إسعاد يونس تكتب: طااال عُمرها

اكتشفت أثناء مراجعة ما كتبت العدد الماضى -بهدف إنى أكمل موضوعى يعنى- إنى عملت فى نفسى عملة مش أمورة خالص، لقد وقعت فى الفخ، وكل شَيْجين انكشفن وبان، اتفضحتى يا لوزة فضيحة يَنِّى، اللى مش عارفة لحد النهارده هوَّ اتفضح إزَّاى، وليه، هذا الذى قرأ، وتلك التى خدت بالها، عرفوا إنى من مواليد منتصف القرن الماضى!!

سرحت لحظة كده، وهىَّ عيبة؟ جِيرِيمَة يعنى على رأى محمد سعد؟ أعمل أنا إيه دلوقتى؟ أنكر وأغطرش عالموضوع، وأدعى الورورة والكتكتة؟ ولَّا أواجه الموقف بشجاعة، وربما بقليل من البجاحة، ما احنا فى مجتمع بيجلد الناس على عمرهم، ويعايرهم بكبر السن، وله تسميات كتير من عينة الشايب العايب والقرشانة، وحتى فى أبسط وألطف أشكالها تبقى المسن والعجوز والكهل، كانوا يتريقوا على صباح عشان ربنا اختار وقرَّر يمد فى عمرها إلى ما شاء من السنين، لكنها كانت تُلام على هذا لما تتمسك بمظاهر الحياة من وجهة نظرها، ولما حد يغيب فترة وتحضر سيرته، يتساءل الناس «يااااه؟! هو لسه عايش؟»، أيوه يا حبيبى لسه عايش، عندك مانع؟ ليك رأى تانى؟ مُعترض على قرار الخالق القابض الباسط المحيى المميت؟ تحب نقدم طلب باسمك أن يُنهى الله حياة الشخص ده عشان أنت زوهوقت؟ واخد أوكسيچينك ولَّا حاجة؟ شىء غريب والله!

طيب، مواجهة مع النفس، هل أنتِ تشعرين بأى عجَز أو عجْز؟ هل مشاعرك شاخت؟ هل فقد قلبك القدرة على النبض بالحب؟ هل تشعرين بأنك فقدتِ أى شىء؟ وكان الرد المتأكد الحاسم القاطع «لأ».

وعُدت بالذَّاكرة للوراء، ما هو أنا ما كبرتش فى يوم وليلة يعنى، الموضوع بادئ من بعد الأربعينات، طيب وقتها كيف كنت أتقبل الموضوع؟ وتذكَّرت.

وقتها، كنت أعرض مسرحية، وكان بعض أفراد من الجمهور يطلبون الدخول إلى الكواليس أو التحية، زَارتنى زميلتان من زميلات المدرسة -يعنى من نفس سنى- واحدة تلو الأخرى، فى يومين متفرقين.. واحدة تزوجت وأنجبت ستة أولاد وأصابها ما أصابها من الوهن والعجَز والضعف والاستسلام لفكرة «حناخد زمانَّا وزمن غيرنا؟» زمن إيه يا وليَّة؟ دا أنتِ لسَّه فى بداية الأربعينات، ولكنها كانت تتصرف بمنتهى الشيخوخة النفسية.. أمَّا الثانية، فكانت جميلةً، ومُعتنية بقوامها ومظهرها وحالتها النفسية فى منتهى الـ«يا حلاوة»، مع أنها كانت أيضًا أمًّا لطفلين وزوجة شقيانة برضه، واحدة جابت لى اكتئاب، والتانية حسِّستنى بالراحة والأمل وحب الحياة، يومها اخترت طريقى، خبطت على قلبى، وسألته «انت حاسس بأى اختلاف عن أزهى مراحل الشباب؟».. فردَّ وقال لى «ولا الهوا» .

طيب ما هو التقدم فى السن أحيانًا يصاحبه شوية حاجات كده مش ولابد، وكان قرارى أنه ولا حايهمنى، ما دامت روحى صاحية وحبى للحياة متدفق، حانعالج النواقص، أمى كانت تقول لى «البنى آدم زى كورة الصلصال، طول الوقت تقدرى تعيدى تشكيله، إذا فقدتى أى قدرة، عيدى تشكيل نفسك عشان ترجعى كورة مش قرص عجين مبطط»، شوية نقح فى المفاصل، على تزييق فى الركب، ولا يهمنى، حاعمل دوشة وأنا بأقعد أو بأقوم عشان أغلوش على صوت الصرير اللى طالع ده، انسحاب تام للقدرة على الجرى، وماله؟ هو أنا داخلة ماراثون؟ ماله المشى؟ طب مش بسرعة عشان النهجان، حاضر، حأعمل نفسى بأفكر فى شىء عميق فـ«ماشية الهوينا»، الودان طار منها عشرة فى المائة من السمع، النظر ابتدا يحتاج من الواحد إنه يزُر عينيه، ما تكلمنيش من قفايا، مش حاعرف أتدوَّرلك عشان خشونة الرقبة، ولاااااااا يهمنى، حاخد كل حاجة بمرح وضحك وربما التريقة على نفسى، ما أنا مش لوحدى فى المجرة، فيه زملاء كتير من المرحلة، واللى قبلها واللى بعدها.

وحافضل أعمل كل حاجة كنت بأعملها قبل كده ما دام قادرة، لن أستسلم لدعاوى اعتزال الحياة، ولا قبر نفسى قبل ميعادها، ولا الدخول فى خندق العتمة وانتظار الموت، حأفضل أرقص وأغنى وأضحك بصوت عالى وأحب الدنيا وأعلن انبهارى بجمال خلق الرحمن، حأركب على كل أزمة أو مرض أو وهن، مش اختبار؟ حأنجح فيه.

ولا اتفضحتى ولا حاجة يا لوزة، كنا بنقول إيه بقى؟ نلتقى بعد الفاصل.

إسعاد يونس