بعدما أصبحت مادةً خصبةً للدراما والسينما «7 أيام» تسرد الأكاذيب والخرافات فى «قيامة أرطغرل»

يتم عرض حلقات الجزء الخامس من مسلسل «قيامة أرطغرل» هذه الأيام، والذى يعد دليلاً قاطعًا على سيطرة حزب العدالة والتنمية التركى على كل نواحى الحياة فى بلاد الأناضول، بعد أن باتت السينما والدراما التركية وسيلة لنشر أفكار العلمانيين الجدد لتجميل وجه التاريخ العثمانى القبيح.. دأبت السينما والدراما التركية خلال السنوات السبع الأخيرة، على تناول سير السلاطين والأمراء العثمانيين، عبر إنتاج أعمال بتكاليف باهظة دائمًا ما يطغى فيها الشكل على المضمون.

فى هذا التقرير تكشف «7 أيام» القصص والأساطير حول بطل هذا العمل «أرطغرل»، الذى أصبح بطلاً فى عيون كل من يحلمون بعودة الخلافة العثمانية.

قصة مسلسل قيامة أرطغرل

تدور قصة المسلسل الذى بدأ إنتاجه عام 2014، وتبلغ تكلفة كل حلقة نصف مليون دولار، تتحملها شبكة «تى أر تى» التركية، حول أرطغرل بن سليمان شاه، والد أول سلاطين العثمانيين عثمان الأول، عندما كانت قبيلته «قايى» المُنحدرة من الأتراك الأغوز، تستقر فى قطعة أرض قريبة من أنطاكية، منحها إياهم والى مدينة حلب «العزيز»، بعد رحلة البحث عن مكان يستقر فيه مع قبيلته المكونة من 400 خيمة، لإنهاء معاناتهم فى التنقل والترحال.

وبينما كانت الإمبراطورية الرومانية والمغول أكبر أعدائه، تبدأ المخاطر تحيط بقبيلة «قايى» فى أرضها الجديدة، عقب تدخل أرطغرل لإنقاذ عائلة مسلمة من أيدى الرومان، ليكتشف لاحقًا أن تلك العائلة تتبع لسلالة السلاجقة الحاكمة والتى تزوج من ابنتها حليمة خاتون.

يعرض المسلسل صراعات أرطغرل مع الخونة والجواسيس والمحاربين الأشداء، فى رحلة محفوفة بالخطر والخديعة والألم،خصوصًا مع الصليبيين المتمثلين فى «فرسان الهيكل» بقيادة الأستاذ بيتروتشو مانزينى والمحارب تيتوس.

بجانب ما وصفهم بالخونة فى حلب مثل قائد فرسان المدينة «ناصر» وفى القبيلة مثل عمه «كورد أوغلو» وغيرهما، والذين استطاع أرطغرل أن يهزمهم ويقضى عليهم بعد عناء طويل.

مغالطات تاريخية

بغض النظر عمَّا تحيكه قصة المسلسل من مآثر وبطولات، فقد انطوت تلك القصة على مغالطات تاريخية معتادة كباقى الأعمال التركية التاريخية، وأشهرها فيلم «فاتح 1453»، الذى أنتج عام 2012 بطلب من أردوغان، وتناول شخصية السلطان محمد الثانى.

أكد الدكتورعاصم الدسوقى أستاذ التاريخ المعاصر والحائز على جائزة الدولة التقديرية لـ«7 أيام» أن الهدف الرئيسى من تلك الأعمال يتمحور حول تحسين صورة الدولة العثمانية فى الدول التى خضعت لسيطرة هذه الإمبراطورية، مستطردًا: لكن حقيقة الأمر أن هؤلاء العثمانيين هم بالأساس عبارة عن قبائل جاءت من جنوب غرب الصين من منطقة وسط آسيا.

وأضاف أن هذه القبائل نزلت هذه المنطقة بحثًا عن الرِّزق لأن القبائل البدوية غير مُتحضرة بطبيعتها، حيث لا تُحسن الزِّراعة، بما يعنى أن تتعايش على الفُتات لذلك تصطدم بالشعوب الأخرى حتى تستقر، موضحًا أن هذه القبائل ظلت تتوافد من غرب الصين حتى وصلت إلى آسيا الصغرى فى تلك الفترة.

