مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان وتعاطى المخدرات الدكتور عمرو عثمان: هدفنا محاصرة الإدمان

استكمالا لملف «تعاطى وإدمان المخدرات»، الذى بدأناه بحوارٍ مع د. غادة والى وزيرة التضامن الاجتماعى، رئيس صندوق مكافحة وعلاج الإدمان وتعاطى المخدرات، توجهنا إلى مقر الصندوق، بحى السيدة زينب، لمقابلة مدير الصندوق الدكتور عمرو عثمان الذى أخذَنا الحوار معه إلى أرض الواقع، وتفاصيل العمل وملامسة الجهد المبذول، ما أتاح لنا فرصة مقابلة بعض المُدمنين المتعافين، وشباب المتطوعين فى حملة «أنت أقوى من المخدرات».. فمن الاستراتيجية إلى أرض الواقع استكملنا الطريق.

أكد أن الموجة الخامسة من «أنت أقوى من المخدرات» أكثر عمقًا

ما الذى تحمله الموجة الجديدة من حملة «أنت أقوى من المخدرات» والتى تم فيه التعاون مع النجم العالمى محمد صلاح؟

فى الواقع، على مدار السنوات الأربع السابقة، تم التعاون مع النجم محمد صلاح فى أربعة إعلانات، تتحدث فى مضمونها عن قضية المخدرات ومسبباتها، وكيف أن كل شىء يدور حول محورها، والوقاية منها، وكيف يُمكن للممارسات الحياتية الخاطئة أن تساهم فى الوقوع بهذا الخطر، وكيف يمكن للمخدرات أن تقف عائقًا أمام تحقيق الحلم، واستمرار الحياة فى مسارها السليم.

وهذا العام 2019، ستكون اتجاهات الحملة الإعلانية أكثر عمقًا، حيث سنتطرق لكيفية اتخاذ قرار العلاج، وإزالة الوصمة المجتمعية عن مريض الإدمان، والأسباب التى تؤدى إلى سقوط المدمن فى هذا المستنقع، وكيف يُمكنه التغلب عليها، بالاعتماد على قصة نجاح محمد صلاح، لتكون نموذجًا، يُساعد على تحفيز المدمن للعلاج والاستمرار.. وبالفعل، كان تأثير الحملة الإعلانية فى إصداراتها الأولى إيجابيًّا بشكلٍ كبيرٍ جدًّا، وزادت نسبة الإقبال على العلاج أربعة أضعاف.

كما أريد أيضًا أن أذكر أن الاتجاه الجديد للحملة الإعلانية يتضمن نقطة تركيز مهمة، تتعلق بالتدخين، فنحن نعتقد أن «المدخن فى الصغر مُدمن فى الكبر».. لذلك، قررنا العمل على اقتلاع جذورالمشكلة، وتوجيه الرسالة إلى الفئة العمرية من 10 إلى 15 سنة، وهى الأكثر عُرضةً للتدخين، كما نتطرق للتحذير ضد إمكانية انتكاسة مريض الإدمان، وضرورة المتابعة بشكل مستمر فى البرامج العلاجية والاستمرار بعد العلاج، لتجنب الانتكاسات.

حققت الحملة فى موجاتها السابقة نسبة للإقبال على العلاج أكثر من المتوقع، كيف يتم التعامل على أرض الواقع مع الحالات منذ استقبال مكالماتها على الخط الساخن حتى العلاج؟

بدايةً، أرغب ألا أختزل فكرة التوعية على مجرد الحملات الإعلانية، فعلى الأرض هناك ما يقارب الـ27 ألف شاب وشابة من المتطوعين فى العمل على التوعية ضد خطر المخدَّرات، ومسبباتها، وكيفية الوقاية منها.

«أنت أقوى من المخدرات» ليس مجرد شعار إعلامى، بل منهج علمى مُعتمد من الأمم المتحدة، ونعمل على نطاق واسع يشمل المدارس والجامعات ومراكز الشباب وكل مكان يُمكن الوصول إليه، وبث تلك الرسائل من خلاله.. كما أننا نستخدم أدوات مختلفة تتناسب وكل فئة تتلقى الرسالة، فمثلاً نوصل رسالتنا إلى طُلاب المدارس الابتدائية من خلال قصة مؤثرة تُسمى «أنت البطل»، والمستوحاة من حملة النجم محمد صلاح، والمرتبطة بها، ونعمل على تحويل القصة لفيلم «كرتون»، ليحقق تأثيرًا أكبر فى تلك الفئة العمرية، وهذا ما يتعلق بالتوعية..

