بعد أن حصد فيلمها 23 جائزة وكانت أول عربية فى «أوسكار» المخرجة اللبنانية نادين لبكى تروى لـ«7 أيام» كواليس «كفرناحوم» وقضية إثبات الوجود

ربَّما لم يكن يدور بمخيلتها أنها تحفر اسمها بأحرف من نور فى تاريخ الفن العربى بتمثيلها لمهد الفنون، فى أبرز حفلات توزيع الجوائز بالعالم «الأوسكار»، بل وتُنافس حتى الرَّمق الأخير، وربما كان أقصى طموحها نيل احترام وتصفيق الجميع وانطلاق حتَّى زغاريدهم بمجرد سماع اسمها.. إنها الممثلة والكاتبة والمخرجة اللبنانية نادين لبكى التى تُجيد العربية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية، والتى تكشف لـ«7 أيام» فى سطور هذا التقرير كواليس فيلمها «كفرناحوم» الذى وصل بها إلى الأوسكار.

ماذا عن نادين لبكى؟

وُلدت نادين لبكى عام 1974 فى لبنان، ودرست الإعلام بجامعة القديس يوسف فى بيروت، قبل أن تتجه لعاصمة النور الفرنسية لحضور ورشة للتمثيل، إلا أن بوصلتها اتجهت للإخراج الفنى للفيديو كليبات، وحققت نجاحات ساحقة بتعاونها مع أشهر مطربى العرب، حتى قررت عام 2005 إخراج فيلم «كراميل»، ثم «هلا لوين»، وأخيرًا «كفرناحوم»، الذى جعلها تضع أولى قدميها فى مسرح دوبلى، بمدينة لوس أنجلوس الأمريكية، وكانت قاب قوسين أو أدنى من ملامسة التمثال الذهبى الذى تقدمه أكاديمية الفنون السينمائية.

صدفة «كفرناحوم»

فرض الاسم نفسه دون أن تشعر بذلك، فتقول نادين لبكى: «اقترح علىَّ زوجى خالد أن أكتب جميع المواضيع التى كنتُ أريد أن أتطرّق إليها -حينما بدأت بالتفكير بهذا الفيلم- على لوحٍ أبيض فى منتصف غرفة الجلوس فى منزلنا، وهى طريقة أتَّبعها عادةً لدراسة الأفكار التى أريد تطويرها، وعندما عُدت إلى ذلك اللوح بعد فترة، أخبرتُ خالد بأننى أشعر بأن كل هذه القضايا والأعباء والهموم أشبه بجحيم وخراب لا يُطاق أى «كفرناحوم»، ومن هنا جاء اسم الفيلم.

فى بداية كفرناحوم شغلت بالى قضايا المهاجرين غير الشرعيين، والأطفال الذين يقاسون سوء المعاملة، والعمال المهاجرين، وفكرة الحدود وغرابتها

قضايا اللوح الأبيض

كان تفريغ الأفكار على اللوح الأبيض هو المُتسبب فى الصدفة التى جاء منها اسم العمل، وتقول المخرجة العالمية نادين لبكى عن هذا: «كُنت دائمًا أشعر بأهمية مناقشة النظام القائم، وتناقضاته، من خلال أفلامى، ولا أكتفى بمجرد الطرح أو النقاش، بل أسعى أيضًا إلى تصوُّر أنظمةٍ بديلة»، وتضيف: «فى بداية كفرناحوم كانت المواضيع التى شغلت بالى متمثلةً فى قضايا المهاجرين غير الشرعيين، والأطفال الذين يقاسون سوء المعاملة، والعمال المهاجرين، وفكرة الحدود وغرابتها، وحقيقة أننا لانزال نحتاج إلى ورقةٍ لكى نُثبت وجودنا، ويُمكن لهذه الورقة أن تكون باطلةً إن دعا الأمر، إضافةً إلى العنصرية والخوف من الآخر، وعدم الاكتراث باتفاقية حقوق الطفل».

