المصور أنس الشامى من سوريا: نتنفس الفحم والكربون لحمايتنا من الكيماوى

 سيارات إسعاف، أنفاس لاهثة.. صرخات هنا وهناك.. دماء على الأسفلت.. انفجارات تخلع صوتها القلوب.. عمارات غطَّى الركام ملامحها.. تلك هى المشاهد اليوميَّة التى يعانيها الشَّعب السُّورى، الذى يسعى جاهدًا لبقائه، فمع كل هجوم جديد عليهم يتصدون له بابتكار سُبل للحياة، ومؤخرًا عمدوا إلى اختراع ما يُعرف بقناع بدائى يساعدهم فى تنفُّس هواء نقى، للحماية من الكيماوى، ولكنها كمامة قد تكون مُسمَّمة أيضًا بعض الشَّىء.

ضع أنفك وفمك داخل كوب بلاستيكى، بل وقم بتغطية كامل رأسك بكيس بلاستيكى، واربطه جيدًا حول عنقك.. هل تعتقدون أنه يمكنكم التنفس حينها؟! هذا المشهد أثار الفضول وراء البحث عن حدوتة ذلك القناع الغريب الشكل، الذى قد يستفزك للوهلة الأولى، حيث تعتقد أنه محاولة انتحار بالاختناق، وليس محاولة للإنقاذ.

لسرد حدوتة ذلك القناع البدائى الصنع، تواصلت «7 أيام» مع المُصوِّر أنس الشامى فى حوار خاص، من قلب أحداث سوريا، والذى يعمل على نقل ما يجرى هناك إلى العالم عبر عدسته كمصور، وهو من «دوما» بالغوطة الشرقية، ولكنه حاليًا تم تهجيره إلى ريف حلب بمدينة الباب، والآن شبه مُتوقف عن العمل بسبب الأوضاع السيئة، إلا أنه أحيانًا يرسل بعض التقارير إلى مجلة ألمانية.

«كيف يمكن التَّنفس هكذا؟».. كان أول سؤال سألناه لأنس، فأجاب ببساطة قائلاً: «تمهلى، فلا تحكمى من الشكل الظاهر للقناع، فهو يتم استخدامه عند الشعور برائحة غريبة أو عند العلم بقصف كيماوى، ويتم وضعه بإحكام على الأنف والفم، حتى يتم التأكد من عدم تسريب الغاز للمسامات، أما الكيس البلاستيكى، فنقوم بإغلاقه جيدًا حول الرأس، لإغلاق كل الفتحات التى من الممكن أن تسرب الهواء الملوث إلى الجهاز التنفسى أو داخل الجسم أو العينين والأذن».

استغربتُ عندما سرد أنس مكونات القناع الغريبة، حيث قال: «هو عبارة عن كوب بلاستيكى أو ورقى أو عبوات صفيح مياه غازية فارغة، وكذلك قطع من القطن والقماش الخام، وخمس ملاعق من الكربون أو الفحم المطحون، وأستيك».

الأحداث التى يعيشها السوريون، تصيبهم بحالة من الهلع والذعر والخوف الشديد، خاصة أن تلك الإصابة تحدث فجأة، ما يؤدى إلى زيادة ضربات القلب وبالتالى التنفس السريع، واستنشاق معدلات هواء كثيفة أى متلازمة فرط التنفس، ولكن مع إطلاق الكيماوى، يصبح الأمر أشد خطورة، فكيف لهم استنشاق تلك الكمية من الهواء المُسمم؟! ولأن الكوارث تحدث فجأة، وتتسبب فى إرباكهم وفقد التصرف اللازم، فقام الأهالى بمحاولة إنقاذ أنفسهم، عبر تلك الأقنعة.

استكمل أنس: «أما عن كيفية صناعته، فنقوم بإحداث عدة ثقوب أسفل الكوب أو عبوات المياه الغازية، ثم نقوم بقص إحدى العبوات إلى النصف، ونمسك بالنصف السفلى للعبوة، ونضع داخله قطعتين من القطن، ونحو خمس ملاعق كبيرة من الكربون النشط أو الفحم الطبيعى المطحون، ثم نضع فوقها قطعتين من القطن مرة أخرى، ويتم إغلاقه تمامًا بقطعة القماش الخام من أسفل وأعلى، ثم نضع نصف هذا الكوب، داخل الكوب الآخر غير المقصوص، والمثقوب أسفله أيضا، ويتم تركيب القناع بواسطة أستيك من أعلى الكوب، حتى يمسك جيدًا بالوجه عبر الأذن، مثل فكرة الكمامة، وإذا لم نجد عبوات، نستخدم قطعة قماش ونضع كل ذلك داخلها».