بالانتقال إلى مرحلة العلاج، نعمل على توسيع الطاقة الاستيعابية لاستقبال عددٍ أكبر من الحالات، خصوصًا مع زيادة معدلات الإقبال على العلاج، ففى عام 2014 تم استقبال 70 ألف حالة بحد أقصى، وفى 2018 استقبلنا 116 ألف مريض إدمان، ومع زيادة ثقة الناس فى أن الحكومة تُقدِّم خدمة علاجية عالية الجودة بالمجان، لزم العمل على التوسع بزيادة عدد المراكز العلاجية، حيث كان لدينا 12 مركزًا للعلاج فى عام 2014، واليوم أصبح لدينا 23 مركزًا على مستوى الجمهورية، ونعمل على أن يكون هناك مركزٌ علاجىٌّ يُقدم خدماته فى كل محافظة، بحلول عام 2022.

مرحلة ما بعد العلاج -بصفته مرضًا مُزمنًا- كيف يعمل الصندوق على ضمان عدم انتكاسة المريض وإعادة تأهيله ودمجه فى المجتمع؟

هناك مراكز تأهيل تابعة للصندوق، مُجهزة على أعلى مستوى، تقدم الخدمات العلاجية والتأهيلية بشكل احترافى، آخرها المركز الذى تمَّ افتتاحه مؤخرًا فى محافظة المنيا، بقدرة 126 سريرًا، وهو مركز ضخم يُقدِّم خدمات علاجية وتأهيلية اجتماعية للمريض، حيث إن مريض الإدمان بعد علاجه يستمر فى برامج التأهيل النفسى والثقافى والاجتماعى أيضًا، ويتلقى تأهيلاً متكاملاً يعتمد على إعادة التحكم فى عقل المدمن، فما فسد فى عقله وقاده للإدمان يعود ليكتسبه من جديد، ومنه معرفته بشكل أعمق عن مشكلة المخدرات، وتعديل سلوكياته التى أدت به إلى الوقوع فى تلك الهاوية، كما نعمل على تحسين مهاراته الحياتية فى مرحلة إعادة التأهيل.. كما أننا نعمل أيضًا على مساعدة المريض فى التخلص من الوصمة التى تلتصق دائمًا بمريض الإدمان، من خلال توجيه رسالة من خلال أحد إعلانات الجزء الجديد من الحملة إلى المجتمع، حتى يتقبل مريض الإدمان مرَّةً أخرى، ويقف إلى جانبه ويساعده على الاستمرار فى طريق سليم بدلاً من نبذه، ما قد يؤدى به لليأس والانتكاسة مرة أخرى..

وعلى المستوى الاقتصادى، عملنا على تقديم قروض مشروعات صغيرة، مُقدَّمة من بنك ناصر الاجتماعى، لمساعدة المريض على بدء حياة جديدة، حيث قدمنا خلال العام الماضى قروضًا بقيمة مليون وستمائة ألف جنيه، كما نعمل على تعليم المرضى بعض الحرف مثل السباكة، والنجارة، وإصلاح الهواتف المحمولة، وكلها مهن يحتاج إليها سوق العمل، للمساعدة فى عودتهم للاندماج فى نسيج المجتمع من جديد.

بعد حادث القطار الأليم، تم الاتجاه إلى مكافحة المخدرات داخل الجهاز الإدارى للدولة.. ما دور الصندوق تجاه ذلك؟

دعنى أولا أُعرِّفك على مستويى المكافحة، المُتمثلين فى خفض العرض وتُعنَى به الجهات الأمنية، وخفض الطلب المتمثل فى الوقاية والاكتشاف المبكر وإعادة التأهيل، وهذا هو الجزء المعنى به الصندوق.. نحن هنا بصدد الحديث عن محور غاية فى الأهمية، وهو محور الكشف عن المخدرات، ومدى فاعليته؛ تعاوننا مع وزارة الداخلية فى حملات توعية وعلاج الإدمان للسائقين الذين وصلت نسبة المتعاطين والمدمنين منهم فى 2014 إلى 24بالمائة، وفى السنوات الأربع الأخيرة استطعنا الكشف على 160 ألف سائق، وخفض النسبة إلى 12بالمائة بـ2018، ما يُثبت أننا على الطريق الصحيح، وتوسعنا بالحملة لتشمل سائقى المدارس أيضًا بعد الحادث الأليم عام 2014، الذى أودى بحياة 20 طفلاً فى محافظة البحيرة بالمرحلة الابتدائية، وبالكشف توصلنا إلى أن نسبة تعاطى سائقى الحافلات المدرسية تصل لـ12بالمائة، واستطعنا من خلال تلك الحملات خفض النسبة لتصل إلى 2.7بالمائة خلال العام الجارى، ونعمل حاليا على الكشف داخل الجهاز الإدارى للدولة، وفى الثلاثة أشهر الأخيرة كشفنا على 15 ألف كادر بالدولة، وكانت نسبة التعاطى 3%، وهى ليست مرتفعة.

