حُذيفة الشحاد من إدلب يروى لـ«7 أيام» حكاية قبور الحياة فى سوريا!

 ظلامٌ دامسٌ، وهدوءٌ مرعبٌ، وأنفاس مكتومة، وحوائط كئيبة الملامح تحوى ساكنيها.. هكذا يعيشون بالقبور.. عفوًا، هو مكان أشبه بالقبور.. فى لحظات يختلط فيها شهيق الحياة بزفير الموت، يقوم السوريون بابتكار سبل للهروب من ويلات الحرب، وذلك بحفر ما هو أشبه بـ«قبور الحياة»!.. حول ذلك تواصلت «7 أيام» مع حُذيفة الشحاد أحد الأشخاص الذين حفروا قبوًا أسفل منازلهم بمَعرَة النعمان بإدلب، ليروى لنا حكاية تلك الأقبية والمغارات التى انتشرت فى سوريا أسفل المنازل، عبر شبكة الإنترنت، التى كانت دائمًا ما تحول بيننا وبينه.

لا أملك ثمن الهجرة وأسرتى، سواء بشكل آمن أو غير آمن، لذلك قررنا البقاء واختيار سبل أخرى للحياة، ومحاولة إنقاذ أرواحنا بحفر هذه القبور

القصف المميت، والأجسام التى يخترقها الرصاص مُخلفًا إزهاق الأرواح، والانفجارات هنا وهناك جراء الحرب المندلعة، جميعها مشاهد ولَّدت فكرة حفر آلاف السوريين لمغارات، للعيش فى حياة موازية تحت الأرض، أسفل منازلهم، خصوصًا فى إدلب، لدرجة انتشار ورش متخصصة تقوم بعملية الحفر بشكل آمن، حتى تكون صالحة للسكن، ولا تُهدم فوق ساكنيها.. وعن هذا قال حذيفة الشحاد: «اضطررت إلى حفرها بنفسى، أواخر عام 2012، بمساعدة أهلى والجيران، خصوصًا بعد القصف الكثيف بالطائرات الذى تعرضنا له، حتى لا نضطر إلى النزوح أو التهجير من بلدنا ومنزلنا، فلا نملك منزلاً آخر.. كما أنها لا تُكلف ماديًّا».

«حتى الهروب من الموت له ثمن».. هكذا صرَّح حذيفة الشحاد (28 عامًا)، وذلك عندما سألته لماذا تتمسك بمنزلك حتى لو لم تكن تملك غيره، فبقاؤك وأسرتك على قيد الحياة أهم من الحفاظ على المنزل، فضحك ساخرًا، وقال: «2000 دولار ثمن الهروب للشخص الواحد إلى تركيا عبر المعبر بشكل آمن، أمَّا الهروب عبر الحدود فيكلف الشخص الواحد أيضًا نحو 500 دولار ، كما أنه قد يُكلفه حياته أيضًا، لأنه طريق غير آمن، وسنتعرض للقنص والقتل أو الاعتقال، وأنا لا أملك ثمن هروبى وأسرتى، سواء بشكل آمن أو غير آمن، لذلك قررنا البقاء بمنزلنا.. ففى بداية الثورة كان الخروج سهلاً، ولكن الآن فالأمر صعب جدًّا، وفى حقيقة الأمر لم أرد التهجير من الأساس، وعندما قررت الخروج أنا وأسرتى وجدت التكلفة عالية، ولم أستطع دفعها، فكان علينا اختيار سبل أخرى للحياة، ومحاولة إنقاذ أرواحنا، فأنفاسنا رهن رصاصة واحدة، فماذا نحن فاعلون؟!».

شهرٌ كاملٌ من الحفر المُرهق نفسيًّا وبدنيًّا هو ما قام به حذيفة، حيث قام باستخدام يديه وأدوات أخرى بسيطة مؤذية لليدين مثل الكوريك والمعول والرفش –حسبما قال- وتبلغ مساحة القبو نحو 4×5 أمتار، وبارتفاع نحو مترين، وله مدخلان؛ أحدهما من المنزل، والآخر للخروج من القبو نفسه إلى الشارع مباشرةً فى حالات النجاة.

