حكاية تانيا جويا سيدة «داعش» الأولى سابقًا

فى حياة كل منا مواقفٌ وأحداثٌ ومُنعطفات، عندما نقف عندها قد نتغير كثيرًا فنُصبح بعد ذلك أشخاصًا جديدين، وهو ما يُسمى بمرحلة «المحك».. تلك النقطة التى يتحول عندها الكثيرون منَّا إمَّا بشكل سلبى أو إيجابى.. وهو ما نراه فى حكاية تانيا جويا «34 عامًا»، التى لقَّبتها الصُّحف الأمريكية والإسرائيلية بأنَّها السَّيدة الأولى السابقة لتنظيم داعش، والتى أصبحت شخصية أخرى جديدة على النقيض تمامًا، فحياتها الأسرية قبل زواجها كانت أحد العوامل الرئيسية التى ألقت بها فى أحضان داعش، والوعود الواهية والحب الزائف كانا ما دعاها إلى الفرار مع أبنائها من جحيم «داعش».

الظروف السيئة كانت بداية الطريق

فى أول لقاء لـ«تانيا جويا» مع الصحفى الإسرائيلى دافيد هوروفيتس بصحيفة تايمز أوف إسرائيل، قالت له عبر الهاتف، إن الظروف السيئة التى كانت تحيط بها هى التى دفعتها فى البداية لهذا الطريق، حيث كانت نشأتها كمراهقة بريطانية مسلمة لأبوين من بنجلاديش، فى منزل بسيط وسط علاقة متأزمة مع والديها اللذين كانا يعانيان من أمراض جسدية بالغة، كان ما دفعها للتقرب من الله أكثر، لأنها كانت تشعر دائمًا أن الله يعاقبها بهذا المصير السيئ، وأشارت جويا أيضًا إلى أن والديها كانا مثقفين دينيًّا، ولم يكونا متشددين، لكنهما كانا غير متفتحين اجتماعيًّا؛ فلم يسمحا لها بالاندماج فى المجتمعات المختلفة ببريطانيا، ومنعاها عن إقامة أى علاقات مع أصدقاء يعتنقون ديانات أخرى غير الدين الإسلامى، أو حتى علاقات عاطفية، بالإضافة إلى عدم السَّماح لها بارتداء ملابس تتماشى مع طبيعة المجتمع الإنجليزى. كانت تانيا جويا تسعى دائمًا للخروج من هذه الأسرة بأى شكل من الأشكال، وبأية وسيلة، فكان والدها سليط اللسان وفظًّا معها دائمًا بشكل عنيف، وكذلك والدتها التى كانت تشعرها دائمًا بأنها غير مرغوب بها، لذلك كانت تبحث «جويا» دائمًا عن بديل لاحتوائها خارج هذه الأسرة.

بداية علاقتها بـ«يحيى البهرومى»

وجدت تانيا جويا ضالتها فى جون جورجيلاس «يحيى البهرومى» عندما تعرفت عليه عبر موقع للزواج الإسلامى، على الإنترنت، عام 2003، فكانت جويا فى هذه الفترة تحتاج إلى دعم بسبب معاناتها من الاكتئاب، ومحاولتها للانتحار أكثر من مرة.

وكان جورجيلاس أو يحيى البهرومى أمريكى الجنسية، يدرس اللغة العربية فى دمشق بعد اعتناقه الإسلام عقب أحداث 11 سبتمبر، بعد أن كان مسيحيًّا أرثوذكسيًّا، وبعد التواصل بينهما جاء يحيى إلى إنجلترا لزيارة تانيا.

وتصف تانيا جويا الوضع الذى كان عليه يحيى البهرومى بأنه كان يُرثى له، فقد كانت ملابسه ممزقة، ولحيته قصيرةً إلى حد ما، فلم يكن جذَّابا، بل كان يُشبه فى هيأته رجلاً من العصور الوسطى، وتقول جويا إنها لم تشعر بحب تجاهه لكن شعرت بالتزام نحو حبِّه لأنه جاء لها خصيصًا من سوريا، فكان يجب عليها القبول.

