع المُتعثِّرة على العودة للعمل مرَّةً أخرى، وقد جاءت المُبادرة مُنسجمة مع توجُّهات القيادة السياسية بتخفيف الضغوط على قطاعات الأعمال ومنحها حوافز للعودة إلى نشاطها، ما يُساهم فى تنشيط السوق وتخفيف عبء البطالة.

المبادرة خطوة على الطريق الصحيح لإحياء هذه المصانع التى توقَّف جزء كبير منها عن الإنتاج نتيجة التعثر المالى بتقديم تسهيلات لها حتى تعود للعمل مرة أخرى

وقال الخبير الاقتصادى، الدكتور أحمد العيسوى، إن البنك المركزى أعلن عن إطلاق مبادرة لإنقاذ 5000 من المصانع المُتعثِّرة التى توقَّف إنتاجها منذ أحداث ثورة يناير 2011، وإعفاء هذه المصانع من غرامات التأخير والفوائد المُتراكمة، بالإضافة إلى إنهاء المُنازعات أمام المحاكم، بالإضافة إلى حل مشاكل ٧٥ ألفًا من عُملاء التجزئة المصرفية، و27 ألف عميل من عُملاء البنك الزراعى، ويعنى ذلك تحسين أحوالهم بعد تسوية مديونياتهم تجاه البنوك، وتُعَدُّ هذه المُبادرة بمثابة دفعة قوية لإحياء الصناعات المصرية وزيادة نسبة النمو الصناعى والناتج المحلى الإجمالى للدولة.

أوضح خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، أن المصانع المتعثرة لا يُوجد حصرٌ واضحٌ لها، فاتحاد الصناعات لا يُوجد لديه عدد واضح للمصانع التى تعثَّرت بعد أحداث الثورة، لكنَّ وزارة الصناعة تقول إن هناك 83 مصنعًا تمَّ تشغيلها بعد تعثُّرها لأسباب مختلفة، مؤكدًا أن تعثُّر المصانع ليس ماليًّا فقط حتى تتدخَّل فيه البنوك، لكنَّ هناك مصانع تعثَّرت نتيجة مشكلات فى الإدارة، أو تعثُّر فى عمليات مُرتبطة بصفقات معينة، مضيفًا أنه لا يُوجد مُقترح أو حل سحرى لإعادة تشغيل المصانع المُتعثِّرة، لكنَّ الحل عند أصحابها الذين لم يتقدَّموا للجهات الرسمية حول أسباب التَّعثُّر؛ فتعثُّر الإدارة لا يُوجد حلٌّ له، لكنَّ التَّعثُّر فى تمويل رأس مال مثلاً، أو شراء وتحديث آلات المصنع، قد يكون له حلٌّ، وهو أن تتبنَّى البنوك مُبادرة لتمويل هذا النوع من المصانع، مُعتبرًا أن المُبادرة خطوة لإحياء هذه المصانع التى توقَّف جزء كبير منها عن الإنتاج نتيجة التَّعثُّر المالى، مُوضحًا أنها تتضمَّن قيام البنوك بتقديم تسهيلات لهذه المصانع حتى تعود للعمل مرَّةً أخرى، مُتمنِّيًا أن تستجيب البنوك المحلية لـ«المركزى» ولا تضع شروطًا تعجيزيةً على المصانع المتعثرة، خصوصًا الصغيرة منها، وجدولة ديونها، وإسقاط جزء من الفوائد المُقرَّرة عليها، وهو ما قد يدفع الاقتصاد المصرى خلال الفترة المقبلة إلى مزيدٍ من الاستقرار، والجدير بالذكر أن حديث محافظ البنك المركزى بشأن وجود 67 ألف قضية خاصَّة بالديون للمُستثمرين مع البنوك وإسقاط فوائدها يُشير إلى أن حل النزاعات مع المُستثمرين سيكون هو الاتجاه السائد خلال الفترة المقبلة.