وتابع: عندما استقرت فى آسيا الصغرى تحالفوا مع أحد أباطرة بيزنطة لكى ينصروه على خصومه، وهى الحقيقة التى تخالفها أحداث المسلسل، لافتًا إلى أن هذا التحالف استطاعوا من خلاله عبور مضيق الدردنيل والوصول إلى منطقة البلقان «أوروبا الشرقية» ليسيطروا عليها.

وأوضح أن هذه الدولة انقلبت على البيزنطيين، والأدهى من ذلك أنهم فى 1453، استطاعوا أن يسقطوا القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، مشيرًا إلى أن هذا العمل الدرامى به مغالطات تاريخية عديدة أهمها أن قبيلة قايى التابع لها أرطغرل لم تكن موالية للدولة السلاجقية.

ولفت إلى أن قبائل الأغوز تتحدث لغة الأوردوا، وهى لغة معروفة فى باكستان حتى الآن، موضحًا أن هذه القبائل لاتزال موجودة فى الصين، وتثير المشاكل من وقت لآخر مع الدولة الصينية، لذلك فمن الخطأ اعتبارها ممثلة لتركيا.

أساطير عثمانية

وعن القصص التركية التى عرفت عن «أرطغرل»، ذكر الدكتور صبرى الدالى أستاذ التاريخ والمتخصص فى تاريخ الدولة العثمانية لـ«7 أيام» أن التاريخ العثمانى منذ بداية سيرة سليمان شاه وابنه أرطغرل وعثمان شاه ملىء بالأساطير، موضحًا أن هذه مرحلة ضبابية، حيث لم يكن هناك مؤرخون، ما أدى إلى اختلاق تواريخ لتلك المرحلة عقب ذلك.

وأضاف أنه عقب قيام الدولة العثمانية وتوسعها أخذت الحكايات والروايات المنسوجة من قصص خيالية وشعبية أسطورية تظهر، لكن هذه القصص تظل قليلة للغاية.

واعتبر أن مسلسل «أرطغرل» عبارة عن دراما بالأساس، لذلك فهو لا يعتبر مسلسلاً تاريخيًّا، بقدر ما هو دراما تعكس وجهات نظر معاصرة هدفها أساسا الدعوة لسلاطين العثمانيين وتمجيدهم وتمجيد كل شىء حدث فى تلك الحقبة الطويلة، لذلك لا يمكن اعتبار أحداث المسلسل تاريخية.

وأضاف أن صناع العمل وضعوا عنوانًا جذابًا لعملهم، ومن ثم شرعوا بعد ذلك فى نسج خيالات درامية فى معظم الأحداث، مؤكدًا أن جزءًا قليلاً منها قد يدخل ضمن التاريخ فى إطار ذكر بعض الشخصيات مثل شخصية أرطغرل أو أمه «هيماه أنا» وأولاده، لكن المحيطين به والأحداث معظمها تُعد من قبيل الخيال الدرامى.

وألمح إلى أن هناك فرقًا شاسعًا بين الدراما والتاريخ، لأن الدراما من الممكن أن تحتل مساحة إذا كان العمل تاريخيًّا، لكن هذا العمل لا يُمكن أن نقول إنه مُسلسل تاريخى فى إطار درامى، وإنما عبارة عن دراما بها مسحة تاريخية.

أسطورة جنكيز خان

وحول الفيلم العالمى الذى أنتج عن جنكيز خان قائد المغول فى ستينات القرن الماضى، والذى قام ببطولته الفنان المصرى عمر الشريف، والتشابه الكبير بين الشخصيتين كونهما تنتميان لبيئة متشابهة وتجمعهم ثقافة وعادات متقاربة، وإن كانت أحداث هذا المسلسل استلهمت منه.

