حكاية للكبار فقط

حكايتى اليوم للكبار فقط وتبدأ عندما نصحتنى الدكتورة حنان بنت خالتى العزيزة منذ بداية إصابتى المفاجئة بالمرض فى عام 2016، بأن أحاول قدر المستطاع اعتبار السرطان كصديق على أساس أنه سيلازمنى مهددا حياتى حتى يمر على تمام الشفاء على الأقل 10 سنوات.

وقد خضعت لذلك المنطق باستسلام خلال العامين الماضيين محتملة رفقته الكليبة، وحرصت على أن أطيعه وأراضيه وأستجيب لطلباته بأمل أن يتخلى عن رزالته ويرحل عنى فقد اختنقت من عشرته.

ولكن لأنه «خبيث» فقد تمسكن وتظاهر، لمدة شهور قليلة، بالهزيمة فى الصراع بيننا، وبدت عليه مظاهر الرحيل والانسحاب من أرض المعركة، وأنا بسذاجتى المعهودة، التى ترغب فى تصديق الأحلام المُشرقة بدأت فى الاطمئنان للأيام القادمة، وتصديق أننى قد أصبحت من فئة الـ20 بالمائة الناجية من المرض، وبالتالى بدأت فى رسم خطط لإسعاد الأحفاد هذا الشتاء والصيف القادم بينما يشغل بالى بشكل مستمر متى يا ترى ستنادينى حفيدتى الصغيرة وتقول «تيتا» وتيجى تجرى على حضنى وهى بتضحك وأحكى لها قصص البطة «بطوطة» وصديقتها الدولفين «دودو» قبل النوم، وهى متربعة فى حضنى وخدها الناعم على وجهى وأناملها الصغيرة المضحكة تتشبث أثناء النوم بإصبعى، وأنا أشعر بمنتهى الرضا والسعادة فى هذا الوضع الملىء بالمشاعر الدَّافئة.

والحقيقة، الخطط كانت كثيرة لأننى سريعة التحمس، عاشقة للحياة، وسيناريوهاتى دائمًا متفائلة بالألوان الطبيعية، وبالتالى صدقت كل هذه الأحلام لأننى لا أستطيع الحياة من غيرها، ومرَّت شهورٌ قليلةٌ وأنا شاردة فى طمأنينتى، التى تؤكد لى أنه بعد كل ما عانيت من عذاب لمدة عامين من جراحة كبرى وعلاج كيماوى قد حان الوقت لفترة «سماح العامين»، التى ذكرها الأطباء، وأكدوا ضرورة مرورها قبل احتمالات عودة الإصابة لى مرة أخرى..

وأؤكد لكم أننى قد بذلت أقصى جهدى خلال الشهور القليلة الماضية من فترة السماح «المزعومة» لاستغلال كل لحظة لاحتضان وتقبيل أحفادى والاستمتاع بوجودى مع ابنتىَّ الغاليتين فى معظم ىالأوقات التى تسمح بها انشغالاتهما اليومية، فذهبت إلى تدريبات الرياضة الخاصة بالأحفاد وقعدت جنب البيسين لأشاهد حفيدى الصغير يعوم مثل سمكة «الباساريا» مُستعرضًا مهارته أمامى قائلاً: «شفتينى يا تيتا؟».. وأنا أرد بمنتهى الفخر وضحكة كبيرة على وجهى: «شايفاك طبعًا يارووح قلب تيتا».

وفى أثناء كل ذلك ذكرنى زوجى العزيز أنه قد حان الوقت لإجراء التحليل الدورى الثانى لدلالات الأورام بعد انتهاء جلسات العلاج، وقلت له: طبعًا نعملها على طول، وأنا فى غاية الاطمئنان لثقتى فى أننى خفِّيت خلاص بعد كل ما مر بى، ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، فقد ظهرت نتائج التحاليل مخيبةً للآمال، ومشيرةً إلى احتمال عودة المرض اللعين مرة أخرى، وأصبت بصدمة قاتلة لم أكن متأهبةً لها، وظللت غير مصدقة لما يحدث لى قائلة لمن حولى: «لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا فأنا غير قادرة على المرور بتلك الأيام السوداء مرة ثانية».. وبدأت أنظر إلى تطورات حالتى الصحية وكأنها فيلم خيال علمى لا أفهم منه شيئًا!

ودخلنا فى مرحلة ذهول، مستسلمين لدوامة المشاورات والاستشارات والتحاليل والأشعات، لترتفع آمالنا إلى السماء فى بعض الأحيان حيث يُقال لنا هذه مجرد التهابات ترفع نسب الدلالات إلى الأعلى، وستمضى لحالها بعد قليل، لنقوم بعدها بتحليل آخر تسقطنا نتائجه فى جب عميق من الهواجس المفزعة، ولكن فى النهاية قدَّر الله وما شاء فعل، لتنتهى هذه الفترة المليئة بالمشاعر المتضاربة بمواجهة قرار الأطباء النهائى بضرورة دخول غرفة الجراحة المخيفة خلال أيام لوجود أورام جديدة (بعد عامين بالضبط من جراحتى الأولى فى 2016.

وأنا أكتب لكم الآن وأنا فى طريقى للمستشفى لأجرى جراحة خطيرة بعد عدة ساعات قليلة، راضية بقضاء الله وقدره، آملةً أن يستجيب الله سبحانه وتعالى لدعواتكم المخلصة هذه المرة أيضًا، فأنا لم أرفع رايتى البيضاء بعد.