زواج سرى

بعد التعارف بين جويا ويحيى وموافقة والديها، تزوجا فى حفل أقيم بشكل سرى فى مارس 2003، وكانت تانيا جويا تبلغ حينها 19 عامًا، ويحيى البهرومى 18 عامًا، وما لبثت أن انجذبت جويا لأفكار ومعتقدات يحيى عن الفكر الجهادى، بالإضافة إلى فكرة الاستقرار فى الشرق الأوسط، وتكوين أسرة هناك، للفرار من وضعها الأسرى السيئ للغاية من وجهة نظرها، ولم يأت الاستقرار بمنطقة معينة فى بداية زواجهما، بل تنقلا بين عدة مناطق، فكانت البداية فى تكساس حيث تعيش أسرته، ثم لندن حيث تعيش أسرتها ثم إلى كاليفورنيا ودالاس.

كيف اعتنقت جويا الأفكار المتطرفة؟

كانت مهمة يحيى البهرومى فى تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» هى تقديم الدعم الفنى لموقع دعاية جهادى، ولم يعد انجذاب جويا لفكر يحيى مجرد إعجاب أو وسيلة للفرار من الحياة غير المرغوب فيها، التى كانت تعيشها مع أسرتها، بل أصبح حبًّا وعشقًا بكل تفاصيله، فلقد اعتبرت أن خدمة يحيى هى رضاء لله للفوز بالجنة، وأصبحت تعتنق أفكاره المتطرفة مثل القتل والعبودية وتعدد الزوجات.

ظلت جويا تعتنق الأفكار الجهادية المتطرفة لعدة سنوات حتى بدأت تلوح نهاية هذا الزواج، عندما تم القبض على زوجها يحيى البهرومى عام 2006، ومن بعده الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، لتمكنه من الوصول إلى كلمات المرور لاختراق موقع اللوبى «إيباك» المؤيد لإسرائيل.

بداية النهاية

بعد أن تم الإفراج عن يحيى زادت الخلافات بينهما، حيث إن فترة العقوبة التى قام بتأديتها زادته تطرفًا وشراسةً، كما قالت جويا، وأضافت أيضًا أنها أثناء فترة سجنه بدأت أفكارها تتحرر نحو الاتجاه المعاكس لأفكار يحيى الجهادية المتطرفة، لكن بعد خروجه من السجن ظلت معه، حيث نقل البهرومى أسرته إلى مصر أثناء ثورات الربيع العربى، وفى ذلك الوقت تقول تانيا جويا لقد أصبح يحيى البهرومى شخصية بارزة فى دوائر داعش، حيث إنه كان يقدم ندوات عبر شبكة الإنترنت باللغتين الإنجليزية والعربية لجذب المجندين من دول أوروبا وغيرها.

وتوضح جويا -حسب ما ذكر فى صحيفة تايمز أوف إسرائيل- أنها ظلت تؤيد أفكاره عبر مواقع التواصل الاجتماعى، رغم أنه كان هناك شىء بداخلها يُشعرها أنها غير مقتنعة بذلك.

ذروة انهيار الزواج

بدأت ذروة الخلاف بين يحيى البهرومى وتانيا جويا عندما قرر الانتقال بأسرته إلى سوريا للجهاد هناك، وبالفعل أخذها وأطفالها الثلاثة عام 2013، وهنا أوضحت جويا أنها لم تكن ترغب فى السفر إلى سوريا، وأن زوجها قام بخداعها، لأنه وعدها بأن الأمر لن يستغرق أكثر من أسبوعين فى سوريا، وسوف يسافران من هناك إلى تركيا، حتى يتسنى له أن يأتى ويذهب إليهم عبر الحدود لمواصلة الجهاد فى سوريا، ولأنها كانت فى ذلك الوقت حاملاً ومعها أبناؤها الذين كانت أعمارهم تتراوح بين 5 و8 سنوات و18 شهرًا، لم تكن تستطيع أن تتحمل طبيعة الصراعات الدائرة فى سوريا بذلك الوقت، فتوسلت تانيا لزوجها بعد ثلاثة أسابيع فى شمال غرب سوريا أن تغادر، دون جدوى، وعندما أخبرته أنها لا تطيق الحياة بهذا الشكل، قام بأخذها وأولادها إلى الحدود فى فجر أحد الأيام للهرب من ثقب فى أحد الأسوار.

