الانتقام .. طبق يـقدم باردًا

Revenge is a Dish Best Served Cold.. «الانتقام طبق يـقدم بـــــاردًا»، مثل فرنسى شهير، تذكرته من أحد الأشخاص المقربين إلى قلبى، وأنا أجلس فى تلك الزاوية من ذلك المطعم، الذى كان يعرف الكثير عنا، واستوقفتنى مفردات المثل القديم التى تحمل فى طياتها قسوة بالغة، فى محاولة للتعمق بفهمه، ولم يخطر ببالى فى يوم من الأيام أننى على موعد مع أحد هذه الأطباق الباردة.

قبل تلك الليلة لم أكن على علم أن هناك مقادير أو مواصفات خاصة يجب الالتزام بها لتحبيش طبق الانتقام، الذى ينتقيها عاشق الأطباق الباردة بعناية فائقة، حتى نتناوله مخدَّرين، ومستمتعين، لا نقوى على الحراك.. آه يا عزيزتى من عشاق الأطباق الباردة، فالغموض إحدى سماتهم، فهم عادة لا يتسرعون، بل يمتلكون ملكات كبح جماح الغضب بإمعان، والأدهى أنهم ينتظرون ويخططون لكل ما يودون القيام به بهدوء وسكينة وذكاء، بل يحطون رحالهم حيثما ينبغى أن يكون، تصطف تلك الصفات جميعها لتقدم نماذج لبشر يعيشون بيننا، يواصلون الحياة معنا، يأكلون ويركضون، يتراقصون، ويتناسلون، ويتنافسون، حتى يحين موعد العشاء الأخير، لنتناول وجبتهم السامة، وبعد أن التهمناها فى غفلة منا، لم أجد سبيلاً سوى نسج خيوطها فى حكاية مفعمة بمشاعر مختلطة، لأناس كان الإصرار لديهم على الانتقام أقوى من الموج المجتاح.

آجاثا كريستى: إن لكل جريمة دافعًا لها.. قد يكون الدافع الحقد، الانتقام، الحسد، الخوف، أو المال

ابتسامة ناعمة لا تغيب، مع تعابير وجه هادئة لا تعرف الغضب، تشعرك بأقصى حالات الرضا، لا تستطيع أن تنجو من سطوتها، بل تجعلك تتوق إلى المزيد، إلا أنها باهتة مصطنعة.. تخلو من الصدق، تشعرك بأنك تتجمد من برودتها، بل تخفى خلفها تهديدا وكتمانا، كما لو تكن مشروع ضرر غير معلن، وكأن تلك الابتسامات كهوف، يلذ بها عاشق الأطباق الباردة، من صخب ما يدور فى صدره، فيتملكنا شعور بشىء ما خفى، داخل قلوبنا، ذلك الذى يقال عنه الحدس، فهو حقًّا قلَّما يخطئ أبدًا!، وبقدر ما كانت تؤرقنا تلك الابتسامات، عبثًا حاولنا أن نلهى أنفسنا للتهرب منها بأخرى بالية، ولكن تلك الابتسامات الباهتة كانت تطاردنا، وتفتح أبوابًا لطنين من التساؤلات، وكأننا نخشى من وقع الإجابة!

بترارك: يرتكب المنتقم نفس الخطيئة التى ينتقم لأجلها

يد حنونة.. نعم حنونة، أو هكذا كنا نعتقد، ظنٌّ يشبه اليقين، تغمرنا بدفء واهٍ كحنين المتجمد لشعاع شمس، أو شعلة نار فى ليلة باردة ممطرة، وبقدر ما تترك بصماتها على وجداننا، لدرجة لم تدع لنا مساحة يتسلل منها الشك، هناك ثمة شىء فى عمق الروح يؤرقنا، فى محاولة لكشف تلك الحنية الزائفة، التى كان كذبًا يدعيها، وهو يتفنن (عاشق الأطباق الباردة) فى البحث عن طرق أكثر ألمًا، ودهاءً، وحنكةً، لحَبْك وتحبيش طبق الانتقام دون اكتفاء، ربما يشعر بشبع التشفى، حتى لم يتبقَ فى جعبته شىء لاستدراجنا.

مصطفى محمود: للصمت المفعم بالشعور حكم أقوى من كل الكلمات, وله إشعاع وله قدرته الخاصة على التأثير

تكمن نقطة القوة التى استعان بها عاشق الأطباق الباردة، ليس فقط فى ارتداء أقنعة الهدوء والاتزان التى ارتسمت على قسماته، بل فى الصمت المتقن الذى يخترق الحواجز ويتجاوز المسافات، لدرجة تسمعنا همس السكون، فلا نملك إلا أن نصمت ونقاوم عادتنا فى الكلام نحن الآخرين، وتجرب معهم لغة الصمت، وكأنها لغة تحاوُر صامتة، كل هذا، مع مزيد من النظرات الاستثنائية التى خلعتنا عقولنا وألبستنا لباسًا من التوتر والقلق، نلحظها وراء كل لفتة، وراء كل إيماءة، وراء كل هفوة، ولكن مع كل ذلك هناك أفعال لا يجب أن نخطأ فى تشكيلها وإعرابها.

