الرجل الذى هزم نفسه بنفسه بضربة قاضية!

بقدر ما بُهرت بنجاحه بُهت لاعتقاله.

لم أصدق أن كارلوس بشارة غصن يُمكن أن يرتكب الحماقة التى أدَّت إلى القبض عليه وأجهزت على مستقبله ونسفت سمعته.

يوصف غصن بالطبيب المعالج لشركات السيارات العالمية المريضة.. ما أن تُوضع بين يديه حتى ينقلها من المرض إلى الصحة.. ومن الضعف إلى القوة.. ومن الخسارة إلى الربح.

هاجر جده من لبنان إلى البرازيل وعمره 14 سنة، ونجح فى إدارة شركات تجارية وزراعية بعد طول شقاء.. وتزوج ابنه جورج بامرأة نيجيرية.

وُلد كارلوس فى 9 مارس 1954 بمدينة بورتو فاليو، ولكنَّه انتقل إلى ريو دى جانيرو للعلاج من مرض أصابه، نتيجة شربة ماء ملوث، ولكنه لم يتعافَ تمامًا.

عاد إلى بيروت ليحصل على شهادة متوسطة قبل استكمال دراسته العليا فى باريس، حيث تخرَّج مهندسًا، وهناك تعلَّم الفرنسية ليتكلمها بطلاقة، بجانب العربية والبرتغالية والإنجليزية، وفيما بعد أضاف اليابانية إليها.

فور تخرجه، عمل فى شركة ميشلان الفرنسية للإطارات، وصعد فى إدارتها، وحلَّ مشاكل فروعها فى أمريكا اللاتينية بسبب فهمه لطبيعة المستهلكين هناك، وحقَّق للشركة أرباحًا لم تحلم بها، ردَّت الحياة إليها بعد أن كادت تموت من الخسارة.

بعد 30 سنة هناك، قرر الاستقالة، بعد أن سد طريق الصعود إلى القمة، باختيار فرانسوا ميشلان ابنه ليخلفه فى رئاسة شركته.

ولكن شهرته فى ميشلان جعلت شركة رينو للسيارات تعرض عليه منصبًا رفيعًا لإنقاذها من الانهيار، وبعد دراسة لم تزد على أسبوعين نجح فى إعادة هيكلة الشركة، وأغلق عدة مصانع لها، ووفَّر مئات العمال فيها، وأعاد مؤشرات الرِّبح إليها، وعُيِّن مُديرًا تنفيذيًّا لها.

وصل نجاحه فى رينو إلى حد أنها اشترت نحو 37بالمائة من أسهم نيسان للسيارات اليابانية بسعر رخيص، بعد أن وصلت ديونها إلى أكثر من 20 مليار دولار.

تعهد غصن بتنفيذ خطة إنقاذ ناجحة لنيسان، واضعًا استقالته رهنًا إذا ما فشل، وبجرأة يُحسد عليها أغلق 5 مصانع للشركة، وسرَّح أكثر من 20 ألف عامل، واكتفى بإنتاج عدد محدود من موديلات السيارات، لا يقبل مستهلكو السيارات على سواها.

وفى أقل من عام، ارتفعت أرباح نيسان بعد خصم ربع الديون التى عليها، وبعد أقل من ثلاث سنوات أصبحت الشركة الأكثر ثراءً بين نظيراتها فى اليابان، وسيطر غصن على إدارتها العليا بجانب وجوده على رأس رينو.

رفض غصن عرضًا من شركة فورد الأمريكية، بعد أن أصرَّ أصحابُها على التشاور معه فى القرارات الإدارية قبل اتِّخاذها، ولكنَّه قبل عرضًا من شركة افتوفاز الروسية لإنقاذها من الكساد، وبشراء نيسان حصةً حاكمةً فى شركة ميتسوبيشى أصبح غصن نجمًا عالميَّا فى صناعة السيارات، مَا جعله عضوًا مُميزًا فى العديد من الجامعات والمراكز البحثية، وحصل منها على أكثر من دكتوراه فخرية، وفى عام 2014 انتُخب رئيسًا لجمعية مُصنِّعى السيارات الأوروبية، واختير مُديرًا لمنتدى الاقتصاد العالمى، وأصدرت خمسة كتب عن سيرته، وفكَّر اللبنانيون فى ترشيحه رئيسًا لبلادهم.

فجأةً، ودون سابق إنذار، سقط غصن!! وسط دهشة الدنيا كلها.. ارتكب جريمة التهرب من الضرائب دون الحاجة للوقوع فيها، فدخله يزيد على 100 مليون دولار سنويًّا، ولكنه لم يُصرِّح بالحقيقة للسلطات المالية المختصة فى طوكيو، فلم تتردد بعد تحقيقات دقيقة، استمرت ستة أشهر، فى القبض عليه فور نزوله من طائرته الخاصة.

وأمام حشدٍ هائلٍ من الصحفيين، وجَّه رئيس شركة نيسان هيروتو سايكاوا إلى غصن اتهامات أسوأ؛ الاختلاس، واستخدام أموال الشركة فى أمور شخصية، وتمويل شراء مقرات إقامة فاخرة فى أربع دول ينزل فيها مجانًا، وتقاضى عمولات بأسماء أعضاء آخرين فى مجلس الإدارة.

ما الذى دفع شخصًا يتمتع بتلك المكانة العالمية إلى الوقوع فى مثل هذه الأخطاء، التى دمَّرت كل ما فعل وكل ما وصل إليه؟!

هل هو شعوره بأنه يستحق أكثر مما يحصل عليه بعد أن كوَّن تحالفًا دوليًّا يبيع 10 ملايين سيارة فى العام؟.. هل هو الغرور الذى أقنعه بأن الشركات التى أنقذها من الغرق لن تستغنى عنه مهما فعل بها ومهما أساء إليها؟

لا أجد إجابة مناسبةً.. الوحيد القادر على التفسير طبيبٌ نفسىٌّ بارعٌ يقرأ ما بداخل كارلوس بشارة غصن، ويكشف عن العيوب الشخصية التى ورَّطته فيما لا يحتاج إليه، حتى لا يقع فيها غيره، ولكن ذلك لا ينفى أننى حزينٌ عليه ولو لم ألتقِ به.