أبو حصيرة

أنتمى إلى «مركز المحمودية، محافظة البحيرة»، ولكنَّ دراستى الابتدائية والإعدادية والثانوية كانت فى «مدينة دمنهور»، عاصمة المحافظة، حيث إن قريتنا «المغازى باشا» تقع على مسافة مُتقاربة من كل من «المحمودية» و«دمنهور»، فآثرت الأسرة الانتقال إلى «دمنهور»؛ باعتبارها المدينة الأكبر والأهم، وهناك اجتزتُ مراحل التعليم بتفوُّق ملحوظ، وكنتُ الأوَّل على المدرسة فى السنوات الدراسية كافة، بل والأوَّل على «منطقة البحيرة» التعليمية فى الشهادة الإعدادية عام 1959، والذى يعنينى من هذه المقدمة هو أن أضع القارئ فى أجواء التعليم المصرى فى تلك الفترة، حيث كان لايزال متميزًا، ومؤثرًا، وسبَّاقًا على نُظُم التعليم الأخرى فى المنطقة، وأتذكَّر جيدًا أن المنافسة كانت حاميةً بين طلاب المدارس فى تحصيل العلم، واستذكار الدروس نهارًا وليلاً، حيث لم تكن الدروس الخصوصية معروفة تقريبًا، وكان الاجتهاد والجِدُّ هما السمة المُسيطرة على الطلاب المُتفوِّقين فى تلك المدينة المعروفة بذكاء أهلها، وحرصهم الشديد على الحياة والمستقبل فى وقت واحد، وأنا أتذكَّر أن بعض زملائى من المنافسين كانوا يأتون إلى شارعنا فى منتصف الليل ليكتشفوا إذا كان الضوء مازال مُنبعثًا من حُجرتى، وأننى مازلتُ مُواصلاً الاستذكار فى تلك الساعة المتأخِّرة، ويتحدَّثون فى اليوم التالى حديثًا لا يخلو من حسدٍ وغيرةٍ لزميلهم فى جو طفولى برىءٍ يشعُّ نوعًا من البهجة فى نهايته، وقد كُنَّا نتذكَّر أن أضرحة أولياء الله مُوزَّعة على المُدُن الكُبرى؛ فمدينة «طنطا» عاصمة «وسط الدلتا» بها ضريح ولىِّ الله «السيد البدوى»، ومدينة «دسوق» القريبة من «دمنهور» فيها ضريح سيِّدى «إبراهيم الدسوقى»، أما «الإسكندرية» فهى تستأثر بأسيادنا «المرسى أبوالعباس»، و«الأباصيرى»، و«أبوالدرداء»، وغيرهم، بينما تزهو مدينة «قنا» فى جنوب الصعيد بسيِّدى «عبدالرحيم القناوى»، فضلاً عن الإمام «أبى الحسن الشاذلى» فى جنوب صحراء «البحر الأحمر»، وغيرها من عشرات الأضرحة لأقطاب الدعوة، وأولياء الله المُنتشرة قبورهم فى «القاهرة» والمُدُن والقُرى على امتداد خريطة الجمهورية، وكنا نزهو فى مدينة «دمنهور» بأن لدينا ضريح «أبو حصيرة»، وكنا نظنُّ أنه لأحد أولياء الله شأن غيره من الأضرحة، حيث كان تفكيرنا بسيطًا، ولم تكُن الفروق الدينية مُتغلغلة فى الأعماق مثلما هى الآن، بل إن بعض زملائى، خصوصًا من سكان قرية «دمتيوه» فى أطراف مدينة «دمنهور»، حيث يوجد بالقُرب منها ذلك الضريح الأثرى المجهول الهوية حينذاك، كانوا يذهبون إلى ذلك المكان لاستذكار دروسهم تبرُّكًا بالضريح، وبساكنه المجهول إلى أن تكشَّفت الأمور بعد سنوات عندما أبدى الإسرائيليون حرصًا على الضريح وتحدَّثوا عنه باهتمام شديد، خصوصًا أن وزيرًا إسرائيليًّا كان يحمل نفس الاسم ويدَّعى أنه من أحفاد صاحب المقام، هنا بدأت الدولة المصرية تنتبه إلى «مسمار جحا» الذى تُريد إسرائيل أن تدُقَّه فى غرب الدلتا، بدعوى أن «أبو حصيرة» كان حاخامًا يهوديًّا وَفِدَ من المغرب، واحتمى بحصيرة عند الساحل حتى وصل إلى موقعه الذى عاش ومات ودُفن فيه، وهنا بدأ الرأى العام فى مدينة «دمنهور» وضواحيها يتغيَّر، وشعر الناس بأنهم كانوا مخدوعين لسنوات طويلة، وعندما أُبرمت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل فى 26 مارس عام 1976 دأب اليهود من أنحاء العالم على التَّقاطُر إلى مكان الضريح، وإحياء ليلة مولده فى صخب شديد تتخلَّله المشروبات الكحولية، والأصوات العالية، والاختلاط الشديد بين الرجال والنساء من الزُّوَّار القادمين والقادمات من إسرائيل وغيرها، فضجَّ سكان المنطقة، ورفضوا تلك المُمارسات، ورفعوا دعاوى قضائية انتهت بأن أوقفت الدولة احتفالات «أبو حصيرة»، وبدأت فى حراسة الضريح حتى لا يمسه مكروه تأكيدًا لروح السماحة التى تتحلَّى بها مصر واحترامها للديانات المختلفة وأتباعها بما فى ذلك الديانة اليهودية رغم الخصومة التاريخية التى امتدَّت لعدَّة عقود بين العرب وإسرائيل، كما أن مصر تزهو بأنها عرفت جاليات يهودية نشطة وصل أحد أفرادها إلى موقع وزير المالية، وهو «قطاوى باشا»، ومرَّت الأيام، ودارت السنون، وأصبحتُ عضو البرلمان عن دائرة «دمنهور»، وفوجئت بأحد رجال الأعمال من أسرة ثرية معروفة يتَّصل بى عارضًا ثمانية ملايين يورو تبرُّعات من جهات أجنبية لترميم الضريح وتجميل منطقته، فقلتُ له إن الظرف السياسى غير مُناسب، وإن الأمر يحتاج إلى الانتظار لعدَّة سنوات حتى تتوقَّف إسرائيل عن مُمارساتها العدوانية، فيكون الرأى العام مُهيَّأً لقبول مثل هذا العمل والحماس له، فاقتنع صديقى رجل الأعمال، ولم يُكرِّرها بعد ذلك.

إننى أفتح صندوق الذكريات لأجد قصَّة سيدى «أبو حصيرة» -كما كان يُسمِّيه البُسطاء فى مدينة دمنهور وما حولها- تعكس روح التسامح المصرى والاحتواء المتوازن لكافة الديانات؛ فمصر أرض باركها الله، وشعبها لا يعرف التَّعصُّب، أو التمييز، أو الإقصاء.