المهمشون

كتب عميد الأدب العربى كتابه الشَّهير «المُعذَّبون فى الأرض»، وجاء الوقت الآن لكى نكتب مقالاً بعنوان «المهمشون فى الأرض»، وتعبير التَّهميش تعبير خطير؛ لأنه لا يُمكن الإمساك بدلالة قانونية له، بل هو تعبير أقرب إلى الحياة السياسية، والمفهوم العام لحقوق الإنسان، أكثر منه تعبيرًا قانونيًّا، فقد تكتمل للفرد كافة المقومات لتحديد مركزه القانونى، ولكنه يكتشف كل يوم أنه مُهمَّش، أى إنه لا يُعَدُّ جزءًا لا يتجزَّأ من جوهر الحياة، بل هو يقف كالمُراقب الذى يشهد المباراة ولا يُشارك فيها، إننى أحسبه فى هذه الحالة مُواطنًا من الدرجة الثانية، وقد لا يرتبط الأمر بعقيدة الشخص أو لُغته أو جنسه، ولكنه يجد نفسه فى مؤخرة الطابور، ولا يستطيع الفكاك مما وَجَدَ نفسه فيه، والأمر هنا يطرح عددًا من المُلاحظات:

أوَّلاً: إن مبدأ المواطنة يبقى هو الحل الأمثل للحيلولة دون سقوط نسبة من المواطنين فى دائرة التَّهميش؛ إذ إن المفهوم الدقيق لكلمة المواطنة هو أنها تعنى المُساواة بين مختلفين، فقد يكون ذلك مسلمًا والآخر مسيحيًّا، وهذا غنيًّا وذاك فقيرًا، وتلك امرأةً وهو رجلاً، ولكننا نجدهم فى النهاية يتساوون فى المراكز القانونية رغم الاختلافات القائمة بينهم فى كافة الجوانب، إن المواطنة حل سحرى عادل يضع الجميع على قدم المُساواة، ولا يسمح بالتفرقة لسبب يقوم على المُفاضلة أو التَّمييز.

ثانيًا: إن استقرار الحريات العامة وشيوع الروح الوسطية والفكر المُعتدل هى روافد تصبُّ فى خانة الاستقرار الذى تنشده المجتمعات، وتسعى إليه الدول، وجدير بالذكر أن المناخ الخانق الذى يفتقر إلى الحريات العامة هو مناخ يُؤدِّى فى النهاية إلى مجموعة من المخاوف قد تُشعر البعض بالتسكين على درجة أقل من المواطن العادى، وهو أمر مُؤسف حقًّا، ومازلتُ أتذكَّر العبارة الرَّصينة للبابا الرَّاحل «شنودة الثالث» الذى قال فيها: «إن الأقباط لا يشعرون بالاضطهاد أو تمييز سواهم عليهم، ولكنهم يشعرون بالتَّهميش»، وهو وصف يبدو دقيقًا من البابا الراحل، ولكنه يُعبِّر عن مرحلة تجاوزتها مصر، فمكانة المرء تُحدِّدها جهوده، وخبراته، وتجاربه، والوعى العام الذى ينطلق منه.

ثالثًا: إن الفقر بالتأكيد يُعتبر عاملاً أساسيًّا فى تحديد نوعية المُهمَّشين وطبيعة النظرة إليهم، وأنا أتذكَّر من سنوات عملى فى «الهند» كيف كان هناك نظام طبقى يضع فى السَّفح ملايين المنبوذين ممَّن يعيشون فى قاع المُجتمع، ولا يقبل أحدٌ أن يمسسهم، فهم كديدان الأرض نعلم عنها، ولكن لا نتعامل معها! ولقد تغيَّرت الدنيا، وتطوَّرت الحياة، وانتهى عصرالمهراجات، وسقط عصر المنبوذين؛ لأن عصور العبودية قد انتهت، وزمان الرِّق قد ولَّى، وأصبح من المُمكن لمن يأتى من أسرة مُهمَّشة طبقيًّا واجتماعيًّا ومادِّيًّا أن يصعد السُّلَّم من أدنى درجاته إلى أعلاها دون تردُّد أو خوف أو تعويق، وهنا نقول مرَّةً أخرى إن الوعى العام قد تطوَّر وأقصد به الوعى الإنسانى بالمعنى العالمى، وليس بالمقاييس المحلية؛ إذ إنه لا خلاف على أن هناك معاييرَ تُمثِّل «مسطرة» للحد الأدنى من حقوق الإنسان، وربما كان العامل الاقتصادى واحدًا منها، لذلك فإن ترك الفقراء بأوضاعهم المُزرية هو عملٌ يتنافى مع حقوق الإنسان التى تُطالب بضمان حدٍّ أدنى من مستويات المعيشة المقبولة، وهذه نقطة لا يدركها الكثيرون، ويتصوَّرون أن الغنى والفقر مباراة مفتوحة، بينما تبدأ وظيفة الدولة من حماية الأضعف مهما كان نظامها السياسى وعقيدتها الفكرية.

رابعًا: تتأثَّر الجماهير دائمًا بالحاكم الذى ينظر إلى المهمشين، ويسعى لرفع المُعاناة عنهم، وتخفيف وطأة الضغوط التى يتعرَّضون لها، لذلك مازالت الجماهير المصرية ترفع صور «عبدالناصر» فى المناسبات المختلفة؛ لأنها لا تقوم بعملية تمييز سياسى له، ولكنها تمضى فى احتفاء عاطفى برجل خرج من صفوفها، ودافع عن يقين بحقوقها، كما أن «غاندى» فى «الهند» وإلى حدٍّ كبير «مانديلا» فى أفريقيا، كان كلاهما مُحاميًا عن المُهمَّشين، ومُدافعًا عن حقوق الضعفاء، وصاحب دعوة لحماية الطبقات الأشد فقرًا والأكثر عددًا.

إن قضية المهمشين هى قضية العدالة الاجتماعية، والمُساواة الإنسانية، والحرص على استقرار الشعوب ورفاهية الأمم؛ فلن تكون سعيدًا مهما أعطتك الدنيا إذا كان من هم حولك يشعرون بحقٍّ أنهم مُهمَّشون يعيشون خارج دائرة التاريخ، أو واقع الجغرافيا، فلا الزمان زمانهم، ولا المكان لهم.. إنَّهم مُهمَّشون!