المهندس الاستشارى العالمى فى حوار خاص لـ «7أيام» هانى عازر: الشعب المصرى معروف بحضارته العريقة وطيبته وإنسانيته  

رغم تحقيقك الكثير من النجاحات فى مجال عملك إلا أنك دائمًا ما تتحدث عن أول نفق صمّمته وعن محطة برلين للقطارات التى كرمتك أنجيلا ميركل بسببها.. لماذا؟

لأن كليهما كان به تحدٍ لذاتى وقدراتى كعربى أسمر البشرة يقيم فى ألمانيا ونجح فى فعل ما فشل فيه الألمان بل وحاز ثقتهم لدرجة أنهم رسموا لى كاريكاتيرًا فى الصحف الألمانية على شكل أبوالهول، وكتبوا فى الصحف عندما تواجهك مشكلة استعن بعازر. ففى عام 1979 وبعدما أنهيت دراستى الجامعية بتفوّق تعاقدت معى شركة (بولنسكى) وكان مطلوبًا حفر نفق يمر فيه مترو بمنطقة (دورتموند)، كانت مهمة صعبة للغاية لأن التربة هناك تربة مناجم فحم، ولذا فهى غير مستقرة ويكثر بها الانهيارات. ففكرت فى حل المشكلة وتوصلت لفكرة عمل نفق من حديد بنفس فكرة عمل آلة الأكورديون الموسيقية، يكون فيه نوع من المرونة التى تراعى اهتزاز الأرض خلال مرور القطارات بها وكانت أول مرة تستخدم فيها تلك التقنية فى ألمانيا فلفتت لى الأنظار فكان انطلاقى فى عالم التعمير. أما مشروع قطارات برلين فقد أسندوه لى بعد تعثّره لأكثر من سبع سنوات وكان ذلك عام 2001 وكان علىّ الانتهاء منه فى العام 2006 قبل بدء مباريات كأس العالم فى ذلك العام وكانت ألمانيا هى الدولة المضيفة. كان يشرف على مشروع تطوير المحطة قبلى أكثر من مهندس ألمانى ولكنهم فشلوا فى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سواء من حيث التصميم أم التنفيذ أم تكاليف المشروع التى تزايدت بمرور الوقت. كان المشروغ ضخمًا فى كل شىء من حيث عدد العاملين به الذى بلغ 750 مهندسًا و1500 عامل، ومن حيث عدد الشركات المتعاملة فيه وكانت 35 شركة تورد المواد للمحطة. وفى حجم التحديات الخاصة بالبناء ومدى التزامى بقوانين عدم تعطيل العمل فى قطارات ألمانيا التى لم تتوقف لحظة. على سبيل المثال كان علىّ تنفيذ مبنى عبارة عن 5 طوابق على جانبى الكوبرى الذى يمر عليه خط قطارات يربط بين شرق وغرب ألمانيا وبالتالى أوروبا، ويصل بين طرفى المبنى وهو جزء طوله 70 مترًا به مكاتب إدارية، كان بناؤه بالشكل التقليدى يعنى تعطّل حركة مرور القطارات. فقررت بناءه معدنيًا وبشكل رأسى من جزأين ثم إنزاله بشكل أفقى بمفصلات بحيث تكون سرعة الإنزال 3 سم فى الدقيقة واستغرق ذلك 48 ساعة مرت علىَّ بصعوبة لكونها مخاطرة. فأى خطأ معناه هدم جزء كامل من المحطة قد يكون به ضحايا من البشر وهو ما يعنى انتهاء حياتى. ولكن مرت العملية بسلام وتم تصويرها من قبل قناة ناشيونال جيوجرافيك. كذلك واجهت تحدى المياه الجوفية التى كادت تغرق برلين أثناء حفر أنفاق القطارات وكانت سببًا فى فشل المهندسين الألمان فى تنفيذ المشروع لأنهم لم يجدوا لها حلاً. لكن خطرت لى فكرة تجميد التربة وبالتالى تجميد المياه الجوفية فيها بدرجة حرارة 36 تحت الصفر، مع الحفاظ على عدم تجميد المياه القريبة من سطح التربة وإلا ماتت النباتات فى ألمانيا. وهكذا نجحت فى تنفيذ المشروع وتسليمه فى الموعد المحدد؛ وهو ما جعل الألمان ينظرون لى بتقدير شديد وصنفنى وقتها أحد استطلاعات الرأى فى المركز الخامس عشر ضمن أهم 50 شخصية ألمانية وهذا أمر غير معتاد للأجانب فى ألمانيا.

