بعد أن فقدت 40% من قيمتها الليرة التركية تاريخ طويل من الانهيارات

 سجلت الليرة التركية خلال الأسبوع الماضى تراجعًا كبيرًا أمام الدولار الأمريكى، بلغ أعلى مستوياته يوم الجمعة الماضية بعدما فقدت نحو 20% من قيمتها، ما جعل خسائرها تصل لـ40% خلال العام الجارى.

وعلى الرغم من الدهشة التى انتابت الكثيرين، بسبب هذا السقوط المفاجئ، إلا أن هذا الأمر ليس بالجديد بالنسبة للعملة التركية، التى تمتلك سجلاً حافلاً من الانهيارات التاريخية، والتى سوف نستعرض أبرزها فى هذا التقرير.

تاريخ السقوط

بدأت طباعة أقدم عملة تركية، فى العهد الجمهورى سنة 1927، ولكنها طُبعت بالحروف العثمانية، ثم طبعت من جديد بالحروف اللاتينية الحديثة سنة 1937، وكانت حينها من فئة 5 ليرات، وتحمل صورة الزعيم التركى كمال أتاتورك.

التضخم الكبير

وعلى الرغم من أن الليرة التركية شهدت فترات عصيبة طوال تاريخها فإن أول انهيار حدث لها كان خلال عقد السبعينات من القرن الماضى، نتيجة ارتفاع معدل التضخم وزيادة معدل الديون الخارجية للبلاد.. حيث أطلق على السبعينات سنوات التضخم الاقتصادى الكبير وسنوات القحط، وخلالها عانت تركيا من الحظر الذى فُرض على النفط سنة 1974، بعد التدخل التركى فى جزيرة قبرص، الذى أدى إلى فرض الحصار الاقتصادى ضد تركيا من قبل الدول الغربية، ما أدى إلى هبوط قيمة الليرة التركية إلى مستويات منخفضة للغاية.

وعلى أثر هذه الأزمة تم تداول جيل جديد من الليرة سُمِّى بالجيل السابع، بداية من عام 1979، حيث اختفت العملات من فئة الألف ليرة، وبعد سنة 1980 أصبحت الألف ليرة تطبع كنقود قليلة القيمة، ومع استمرار الأزمة طبعت عملات من فئة 5 آلاف و10 آلاف ثم 20 ألفا فـ50 ألفا و100 ألف مرورًا بـ250  ألفا ثم 500 ألف ليرة.

قمة الأزمة

تُعد فترة التسعينات أكثر الفترات التى شهدت فيها الليرة التركية ذروة أزمتها، فمع تنحية الحكم العسكرى للبلاد عام 1982، دخلت تركيا مرحلة سياسية واقتصادية جديدة، ركزت فيها الدولة على الصادرات وأزالت القيود على الواردات وفتحت الباب للاستثمار الأجنبى، وقامت الحكومة فى السنوات التالية لذلك، بتشجيع خصخصة القطاع العام ودعم القطاع الخاص، هذه السياسة التى أدت فى النهاية إلى أن البلاد عانت فى 1994،  1999و2001 من أزمات اقتصادية حادة أدت إلى انهيار الليرة إلى أدنى مستوياتها وزيادة نسبة التضخم بشكل كبير.

فى النهاية، دفعت الظروف الاقتصادية السيئة إلى انهيار الحكومات عدة مرات، واستمر هذا الوضع حتى 2004، حيث نجحت حكومة حزب العدالة والتنمية فى خفض نسبة التضخم إلى نحو 9.4% من نسبة تضخم بلغت 150% فى عامى 1994-1995.

لكن تعود اليوم تركيا لنفس المشكلة التى عانت منها طويلاً، بما يؤكد أن حكومات حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان انتهجت نفس أساليب الحكومات السابقة فى معالجة الأزمة عبر سياسة المسكنات، التى تعتمد على الاقتراض من الخارج، دون علاج الأسباب الحقيقية.

ديون ضخمة

تعد الديون الخارجية التركية أهم المؤشرات التى تكشف عمق الأزمة الاقتصادية التى تمر بها البلاد، فلا يعرف الكثيرون أن الاقتصاد التركى مُثقل بديون ضخمة، وذلك بسبب الدعاية التى دائمًا ما يُروِّجها حزب العدالة والتنمية وأتباعه فى المنطقة عن أكذوبة المعجزة الاقتصادية التركية.
يبلغ حجم الدين الخارجى لتركيا فى الوقت الراهن نحو 440 مليار دولار، وارتفع الدين الخارجى خلال حكم حزب العدالة والتنمية بنحو 310 مليارات دولار، حيث بلغ حجم الدين الخارجى فى عام 2002 قبل تولى حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم نحو 129 مليار دولار.
وتشير وكالة فيتش للتصنيف الائتمانى فى تقاريرها عن الدين السيادى لتركيا، إلى أنه عالى المخاطر، وبأنه يدخل ضمن الدرجة غير الاستثمارية.

أخيرًا، دخلت تركيا من جديد فى أزمة اقتصادية حادة، من المنتظر أن تتضاعف وتيرتها بعد فرض الولايات الأمريكية عقوبات اقتصادية على أنقرة، تتمثل فى مضاعفة الرسوم المفروضة على صادرات الصلب والألمنيوم.

تلك العقوبات التى أكد الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، أنها لن تجبر بلاده على الرضوخ لمطالب واشنطن، فى تحدٍ يشير إلى أن نظام أردوغان بات مُحاصرا خارجيًّا، وأصبح مستقبله السياسى مرهونًا بهذه الأزمة التى ستفضح خلال الفترة القادمة أكذوبة المعجزة الاقتصادية التركية.