حيواناتى ودموعى وابتسامتى

اللى يمشى وراء كلام العيال يتعب. وأنا مشيت ورا كلام بنتى ذات السنوات الستة وطاوعتها إننا نذهب إلى حديقة الحيوان. ولأننى بركان من الأمومة والحنان أخذنا معنا ثلاث صديقات لابنتى، ودخلنا الحديقة وكلنا أمل فى إسعاد الصغار والحنين لزيارة مكان لم أدخله منذ أوائل الثمانينيات. الحديقة التى كانت من أجمل حدائق الحيوان فى العالم والتى تكسوها مساحات من الأشجار العريقة والنباتات النادرة، والتى كانت تظهر فى أفلام زمان.. وكمال الشناوى بيخون شادية فى جزيرة الشاى.. ولا عبدالحليم بيحب فى فاتن فى مغارة الشمعدان البديعة.. أو حتى فريد شوقى بيسكع المليجى كف على الكوبرى المعلق. كل ده طبعًا ننساه تمامًا؛ فقد أصبحت الحديقة زريبة عملاقة.

بدأنا مع عم عبدالفتاح وهو يعمل مصورًا، ولكنه أيضًا مرشد يعلم كل دهاليز الجنينة، ووجدت أننا نسير خلفه وقد وضع لنا بروجرامًا محكمًا لتغطية شاملة للزووو.

وقف البنات أمام الحمار الوحشى واسمه وائل وقد بدا أنه عصبى بعض الشىء، وسألت عبدالفتاح عن السبب فسأل عامل الحديقة المسئول عن وائل فرد «هو لما جالنا كان براوى ومنطوى، كان معاه اتنين زمايله واحد مات اللى هو الدكر، والنتاية فضلت متحسرة لحد ما حصلته، ومن ساعتها مش عارفين نسكِّن حد مع وائل بقى بيخانق دبان وشّه، وحطينا حبال كوردون علشان العيال ماتقربش ليقطم صوابعهم» الحديث عن الحماية وقوانين الاقتراب أو عدمه من الأقفاص ليس لها أى لازمة لأنها معدومة والدليل الحبال التى تحوط قفص وائل ومعهم راعيه الذى يصرخ من آن لآخر «يا واد ابعد عن الحمار.. امشى يا بت لياكل إيديكى».

منتهى الحضارة بين العاملين والشعب، وهكذا تطبق القواعد فى الجنينة، وطبعًا بتلامتى المعهودة سألته «طب ليه الدكاترة البيطريين مشافوش وائل يمكن عنده مرض؟» رد وهو يهز ساقه التى وضعها فوق الأخرى وهو مجعوص على صفيحة مصدية» يا مدام إزاى يدخلوا ويمسكوه؟ إدينى عقلك؟!! ده حمار مش زى اللى برّه فى الشارع ده وحشى يا مدام وحشى!».

بيت السباع هو أكثر الأماكن ازدحامًا وعند وصولنا كانت الأسود والنمر اليتيم يزومون ويتحركون فى أقفاصهم بطريقة عنيفة ويرتطمون برءوسهم فى القضبان بهيستيريا لدرجة إن الأطفال أصابهم الخوف، وكان المكان به رائحة لا تحتمل وجاءنى عبدالفتاح بالتفسير النموذجى الآتى «دى يا افندم بيسموها هنا ساعة اللحمة والدبيحة سواء حمير أم لحمة عادى لازم تبقى صابحة علشان ياكلوها، وكل أسد زى متولى أقدم أسد عندنا وكل لامؤاخذة واحدة من زوجاته بيطلعلها سبعة كيلو فى اليوم فلما يشموا اللحمة يقوموا -يا حفيظ- يبقوا هيفرتكوا المكان» نظرت فى إمعان للأسود ووجدت أنها تعانى من نحافة مرضية قاسية وهى فى هذه الحالة ليس من جوع الأمس ولكن جوع السنين الذى أوصلها حظها المهبب أن يكون هذا مأواها.

ده مش بيت سباع ده مركز تخسيس الأسود يعنى لو فى لندن زووو مثلاً لقوا الأسد بيتر ربرب وكرشه دلدل أو كوليستروله عالى يبعتوه عندنا يعمل حمية وديتوكس يرجع أسد رشيق.

سرحت فى الراعى للأسود وهو يرمى قطعة اللحمة بعظمها على حافة كل قفص يداه ملطخة وملابسه مهلهلة، وفجأة أحسست بضجيج شديد وهو ليس من الأسود ولكن من الجموع الشبابية التى تقف فى فرق أمام كل قفص تقذف الأسود باللب وقشره والترمس وكانز المشروبات الغازية بالإضافة لشتائم وسباب متواصل ويبدو أن هذه عادة فلا أجد أى انزعاج إلا منى وأضع يدى على آذان الأطفال. وأخرج لتدون عينى وأذنى باقى مأساة الزووو.

الشمبانزى جلجلة يرشها مدربها بالماء ويلوح له بالطعام فترقص على غنائه «ده عينه منى». الفيلة كريمة احترت فى أمرها وأخذت تفكيرًا عميقًا منى لتحديد إذا كانت لسه فيلة نونو ولا فيلة عجوزة فحجمها ووداعتها مناسبان للمرحلتين.

سيد قشطة اسمها نورا مكرمشة الجلد من البرد.. وحولة.. يؤكِّلوها تبص للجهة المعاكسة وتفتح فمها الذى يحتكم على سنة واحدة فقط.. والزرافة سألت قالوا لى لسّه مش عارفة تتأقلم فمش ظاهرة للجمهور.. ورشا وصلاح جملان كوبل يعانيان من جرب يبدو أنه بلا علاج.

كل الشباب فى الجنينة مثلهم الأعلى أوكا وأورتيجا، والعائلات فارشين للغدا، والحبّيبة يستمتعون بالأغانى الهابطة التى تحاصرنا من كل الأكشاك المكتظ بها المكان لبيع التسالى والمشاريب واللعب.

على قول عبدالفتاح «العمال هنا بياخدوا ستة جنيهات فى اليوم وعايشين على الحسنة.. الجنينة اللى بيبوظ فيها ما بيتصلحش» مش بس الجنينة يا عم عبدالفتاح.

ماشا شبكشى