الخبيرة الاقتصادية إيمان سالم أكدت أن «المركزى» أطلق مُبادرة إعفاء جميع المصانع المتعثرة من السَّداد بهدف إسقاط جميع الفوائد عن المصانع المتعثرة عن سداد القروض نتيجة التَّعثُّر المالى وعدم القُدرة على السَّداد مع تراكُم الفوائد على هذه القروض‏، كما تهدف المُبادرة أيضًا إلى إلغاء جميع الفوائد على القروض المُستحقَّة للبنوك على هذه المصانع، والتى يتراوح عددها بين 5 و6 آلاف مصنع، مُضيفةً أنه من المتوقع أن تُحقِّق مُبادرة «المركزى» نجاحًا إيجابيًّا، حيث تعمل على إعادة الثقة فى العلاقة بين المُستثمر والحكومة والبنوك الممولة للمشروعات التى تعمل بدورها على إعادة توازن الاقتصاد المصرى،مُشيرة إلى احتياج الاقتصاد المصرى إلى مثل هذه المُبادرات بهدف جذب مزيدٍ من الاستثمارات فى معظم القطاعات من خلال تفعيل دور الصناعة التى تُعَدُّ إحدى الرَّكائز والدعائم الأساسية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية التى تُعَدُّ مؤشرًا لقياس التَّقدُّم الاقتصادى، كما أوضحت أن إنشاء صندوق مخاطر لإعادة تشغيل المصانع المُغلقة يُعَدُّ بمثابة خطوة جيدة ومهمة تعمل على تقليل الاعتماد الخارجى والمساهمة فى تقليل نسب الاستيراد من الخارج مع إعادة إنتاج الصناعات والمنتجات المتوقف تصنيعها منذ فترة، إلا أن هذا سيحتاج إلى وقت لإمكانية جمع المعلومات عن المصانع المتعطلة وكيفية إعادة تشغيلها.

الدولة تعمل جاهدةً على تذليل وحلِّ كل المشاكل فى جميع القطاعات حتى يدخل الجميع تحت مظلة العمل والإنتاج

وقال الدكتور عماد الصايغ، الخبير الاقتصادى، إن هذه المُبادرة سوف تُحقِّق مصلحة لكل من البنوك والدولة والمُصنِّعين، لأن هذه الشركات فى حالة إعلان إفلاسها لن تستطيع تسديد أُصول القروض والفوائد، بالإضافة إلى مُساعدة البنوك فى الحفاظ على أموال المُودعين، مؤكدًا أنه من الضرورى قيام البنك بالعمل على تطوير الكفاءة الفنية التى تُساعد على دراسة العميل جيِّدًا قبل إعطائه القرض، فلا يصِحُّ صرف قرض لعميل فشل فى القيام بتسديد قروض لبنوك أخرى أو ليست لديه قُدرة على الإدارة، مُشيرًا إلى ما حدث خلال العقود الماضية من قيام بعض الأشخاص بصرف عديدٍ من القروض بضمانات وهمية، وهرَّبوا أموالهم للخارج، أو تم إنفاقها فى أوجه مختلفة، وهذا يُؤثِّر بلا شك على المال العام، مُضيفًا أن تطبيق تلك المُبادرة يجب أن يتم تحت إشراف لجنة مُشكَّلة من البنوك المعنية و«المركزى»، لدراسة أسباب تعثُّر تلك الشركات ومعرفة هل تستحقُّ الإعفاء أم لا، مع تشديد الإجراءات المُتَّبعة حتى لا تتكرَّر تلك الأسباب مرَّةً أخرى.