ومن بعدها، ظلت جويا على اتصال بـ«يحيى البهرومى» لسنوات عبر «تيليجرام» و«سكايب» عقب هروبها من سوريا، حتى تم الطلاق منه بدعوى الهجر فى فبراير 2015، واستقر بها الأمر فى ولاية تكساس.

«جويا» الجديدة

تزوجت تانيا جويا مرَّة أخرى من كريج بورما فى يونيو 2018، الذى تعرفت عليه أيضًا عن طريق الإنترنت، أما بالنسبة لأطفالها فكانوا فى رعاية والدى طليقها، اللذين كانا يرفضان فكرة اعتناقه الإسلام منذ البداية.

والآن، أصبحت جويا عضوًا بمبادرة أمريكية لمكافحة التطرف والإرهاب، وتدعو للسلام، بالإضافة إلى أنها تقوم بإلقاء محاضرات حول نزع التطرف والإرهاب فى دول مختلفة، وتخطط تانيا إلى كتابة مُذكراتها، لتروى ما حدث لها بالتفصيل، لأنها تقول إن المواقف والأحداث التى عاشتها تستحق التوثيق، ولتوضح أيضًا كيف يتعامل الأشخاص مع الظروف المحيطة بهم بشكل صحيح، حتى لا يتجهون إلى التطرف، كما أنها تسعى للحصول على الجنسية الأمريكية، التى سحرتها، وفى هذا الصدد هاجمها الصحفى جرايم وود بأنها تخلَّت عن الجهاد لتربح أمريكا، مثلما باع زوجها يحيى انتماءه لأمريكا من أجل الجهاد.. وأنه لا فرق بينهما.

وفى نفس السياق، قال جرايم وود إنه رغم أن جويا لم تعرب عن ندمها لترك زوجها السابق فإنها صرَّحت بأنها تشعر بالحزن على أنصار داعش نتيجة ما يتعرضون له من قصف، لمجرد أنهم يحلمون بالعيش تحت ظل الخلافة الإسلامية، وصرحت أيضًا بأنها لا تكره «البهرومى»، بل تشعر بالحب ناحيته لأنه أعطاها أربعة أطفال لطفاء، وهو ما أثار غضب بيرس مورجان عندما كان يحاورها على شاشة التلفزيون البريطانى، قائلاً لها: «إرهابيو داعش لا يمتلكون أى جانب جيد».

ولتكسب جويا ود أمريكا أطلعت السلطات الأمريكية على كل ما تعرفه عن التنظيم، لشعورها بأنها مدينة للسلطات بمنحها فرصة جديدة للحياة.تانيا جويا

 موقف جويا من إسرائيل

وعن موقفها من الكيان الإسرائيلى، قالت تانيا جويا إن الصراع بين اليهود والفلسطينيين أزلى، وأوضحت أنها كانت تهتم بالأمر عندما كانت مسلمة، وأنها الآن علمانية ملحدة، وتنظر للأمر بأنه مجرد حرب، وأضافت ساخرةً: «ستحل الأزمة إذا تحوَّل كل الفلسطينيين إلى اليهودية.. فى هذا الوقت سيحدث السلام، وهو بالطبع بعيد المنال».

وأوضحت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن جويا تعشق اليهودية الإصلاحية، وتُحب العادات والتقاليد والطقوس اليهودية، وأنها تنوى زيارة القدس وتل أبيب قريبًا.