مشهد واحد كان نقطة الانطلاق

قررت نادين لبكى التركيز على قضية الأطفال، الذين يقاسون سوء المعاملة، ولكن كان هناك مشهدٌ معينٌ كان بمثابة نقطة الانطلاق.. وتروى نادين قائلةً: «مررت بموقف أثَّر فىَّ كثيرًا وأشعرنى بأهمية هذا الطرح، إذ كُنت عائدةً من إحدى الحفلات فى الواحدة فجرًا، وتوقفت بسيارتى عند إحدى الإشارات الضوئية، ولمحت عيناى تمامًا تحت نافذة سيارتى طفلاً غافيًا فى حضن أمه، التى كانت جالسةً تتسوَّل على قارعة الطريق، وتمثَّلت الصدمة بأن هذا الطفل لم يكن يبكى، وإنَّما كان كل ما يريده هو فقط أن ينام».. وتتابع: «لم تفارق صورته وهو يغلق عينيه مخيِّلتى، وعندما وصلت إلى منزلى، كان لابدَّ لى أن أتصرَّف حيال تلك الصورة، فرسمت وجه طفلٍ يصرخ فى وجه أناسٍ بالغين، ويلومهم لأنهم جلبوه إلى عالمٍ سلب منه كل حقوقه، وهكذا بدأت فكرة كفرناحوم».

قصة الفيلم

تروى نادين لبكى قصة فيلمها قائلة: «يسرد كفرناحوم قصة زين الذى يبلغ من العمر 12 عامًا، ويقرر أن يرفع قضيةً على والديه، اللذين أحضراه إلى العالم دون أن يكونا قادرين على تربيته تربيةً سويَّة، بل وحتى دون أن يمنحاه الحُب، وكأن معركة هذا الطفل الذى قاسى سوء المعاملة ولم يكن والداه أهلاً للمهمة رمزٌ وصدى لصرخات كلِّ أولئك الأطفال الذين أهملتهم أنظمتنا، إنه اتهامٌ يعبِّر عن أطفال العالم، رسمته عيونٌ صادقة».

لا يملك زين أى وثائق، ويعنى هذا بالمفهوم القانونى أنه غير موجود، وتختزل قضيته مشكلةً أبرزناها على مدار الفيلم


وثائقى أم روائى؟!

تعتبر نادين لبكى أن كفرناحوم قصةٌ روائيةٌ، ولدى الفيلم سيناريو مدروس ومكتوب، إلا أن جميع عناصر القصة هى أمورٌ عايشتها وشهدتها خلال بحثها، فلم يكن هناك أى شىءٍ اختُلق أو كان من وحى الخيال، بل إن كل ما تراه هو نتاج زياراتها لمناطق فقيرة، ومراكز الاحتجاز، وسجون الأحداث التى زارتها وحيدةً ومُتخفيةً وراء قبعةٍ ونظاراتٍ شمسية.

وتقول: «استغرق الفيلم ثلاث سنواتٍ من البحث، وكان لزامًا علىَّ أن أكون مُتعمِّقةً ومُتمرِّسةً فى الموضوع الذى أردت أن أتناوله.. أن أرى كل شىءٍ بالعين المجرَّدة، وقد أدركت أننى أتناول قضيةً حساسةً ومعقّدة وأنا أقوم بكل ذلك، ذلك لأنها قضيةٌ لمستنى أكثر وأكثر، ربما لأنها كانت غريبةً وغير مألوفةً بالنسبة لى، وأدركت أنه على أن أنصهر بواقع هؤلاء الناس، وأن أتعمَّق فى قصصهم، وغضبهم، وإحباطهم كى أستطيع روايتها ورصدها فى الفيلم، كان يجب أن أؤمن بالقصة قبل أن أكون قادرة على سردها».

رسالة التغيير

تقتنع نادين لبكى بأن السينما وسيلةٌ لطرح الأسئلة قبل كل شىء، بما فى ذلك الأسئلة التى تطرحها على نفسها، بشأن النظام الحالى، كما أنها وسيلة تقوم من خلالها برسم تصورها للعالم الذى تتطوَّر ضمن دائرته، وتتابع: «كنت ومازلت مثالية جدًّا، إذ لاأزال أؤمن بقوة السينما، وحتى لو كانت أعمالى، وكفرناحوم تحديدًا، ترسم صورةً صادمةً ومجرَّدة للواقع، فإننى مازلت مقتنعةٌ بأن السينما، وإن عجزت عن تغيير الواقع، فإنها تستطيع أن تؤسِّس لنقاشٍ مثمر أو أن تدفع الناس للتفكير».