كما قدمنا مشروع قانون لمجلس الوزراء، ليتم عرضه على مجلس النواب، ينص على ضرورة ردع أى متعاطٍ للمخدرات داخل الجهاز الإدارى للدولة، من خلال فصله ووقفه عن العمل، لأن مشكلة المخدرات لا تقبل أنصاف الحلول، ولا تحتمل سوى الردع الكامل، والحل الجذرى، وبالتوازى أيضًا نفتح أبوابنا لكل من يرغب فى العلاج، وفى سرية كاملة، وبالمجان، ولن يقع أى شخص تقدم للعلاج تحت طائلة القانون، ولكن فى حالة تم الكشف عليه أثناء تأدية عمله، وتم اكتشاف أنه يتعاطى المواد المخدرة، فإن سياستنا تجاهه وقتها ستكون رادعةً وبلا تهاون.

ما يُميز حملة النجم محمد صلاح «أنت أقوى من المخدرات» أنها تراكمية وتحمل رؤية محددة وتمر بمراحل مختلفة


ما حقيقة أن النجم محمد صلاح ليس مجرد وجه إعلامى للحملة، ولكنه يتابع تأثيرها وما وصلت إليه؟

فى الواقع، محمد صلاح يُناقش معنا حتَّى المبدأ القائم عليه الإعلان، وتأثير كل كلمة على الناس، ويهتم بمتابعة مراحل الإعداد للإعلان، والتصوير، ولا يتوقف دوره عند انتهاء التَّصوير، ولكنه يظل يُتابع التأثير الذى أحدثته الحملة على المستوى المحلى والدولى أيضًا. الحملة السابقة وصلت إلى 37 مليون متابع ومشاهد على مواقع التواصل الاجتماعى، وقدمتها فى مؤتمر الأمم المتحدة بنيروبى، كنموذج ناجح وملهم فى مكافحة المخدرات، واعتبرها المجتمع الدولى تجربةً ناجحةً ومُلهمة فى هذا المجال، كما قدمتها فى إيطاليا.. والصين، التى اعتبرتها وزارة الأمن العام بها من أنجح التجارب والحملات فى مجال مكافحة المخدرات، ويجب الاحتذاء بها، وتمت ترجمة مواد الحملة إلى اللغة الصينية، ونشرها على الموقع الرسمى لوزارة الأمن العام.

مما لا شك فيه أن محمد صلاح أحدث تأثيرًا كبيرًا فى نجاح الحملة، والنتائج العملية، ولكن ماذا لو احتاج الصندوق للتعاون مع وجه جديد للحملة، وهل يهدد هذا نسبة التأثير الإيجابى؟

ما يُميز حملة النجم محمد صلاح «أنت أقوى من المخدرات» أنها تراكمية، وتحمل رؤية محددة، وتمر بمراحل مختلفة؛ مرحلة تُخاطب الأسرة، ومرحلة الوقاية الأولية، ومرحلة التَّشجيع على العلاج، ومرحلة تتناول التدخين، وبالتالى هى رؤية لديها خطة محددة ومَدروسة.. ومما لا شك فيه أن محمد صلاح نموذج ملهم بشكل كبير جدًّا، كما أن هناك العديد من الفنانين المشتركين معنا فى الحملة بشكل تطوعى، ومنهم الفنان أحمد جمال، الذى يطوف معنا الجامعات فى عدة حفلات، ويجب توجيه التحية والشكر لكل الفنانين واللاعبين والشخصيات المعروفة المشاركة معنا بشكل تطوعى لإيصال أهداف تلك الحملة، حتى أن النادى الأهلى ككيان اشترك معنا بشكل تطوعى فى حملة «أنت أقوى من المخدرات».