أكد الدالى أن شخصيات كجنكيز خان وتيمورلنك، تختلف تمامًا فى التناول الدِّرامى عن قصة أرطغرل، حيث إنه كان هناك مؤرخون تناولوا تلك الشخصيات أثناء حياتهم، لأن ما قاموا به كان بمثابة الحدث الدراماتيكى على مستوى العالم كله، لذلك كانت هناك حقائق كتبت عنهم فى كافة دول العالم.

وتابع أن مشكلة العثمانيين الأساسية أنهم كانوا فى البداية عبارة عن قبيلة صغيرة للغاية تتجول فى مناطق واسعة لا يعرف أحدٌ عنها شيئًا، ودائمًا التاريخ لا يكتب ولا يهتم بشئون الناس البسطاء، الذين لا يؤثرون فى مجراه، لكنه يكتب عندما تكون هناك أحداثٌ استثنائية، وهم فى البداية لم يكن هناك أحداث ضخمة جعلت عصر أرطغرل فى صفحات التاريخ.

واستطرد: أنهم بعد أن استقروا فى إمارة «سكود» وبدأوا يصطدمون بالبيزنطيين والإمارات المجاورة، بدأوا يلفتون نظر الكتاب سواء من البيزنطيين أو العرب وغيرهما، لكن قبل ذلك فتاريخهم عبارة عن حكايات وروايات شفاهية وأساطير.

واعتبر أنه لا يُمكن حتى القول إن الدولة العثمانية أُسست على مبادئ نبيلة، مُشيرًا إلى أن تاريخها مقرونٌ بالدَّسائس والخيانة والانقلابات والتجسس من البداية للنهاية، موضحًا أن هذه الدولة قامت على السياسة المُستغلة للدين منذ البداية.

وتابع: أن هذه الدولة بالأساس كانت مبنية على جزء من الأراضى التابعة لدولة سلاجقة الروم، حيث كانت تعتبر كإمارة تابعة لهم، ولكن من حسن حظ أرطغرل وابنه عثمان أن الدولة السلجوقية سقطت فى ذلك الوقت، ما جعل الفرصة تسنح لتحول إمارتهم لدولة صغيرة.

الأسطورة الشعبية

وعن تحالف قبيلة أرطغرل مع السلاجقة فى مواجهة البيزنطيين أشار إلى أن القصص المعروفة تتحدث أن أرطغرل وقبيلته كانوا يتنقلون فى مناطق بآسيا الصغرى وبعد أن وجدوا جيشين يتحاربان، تعاطف أرطغرل مع الفريق المهزوم فنزل من الجبل لمحاربة الفريق الأقوى، لينتصر الفريق الضعيف فى النهاية، وأنه بعدما انتصر اتَّضح أن من كان المهزوم فى البداية هو السلطان السلجوقى، وأن السلطان شكره ومن ثم أعطاه قطعة أرض فى منطقة اسمها سكود، قائلاً كل هذا يعتبر خرافة لأنه وفقًا للتحليل التاريخى ليس منطقيًّا، لذلك تعد هذه القصة وغيرها من القصص التى حيكت حول هذه الشخصية من قبيل الأساطير.

وأضاف أنه بعيدًا عن الأسطورة والخرافة التى نسجت، فأرطغرل وقبله أبوه سليمان شاه كانا حليفين للسلاجقة، ونتيجة لذلك سيعطيهم قطعةً من الأرض على حدود الدولة البيزنطية، وفى هذا الإطار ستدور قصة إقامة الدولة العثمانية، والتى تبدأ كإمارة غزاة، حيث تعتمد على الغزو والجهاد كأى إمارة حدودية عازلة بين دولتين كبيرتين، وفى هذا الإطار ستجتمع حولهم قبائل تتبنى هذه الفكرة، وفى نفس الوقت فإنه ثبت تاريخيًّا أنهم بممارسة الخداع والدسيسة استطاعوا أن يوقعوا بين الإمارات البيزنطية بعضها ببعض حتى أسقطوا القسطنطينية فى النهاية.