محاكمة المجتمع

أشارت المخرجة نادين لبكى خلال حوارها لمجلة 7 أيام عن فيلمها كفرناحوم إلى أن: «فكرة قاعة المحكمة كانت ضروريةً لإضفاء المصداقية للدفاع عن مجتمع كامل، فكانت جلسة الاستماع هذه أشبه بمنصة لأصواتهم المقموعة والمهملة، أملاً فى أن تصل أخيرًا إلى الآذان، ولهذا طلبت من أم زين، عندما كان عليها أن تُدافع عن نفسها أمام القاضى، أن تفعل ما كان يجب عليها أن تفعله إن طُلب منها حقًّا بأن تُدافع عن قضيتها أمام قاضٍ فى الحقيقة، فلقد عبَّرت عن نفسها بصفتها كوثر اسم شخصيتها فى الفيلم، وهو ما سمح لها بأن تُنفِّس عمَّا قيَّدها طوال حياتها، قُمنَا أيضًا بتنفيذ فكرة المحكمة لتضعنا أمام فشلنا، وعجزنا عن القيام بأى شىء فى وجه مستنقع الفقر الذى بات العالم يسقط فيه».

شرعية وجود الإنسان

وتضيف لبكى قائلةً: «لا يملك زين أى وثائق، ويعنى هذا بالمفهوم القانونى أنه غير موجود، وتختزل قضيته مشكلةً أبرزناها على مدار الفيلم، وتتمثَّل فى شرعية وجود الإنسان.. لقد وجدت العديد من الحالات المشابهة خلال بحثى لأطفالٍ وُلدوا من دُون توثيق، لأن ضيق حال ذويهم منعهم من أن يوثِّقوهم، وخطف الموت كثيرًا منهم، غالبًا بسبب الإهمال أو سوء التغذية، أو ببساطة لغياب الرعاية الطبية، فيموت هؤلاء الأطفال دون أن يلحظهم أحد، وكأنهم بلا وجود فى هذه الحياة، وجميعهم يقولون -وبحثى فى هذا الموضوع يبرهن على ذلك- إنهم غير سعداء بمجيئهم إلى هذا العالم».

أبطال واقعيون

ترى نادين لبكى أن «حياة زين على أرض الواقع مشابهةٌ لحياة شخصيته بالفيلم فى أكثر من زاوية، وكذلك بالنسبة إلى «رحيل»، السيدة التى تعيش بلا أوراق رسمية، أمَّا شخصية أُم زين فقد استوحيتها من امرأةٍ قابلتها، وكانت قد أنجبت 16 طفلاً، وتعيش فى ظروفٍ مُشابهةٍ للظُّروف التى يصوِّرها الفيلم، وقد مات ستةٌ من أطفالها، فيما تُرك البعض الآخر فى دورٍ للأيتام لأنها لم تستطع أن تعتنى بهم»..

«أمَّا السيدة التى لعبت دور كوثر فقد كانت بالفعل تطعم أولادها مكعبات ثلج مُغطاة بالسُّكر، وحتى القاضى فقد كان يعمل قاضيًا فى الواقع، كنت أرى أننى الوحيدة التى لم تعايش ظروفًا تُماثل ما يحدث على الشاشة، ولهذا أردت بأن يكون دورى هامشيًّا قدر الإمكان».

البطلة السمراء

«أردت أن تكون البطلة امرأةً ذات بشرة سمراء، هناك الكثير من الفتيات فى لبنان مثل رحيل.. يتركن أطفالهن ويذهبن ليعملن لصالح عوائل أخرى، ويصبحن غير مرئيات، بل ومُجبرات على الانسلاخ من أى عاطفة، وحتى من حق الحب، وسُرعان ما يقعن ضحيةً للعنصرية أو يجدن ألوان المعاملة السيئة من الأشخاص الذين يعملون لديهم، والذين لا يعتبرونهن موظفات لهن حقوقهن، فقط لأنهن ينحدرن من عرقٍ مُختلف، لا يُسمح لهن بالإنجاب أو بأن يظهرن حبهن لأطفالهن».