نفتح أبوابنا لكل من يرغب فى العلاج، وفى سرية كاملة، وبالمجان، ولن يقع أى شخص تقدم للعلاج تحت طائلة القانون

مع حلول شهر رمضان الكريم وزيادة إقبال المواطنين على التبرع، ما موقف الصندوق من التبرعات، خصوصًا أن هدف التعافى من الإدمان لا يقل أهميةً عن الأهداف الأخرى؟

يُفضِّل البعض توجيه تبرعاتهم نحو جهات تتعلق بالفقر والطعام والكساء، والأيتام.. ولكن مع الأسف لم يصل المجتمع بعد إلى مرحلة الوعى بأن مريض الإدمان ليس مجرمًا، وأنه يستحق الدعم وتغطية نفقات علاجه، لأنه إذا أهملناه سيتحول إلى 70 مريض إدمان، فهو مرضٌ يسحب الآخرين، وإذا ما تم إغفاله فقد يتحول إلى مرحلة وبائية، تجلب التهديد للمجتمع وتزيد من معدلات الجريمة. لذلك، يجب الاستثمار فى علاج تلك الآفة ومحاصرتها.

بعض الدول تنكر معاناتها من مشكلة الإدمان، مع أنها تصل بها إلى حد الوباء، ولكن مصر اتخذت منحى الاعتراف والمواجهة بشكل علمى مدروس


يأخذنا الحديث إلى نقطة مهمة تتلخص فى كيفية مخاطبة الفئات التى تتاح لها فرصة السفر للخارج، فترى دول أخرى تتعامل مع المخدرات وتقننها، وتحب صلاح ولكنها قد لا تتأثر به بشكل كبير؟

تلجأ بعض الدول إلى تقنين بعض المواد المخدرة، التى ترى أنها ذات تأثيرٍ ضعيفٍ، وبعض الدول تعمل على مراقبة سوق المخدَّرات، وهذه السياسة أرَاها سياسة استسلام تتمحور حول إمكانية تقليل الضرر نتيجة العجز عن إيجاد حلول، فهم مثلاً يلجأون إلى تقنين المخدرات للحد من انتشار سوق تجارتها بشكل غير قانونى، أو من منطلق صحى مثلاً للحد من انتشار الأمراض الناجمة عن تشارك الإبر أثناء التعاطى وما إلى ذلك.. ونحن فى مصر ضد سياسة الاستسلام هذه، ونعمل بكل جهد لحصار تلك الظاهرة، والوصول بها إلى أدنى معدلاتها.

مع كل هذه الجهود والسعى المستمر فى مجال مكافحة وعلاج الإدمان، هل هناك أمل فى القضاء على الإدمان والتعاطى؟

نحن نعمل وفق سياسة الأمم المتحدة فى خفض الطلب على المخدرات، وليست هناك أى دولة استطاعت القضاء على مشكلة المخدرات واستئصالها. ولكن، هناك أمل فى استطاعتنا أن نقلل بشكل كبير جدًّا من انتشار الظاهرة، وأمل فى زيادة التفاعل المجتمعى مع صندوق مكافحة وعلاج الإدمان وتعاطى المخدرات، وزيادة الثقة من المتقدمين للعلاج، الذين أخذوا القرار من خلال الحملات الإعلانية، أو التواصل المباشر على الأرض، وما يبعث الأمل أيضًا فى بلوغ الهدف وجود 27 ألف شاب من المتطوعين، والذين ينتشرون بشكل رائع فى أماكن عديدة لتقديم التوعية للآخرين.. مع كل هذا بالتأكيد هناك أمل.

ماذا عن النسب الناتجة عن دراسات قُمتم بها، ويتم تحديثها باستمرار، والتى تكسر النمط الذهنى المتعارف عليه بأننا مجتمع محافظ ومتدين؟

اتبعنا سياسة عدم الخجل من المشكلة وعدم إنكارها، فبعض الدول مثلاً تنكر أنها تعانى من تلك المشكلة، ولكنها فى حقيقة الأمر قد تصل بها إلى حد الوباء، ولكن مصر اتخذت منحى الاعتراف، والمواجهة بشكل علمى مدروس، فلا يمكن مواجهة العدو دون الوعى والمعرفة بأبعاده، وكان من المهم جدًّا رسم خريطة المخدرات فى مصر، والتى كانت فى 2014، حتى أصبحت لدينا قاعدة بيانات كاملة لمشكلة المخدرات، ويتم تحديثها حاليا، فالاعتراف بالمشكلة ومعرفة أبعادها هو الطريق الأمثل لحلها.

شريف الألفى – نورهان سمير

تصوير – محمد حازم