الفحم قادر على امتصاص السموم، فحينما نتنفس داخل الكوب عبر الثقوب السفلية، يقوم الفحم بتنقية الهواء المُحمَّل بالكيماوى، فنتنفس جيدًا

توقفتُ هنا قليلاً لعلى قد سمعتُ خطأ، حينما قال إنهم يستخدمون الفحم والكربون فى التنفس، فعاودت سؤاله «فحم وكربون؟!» فردَّ قائلاً: «نعم، الفحم قادر على امتصاص السموم، فحينما نتنفس داخل الكوب عبر الثقوب السفلية، يقوم الفحم بتنقية الهواء المُحمَّل بالكيماوى، فنتنفس جيدًا».

«لم يكن هناك أسوأ من الكيماوى للفتك بنا، والفحم والكربون أقل ضررًا لاستنشاقهما، فماذا سيحدث أسوأ من ذلك؟ فلا يوجد أمامنا خيار آخر».. هكذا قال أنس، حيث أكد أن الأهالى لا يقومون بشراء القناع، ولكنهم يقومون بصناعته بأنفسهم، ويتكلف شراء المكونات للقناع الواحد نحو 250 ليرة سورية، أو نصف دولار أمريكى.

يتذكر أنس عندما بدأ النظام السورى استخدام الكيماوى، وكانت الغوطة الشرقية أول مدينة يتم قصفها به، فقال: «كُنا حينها نائمين فى المنزل، واستيقظنا على أصوات مكبرات الصوت، التى تحذر من إطلاق الكيماوى علينا، وكانت لحظات لا يمكن وصفها، فشعرنا بالرعب الشديد، فالكيماوى يعنى عزرائيل الذى يقبض روحك اختناقًا، وهو الموت دون دماء، فجلسنا حينها بجوار والدتى، لا حول لنا ولا قوة، وأتذكر جيدًا نظرات والدتى المؤلمة نحو إخوتى الصغار، ودون تفكير فى نفسها، فقامت مُسرعة بوضع تلك الأقنعة على وجه أختى الصغيرة – 12 عامًا- وأخى – 10 سنوات- اللذين كانت أعينهما مليئة بالذعر».

أثناء تواصلى مع أنس عبر الرسائل الصوتية «فويس نوت» على واتس آب، شعرتُ بنبرة صوته التى تحكى كثيرًا من المعاناة، فالمآسى ترافقهم دقيقة تلو الأخرى، وبصوت حزين قال: «لا نعرف هل تلك الأقنعة تجعلنا على قيد الحياة، أم تجعلنا فى عداد الموتى، ولكننا نتمسك بالأمل، فكل ما أمامنا فعله هو عمل الاحتياط، وحتى لا نشعر بالتقصير فى مساعدة أنفسنا، ولكن الحقيقة المؤكدة أن عدم استخدامها سيؤدى للاختناق والموت».

استخدم أنس – 23 عامًا- ذلك القناع مرتين، عندما كان فى الغوطة، فقال: «كانت عائلتى دائمًا ما تصنعها، لتكون جاهزة احتياطيًّا للاستخدام، وهى تُستخدم الآن بكثرة فى إدلب، فهناك مليون طفل بإدلب مُهددون، وهى صالحة لجميع الأعمار، ولكن لا أعلم هل هى صالحة لحديثى الولادة أم لا».

عند لحظات إطلاق الكيماوى يلتف الأهالى بجوار بعضهم بعضًا، مُحاولين وَضْع الأقنعة التى بحوزتهم، وبمجرد تلفها يصنعون غيرها على الفور، لأن صلاحيتها تنتهى بعد استخدامها مرة واحدة فقط، فالفحم يفقد مفعوله سريعًا بعد امتصاص السموم.