المصداقية طبيعية

تقول «نادين»: «لطالما كانت لدى بعض التحفظات على استخدام كلمة (لعب الدور) عند الإشارة إلى ممثلى العمل السينمائى، وخصوصًا فى فيلم كفرناحوم، الذى كانت فيه المصداقية أولويةً مهمة، بل أرى أننى أدين لجميع من كان بهذا الفيلم صرخةً لقضيته.. لقد كان من الضرورى أن يُدرك الممثِّلون نوعيَّة الظروف التى نريد إبرازُها، لإعطائهم شرعيةً حينما يقومون بالحديث عن قضاياهم، وأظنُّ بأن مهمة تجسيد شخصيات تحمل كل هذه الهموم والآلام أشبه بمهمة مستحيلة للممثلين بشكل عام.. كنت أكتب شخصياتى، وكنت أشاهدها وهى تقفز من الصفحات إلى الشارع لتجدها أعين مسئولة عن اختيار الممثلين.. كنت أطلب منهم فقط أن يكونوا على طبيعتهم، لأن حقيقتهم كانت كافية، أمَّا أنا فوقعت فى غرامهم، وبعيدًا عن إعجابى بمدى صدقهم على الشاشة، فقد كنتُ سعيدةً لأن الفيلم منحهم منبرًا يُعبِّرون فيه عن أنفسهم، ومساحةً يستطيعون من خلالها أن يكشفوا معاناتهم».

بين الواقع والتمثيل

«كان هناك عددٌ من نقاط التقاطع، ما جعل هذه المغامرة تعبق بسحرٍ جميل؛ أولاً فى اليوم الذى صوَّرنا فيه المشهد الذى تُعتقل فيه (رحيل) فى مقهى الإنترنت، حدث أن اعتقلت حقًّا لعدم امتلاكها أى وثائق، وكان الأمر أقرب إلى المستحيل، عندما تبدأ بالبكاء وهى تُلقَى فى السجن، كانت الدموع التى تسيل من عينيها دموعًا حقيقية، فقد عانت من هذه التجربة فعليًّا وقاست آلامها، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«يوناس»، التى اعُتقل والداها خلال تصوير الفيلم، الفتاة الصغيرة التى لعبت دورها واسمها تريجر، اضطُرت للعيش مع مسئولة اختيار الممثلين لثلاثة أسابيع كاملة، وطبعًا منحت كل هذه اللحظات التى اشتبك بها الواقع بالخيال مصداقيةً كبيرةً لهذا الفيلم».

ما وراء الكاميرا

وبعيدًا عن أحداث الفيلم وقصته، فلم تنسَ نادين خلال تصوير «كفرناحوم» أنها أم.. فتقول: «ابنتاى مايرون ويوناس متقاربتان جدًّا فى العمر، كُنت أنا وشخصية (رحيل) نرضع ابنتينا فى نفس الوقت، وقد أدت هذه التجربة المزدوجة -بين موقع التصوير وبين حياتى الشخصية حينما كان على أن أحاول الموازنة بين الأمرين- إلى تعميق علاقتى بالفيلم.. حتى عندما توجَّب علىَّ أن أُغادر إلى المنزل بين كل لقطةٍ وأخرى لكى أرضع ابنتى.. حتى إن كنت بالكاد أجد أى وقتٍ لأنام، كانت هناك قوةٌ لا أستطيع شرحها انبعثت بداخلى وحملتنى على إتمام التصوير، لقد كان ذلك حقًّا أمرًا مذهلاً».

حب الزوج ودعمه

يبدو أن حب الزوج ودعمه لعبا دورًا كبيرًا فى حالة «كفرناحوم»، فتقول نادين لبكى: «قُمنا بصناعة هذا الفيلم فى المنزل، فزوجى خالد ينتج للمرة الأولى، وقام بعمل جبار ومميز.. ومن أهم المواقف التى تعرضنا لها فى بداية الفيلم أن زوجى رهن منزلنا دون أن يُخبرنى من أجل أن نحصل على أموال تغطى التكلفة الإنتاجية للفيلم».

أول امرأة عربية بالأوسكار

حاز فيلم كفرناحوم على 23 جائزة، وكذلك جائزة لجنة التحكيم فى مهرجان كان السينمائى، كما شارك فى العديد من المهرجانات، ومنها «أوسكار»، فكانت نادين لبكى أول امرأة عربية تترشح عن هذه الفئة، وبهذا الصدد أبدت لبكى سعادتها، قائلة: «أنا فخورة كونى أولاً لبنانية، وأرجو أن أكون قد مثلت بلدى خير تمثيل، وسعادتى بعد أن ترشح من قبلى زميلى زياد، ودورى أن نضع هذا البلد الصغير الذى ليس لديه صناعة سينمائية على الخريطة العالمية..».

تصوير: فارس سخن – جيل خورى