جون فورد: التأخر فى الانتقام يجعل الضربة أشد قساوة

هناك من يجيدون قراءة صفحات الأمل والوعود الكثيرة التى تتلون كالحية بألوان متناغمة عديدة، تتبخر وتتلاشى مع مرور الوقت بل فى دقائق، وكأنها لم تقال أو تسمع فى يوم من الأيام، ناهيك عن ساعات الانتظار المزيفة، وحساب الدقائق المتبقية، على أمل المجىء، والأبواب التى ظلت مواربة ريثما يأتى، فالمقعد لايزال شاغرًا، ومازلنا فى كل ساعة متأخرة من الليل نسأل، ماذا تراه الآن فاعلاً؟ ولكن لفرط ما انتظرنا لم نعد ننتظر، فما أصعب أن تسقط فى يد من لا يرحم، فلا تجد سبيلا سوى جث الزهور التى لونتها الأحلام، وطفء قناديل الأمل، لتترك وراءها ألمًا يبقى أثره دهرًا.

فرانسيس بيكون: الرجل الذى يفكر دومًا بالانتقام هو شخص يبقى جراحه مفتوحة

ويتجلى الغل وتضوى حلاوة الانتقام وكأنها قطعة ماس تعكس أضواءها من بعيد، مع مزيد من الصبر كطائر يجول فى جنبات أحاسيسنا، فتجده يتجمل بالكلمات كما ينتقى ثيابه الثمينة، فالمديح حقا فن لا يتقنه الجميع، فهو يعرف جيدا كيفية ملامسة الكلمات الشفافة، حتى صاغ منها لوحة مميزة ومثيرة، حتى جعل من آذاننا مكبا يشعل كل ما فينا، فامتطينا إليه جنوننا، ثم يمضى هو يرطم أحلامنا على أرض الواقع، حتى باتت التوقعات هباءً منثورًا، والأزهار التى حسبنا أننا سنسير عليها، أصبحت أشواكًا تدمى قدمينا.

ابن سينا: الوقت ينسى الألم و يطفئ الانتقام، بلسم الغضب ويخنق الكراهية، فيصبح الماضى كأن لم يكن

فأين العجب بعد أن أطمعنا كما أغرانا تدريجيًّا وبكثير من اللياقة وربما كثير من التخطيط، لدرجة جعلتنا نمضى بمشيئتنا مستكينين دون انتباه، فى غفلة منا، حتى أن كل ما يمكنك تخيله كان قابلاً للتحقق، وبقدر تلك الحرائق التى ظننا منهم أنها ستضىء أيامهم، وتلك الأفكار التى تعبر خيالتهم كرؤى، أولئك البشر (عشاق الأطباق الباردة)، يخفون داخلهم شبحًا لا أحد يدرى متى يظهر، وكم يلزمه حتى يقاوم شهوة الانتقام، فهناك نفوس لا يمكن التنبؤ بدواخلها، كما يصعب فك طلاسمها، مهما سكنتها ومهما كانت تبدو أمامنا واضحة، ومن الصعب أن تصل إلى أنفاقها السرية.

يرتكب المنتقم نفس الخطيئة التى ينتقم لأجلها

وبقدر ما اعتقد عاشق الأطباق الباردة أنه ربح وخرج من الساحة منتصرًا رافعًا سيفه لأعلى، ونحن متجاوزون كل الخطوط الحمراء التى كانت تقودنا فى طريق لا عودة منه، كنا قد فقدنا خلالها كل معانى الروح والدفء والأمل فى تغيير تلك الطبيعة القاسية وتعليمه قيمة ورقى معنى كلمة (التسامح)، وحقا نتشوق أن نعرف هل يشعر بالراحة الآن.. هل ارتاح قلبه وهدأت سكينته، آاااه لو كنا هناك نشهد لحظات الاستمتاع بالتقطيع وحلاوة المضغ ونشوى الرشف.. آآآآآه لو تسللنا داخل أعماق قلبه لنرى ما إذا كان يشعر بنشوى الانتصار أم بالندم أم متلذذ بأطباقه التى طالما اعتاد أن يأكلها باردة، منتقمًا ومستمتعًا ببرودتها، وما بين تلك الخفقات ومع كل الكسرات، تعلمنا نحن أيضًا كيف نضمد الجراح، مع أنها فى كثير من الأحيان لا يمكن جبرها، وجروحنا لاتزال تنزف بلحظة الاحتكاك.