المصرى ذو طبيعة خاصة عنيدة، تبعث فيه الأزمات روح التحدى والقوة ولا يستجيب لضغوط الهزيمة والحزن والانكسار 

من أين اكتسبت فلسفتك؟ هل معيشتك فى ألمانيا السبب أم طبيعتك المصرية؟

فى الغربة تكتسبين الخبرات الجديدة ومعارف ورؤى ولكن طبيعتك تظل كما هى فى أى مكان. ودائمًا ما أقول لهم فى ألمانيا أنا مصرى ابن مصرى وحفيد مصريين عقلاً وروحًا، منحتنى ألمانيا علمها والفرصة للعيش والنجاح فيها، ولكننى ولدت وتربيت وعشت فى مصر وأكلت وشربت وتعلمت فى مدارسها وجامعاتها وأغلى ذكرياتى لاتزال هناك بأماكنها وأشخاصها. أذكر الجيران والزملاء وأتساءل أين هم الآن، وأرانى أنزل (السَّبَتْ الخوص) من شرفة منزلنا كى تضع لى بائعة الخبز الجالسة أمام العمارة الخبز الأسمر الذى أحتفظ بمذاقه فى فمى، وجلستنا مع أبى نأكل الجبن والبطيخ فى أيام الصيف الحارة، ووقت قيلولته التى كانت أمرًا مقدسًا يفيق منها على فنجان قهوة مع أمى. وأذكر أبى وكلماته وأطبق حكمته لليوم حينما كان يجدنى عاجزًا عن حل مسألة ما فيقول لى اخرج واشرب كوبًا من الشاى وسوف تعود ومعك الحل لكل مشاكلك. ولذا اعتدت على تفكيك المشكلة الواحدة لعشر؛ فتهون ويبدأ فك العقدة من الحبل.

أنت تؤمن بأن خبرات العقول المصرية المهاجرة لا يمكن أن تغنى مصر عن خبراتها المحلية.. كيف هذا؟

بالطبع لا؛ المهندس المقيم هنا فى مصر وعمل فى ظل المتاح من الإمكانيات فـ(غزل برجل حمار) كما يقولون فى مصر هو أفضل منى لأننى أفعل ما يفعله فى ظل سيستم وتوافر آلات ومعدات توفر علىَّ الكثير من التفاصيل المؤلمة فى تنفيذ العمل. ولذا نحن نمتلك الأحدث فى المجالات التى أبدعنا فيها ونمتلك خبرة التجارب ومحاولات النجاح ولكن زملاءنا فى مصر يمتلكون الرؤية الواضحة العميقة للمشكلات وكلانا بحاجة للآخر بلا شك فى حال عودة العقول المصرية المهاجرة وليس لأحد الفضل على آخر بأى حال من الأحوال. ولذا أرفض إقصاء المصريين هنا لصالح العائدين من الخارج أو استخدام لهجة التعالى عليهم بدعوى أننا قادمون من العالم الأكثر تقدمًا أو أننا مشاهير لدينا عقل مختلف.. هم أيضًا لديهم رؤى مختلفة وعميقة ويكفى أنهم عاشوا الواقع بكل ما فيه وأنجزوا ولم يعلنوا هزيمتهم.

هل تثق فى المستقبل وبأنه سيحمل لمصر والمصريين التغيير؟

لولا الأمل فى الغد لما حققنا أى شىء.. مصر تستطيع إنجاز المعجزات هكذا يقول التاريخ المصرى على مدار العصور؛ فالمصرى ذو طبيعة خاصة عنيدة تبعث فيه الأزمات روح التحدى والقوة فلا يستجيب لضغوط الهزيمة.. طبيعتنا ترفض الفشل والحزن والانكسار. تبحث عن التفاؤل أينما كان. من كان يصدق أننا نعبر هزيمة النكسة فى يونيو 67؟ من كان يظن أننا يمكن الخروج من حكم جماعة أرادت سرقة مصر وشعبها؟ هذا هو المصرى ولذا فأنا أعرف أن الغد مختلف وسيحمل الكثير من الآمال لمصر والمصريين. إنها مرحلة نكون أو لا نكون.. أتعلمين لماذا لا يوجد بالقطار مرايا جانبية؟ لأنه وسيلة المواصلات التى تتقدم للأمام ولا تتراجع للخلف. دعونا نكن مثل القطار نتقدم للأمام بقوة ويقين وتحديد مسار وإرادة على تحقيق المستحيل من دون أية نظرة للخلف إلا لنتعلم من أخطائنا.

نشوى الحوفى

تصوير: سيف بسيونى