من جانبه، أكد مصطفى أبوزيد، الخبير الاقتصادى، أن إطلاق البنك المركزى مُبادرة إعفاء جميع المصانع المتعثرة جاء انطلاقًا من حرص القيادة السياسية على حل جميع القضايا المرفوعة على المصانع المتعثرة ومن جانب آخر للاستفادة من تلك الطاقة الإنتاجية المُعطَّلة التى تُقدَّر بنحو 6 آلاف مصنع مُتعثِّر لدخولها مرَّةً أخرى إلى منظومة الإنتاج، وبالتالى دفع عجلة الاقتصاد المصرى، مُضيفًا أن الأسباب الأساسية التى أدَّت إلى وجود مصانع مُتعثِّرة عديدة من أهمِّها الأحداث السياسية التى مرَّت على مصر بداية من يناير 2011، وما شهدته مصر وقتها من تعطُّل كل مؤسسات الدولة وحالة الانفلات الأمنى غير المسبوقة، وما تلاها من أحداث سياسية، مرورًا بفترة جماعة الإخوان الإرهابية، فكل هذه الفترة كان لها تأثير مباشر على الاقتصاد المصرى ككل من انخفاض فى احتياطى النقد الأجنبى، وظهور مشكلة توفير العُملة الصعبة، موضِّحًا أن مُبادرة «المركزى» لدعم المصانع المتعثرة تعمل على توازن الاقتصاد المصرى، مُتوقِّعًا أن يرتفع الاحتياطى إلى 50 مليار دولار خلال الأسابيع المقبلة، ومُشيرًا إلى أن تعثُّر المصانع يعود لأسباب تمويلية وأسباب أخرى مثل غياب الكوادر القيادية والفنية والإدارية المؤهلة.

تابع أبوزيد أن الاقتصاد المصرى فعلاً يحتاج إلى مثل تلك المُبادرات، لأن الهدف فى النهاية منها إنعاش حالة الاقتصاد وزيادة معدل النمو إلى ما تتوقعه مصر خلال العام المالى إلى 6 بالمائة، ولهذا فإن الدولة تعمل جاهدةً على تذليل وحلِّ كل المشاكل فى جميع القطاعات حتى يدخل الجميع تحت مظلة العمل والإنتاج، لأن حلَّ مشاكل المصانع المتعثرة يعنى عودة ما يقرب من 67 ألف عامل بتلك المصانع المُتوقِّفة منذ سنوات، مؤكدًا أن وجود صندوق مخاطر يُعتبر خطوة مهمة على طريق إعادة تشغيل هذه المصانع، وذلك لأن الصندوق يدرس كل حالة على حدة، ويعمل على دراسة مُتأنِّية لمُسبِّبات التعثُّر وكيفية العمل على حلِّها.

من جانبه، أكد الخبير المصرفى عمرو عصمت أن العمل الأساسى والرئيسى للبنوك هو تشغيل أموال ومُدَّخرات عُملائه ومنح القروض لإقامة وتشغيل المصانع، وليس الاكتتاب فى أذون الخزانة والبورصة، وفى ظل الأزمة الاقتصادية والركود خلال الفترة الماضية ابتعدت معظم البنوك عن أداء دورها الأساسى، مع استسلام كثير من رجال الأعمال للأمر الواقع، فتوقَّفت آلاف المصانع عن الإنتاج، وبالطبع تعثَّرت.

وأرجع عصمت الأسباب الأساسية التى أدَّت إلى وجود مصانع مُتعثِّرة إلى عدَّة نقاط، منها أن هذه المصانع مُتعثِّرة بسبب التمويل، وهى مشكلة عامة لدى كثير من المصانع، بالإضافة إلى سوء الإدارة، وهناك 45 ألف مصنع -طبقًا لإحصائية اتحاد الصناعات- 20 بالمائة منها مُتعثِّرة، وكذلك تتمثل إحدى الأزمات فى عدم تفعيل قرار رئيس الوزراء بتفضيل شراء المنتج المحلى فى الهيئات الحكومية، بالإضافة إلى أن تلك المصانع تُعانى بشكل أساسى من نقص الخامات التى يتم توفيرها بشكل لا يتكافأ مع احتياجات المصنع، ما يتسبَّب فى تعطُّل الماكينات مع الوقت، نتيجة عدم الصيانة، ويُعَدُّ قطاع الغزل والنسيج من أكثر القطاعات التى تُعانى من تلك الأزمة، مُضيفًا: «نرجو أن تكون تلك المُبادرة هى الأخيرة، وأن نرى آثارها فى السوق المصرية الصناعية والزراعية، وتكون مثالاً لحلِّ عديدٍ من مشكلاتنا المُزمنة والمُؤجَّلة، فلدىَّ شعورٌ بالسَّعادة لإعادة تشغيل المصانع المتعثرة، فلا يوجد أجمل من إحياء شىءٍ كُنتَ تظنُّه قد انتهى».

ياسر جمعة

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.