وأشار إلى أنه لا يُمكن أن نقارن الدراما التى نسجت حول شخصية أرطغرل، بالدِّراما التى تناولت شخصيات تاريخية عربية مثل خالد بن الوليد أو حتى معاوية بن أبى سفيان، كون هذه الشخصيات تتوافر عنها كتابات تاريخية عديدة بعكس أرطغرل وأبيه وابنه الذين استمدت الدراما عنهم من الأساطير، متسائلاً كيف لمادة علمية مكتوبة فى خمس ورقات يتم تحويلها لـ150 حلقة درامية، مؤكدًا لذلك فأرطغرل الذى قدم فى هذا المسلسل عبارة عن شخصية درامية أخذت غطاءً تاريخيًّا.

وأكد أن بداية الاهتمام بالتاريخ فى هذه الدولة جاء بداية من عصر عثمان الأول، لذلك فإن المؤرخين لا يعرفون متى توفى أرطغرل بالتحديد، وكذلك لا يعلمون تاريخ توسعه أو بداية تكوينه لإمارة، وحتى عثمان نفسه الحقائق ليست متوافرة عنه بالشكل الكافى، رغم أن الدولة استمدت اسمها من اسمه.

إدانات ابن بطوطة

تتعدد الشهادات التاريخية التى تسرد جرائم وفظائع حكم العثمانيين، والتى كشفت أنهم كانوا أكثر حكومات القرون الوسطى التى تفننت فى اختراع أدوات التعذيب، حيث إنهم أول من ابتكروا طريقة الإعدام بالخازوق، والخطاف العثمانى الذى كان يستخدم لبقر بطون الضحايا.

وتمثل شهادة ابن بطوطة الرحالة المغربى الشهير واحدة من أقدم وثائق الإدانة لحكم العثمانيين، من خلال رصد ما عايشه فى الإمارة العثمانية الوليدة والإمارات التركمانية التى انتشرت فى الأناضول خلال القرن الرابع عشر خلال حكم السلطان أورخان بن عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية.

وكانت أولى ملاحظاته الصادمة، مشاهدته انحرافات أخلاقية، وصلت إلى تعاطى المخدرات علنًا، فهم يأكلون الحشيش ولا يعيبون ذلك، وكتب يقول: «إنهم لا يغيرون المنكر فى بلادهم أبدًا، وإنهم يشترون الجوارى الروميات الحسان ويتركونهن للفساد».

كما استهجن عادة الأتراك فى أكل لحوم الخيل وشرب لبنها والتى عدَّها من العادات الهمجية التى ورثوها عن التتار، بالإضافة إلى ملاحظته الثاقبة عند لقائه السلطان أورخان بالنفوذ المبكر للنساء فى البلاط العثمانى.

واستنكر الرحالة العربى انتشار الغلمان فى قصور الأمراء الأتراك، حيث رأى فى بلاط محمد بن إيدين سلطان «بركى» نحو 20 شابًا حديثى السن، فى خدمة الأمير «كانت صورتهم فائقة الحسن وشعورهم مفروقة وألوانهم ساطعة البياض مشربة بحمرة»، ملمحًا لإدمان الأتراك للجنس المثلى.

فى النهاية، نحن أمام غزو ثقافى يأبى ألا يتوقف رغم الخسائر السياسية التى طالته بعد سقوط حكم الإخوان فى مصر عام 2014، ولايزال مُصرًّا على استهداف العقول العربية بالأكاذيب والرسائل المسمومة.

لذلك، فبالرغم من قيام بعض الدول العربية بمنع إذاعة المسلسل على قنواتها، فإن المنع لن يكفى، بل وقد يضر إذا لم يكن لدينا رسالة ثقافية تملأ ذلك الفراغ الواسع للدراما والسينما العربية التاريخية، لاسيما وأن لدينا من الشخصيات التاريخية ما يجعلنا نصنع عشرات الأعمال، لكن تبقى معضلة إصلاح صناعة السينما والدراما، وصناعة جيل قادر على تحمل هذه المهمة هى المشكلة الرئيسية، التى قد تقف أمام إنقاذ العقل العربى من الغزو الثقافى، الذى بات يأتيه من كل حدب وصوب.