فى كل بيت سورى معرض للقصف يوجد أسفله قبو للحياة!.. هكذا قال الشحاد، فقد انتشرت الأقبية وأصبحت شيئًا أساسيًّا فى حياة السوريين، إلا أنه أحيانًا تتحول إلى مقابر جماعية تضم عدة عائلات معًا، وذلك بسبب قدرة الصواريخ على اختراق التحصينات، ما قد ينذر بمعاناة من نوع آخر من انتشار الأوبئة.

ويضيف الشحاد: كل صاحب بيت يقوم بحفره بنفسه أو بمساعدة جيرانه، ولكننا قبل الحفر نضع باعتبارنا طبيعة المنزل الذى سنقوم بالحفر تحته، لتحديد اتجاهات الحفر بما لا يضر بطبيعة المنزل أو البناء، وعلى الرغم من أن الحفر من الممكن أن يشكل خطرًا آخر على حياتنا بتجويف التربة أسفل منازلنا، ما قد يؤدى إلى هدمه أو سقوطه فوق رءوسنا، فإننا مضطرون إلى ذلك، وأثناء حفر قبوى لم أستغرق وقتًا طويلاً، لأن لدى خبرة قليلة فى التصميم والهندسة».

ما بين «قبو» و«قبر» حرف واحد فقط فاصل فى المعنى، ولكنه غير فاصل فى الحياة لدى السوريين، فبالرغم من أنه خُيِّل إلى أنه قد يوجد بالقبو تلفزيون وثلاجة ومدفأة وسرير، وهى وسائل معيشية أساسية فى حياة الفرد، إلا أن ذلك الاعتقاد خاب تمامًا، بعد ما أكد الشحاد: «لا يا سيدتى، هكذا وسائل ترفيه، ترسَّخت فى عقلك، أو قد تأتى بعقول الآخرين من الأفلام، ولكن فى حياتنا نحن فكل ما نمتلكه فى القبو فقط إسفنج وحصير وبطاطين وطعام وإضاءة ليزر يتم شحنها بواسطة بطارية».

لحظات الرعب وتلف الأعصاب أثناء القصف لم يتخيلها أحد حسبما وصف حذيفة، فهو لديه ثلاثة أطفال بعمر الزهور (مريم سنة، ورُقية سنتان، وعلى ثلاث سنوات)، وفى تلك اللحظات فإن كل شغله الشاغل هو الحفاظ على حياة أطفاله، الذين يبكون طوال الوقت، وأكد: «لم يكن أمامنا سوى الغناء بصوت عالٍ للأطفال، حتى نغلوِش على أصوات القصف بالخارج، ولكن أصواتنا يغلبها صوت المدافع، فما بين رائحة الموت والابتسامة المزيفة التى نرسمها فى وجه أطفالنا حتى لا يشعروا بالذعر جهدٌ نفسىٌّ رهيبٌ، ففى ظل الألم نختلق القصص الكوميدية والحكايات اللطيفة لهم، بل واللعب معهم حتى النوم».

لم يتذكر حذيفة عدد مرات الاختباء بذلك القبو نتيجة كثرتها، ولكنه قال إن فترة ذروة الاختباء كانت من 2012 حتى 2014، ثم هدأ الوضع حتى أوائل العام الجارى، ومن حينها وحتى الآن نختبئ به مئات المرات، فكلما نسمع القصف نركض سريعًا إلى الأسفل.

وتابع: «لم يكن ذلك القبو الحل الأمثل فى حالات إطلاق الكيماوى، لأنه فى ذلك الوقت قد يتحول إلى أكبر عدو خانق لنا، بل من الأمان أن نركض إلى مكان عالٍ بالهواء الطلق، والتحرك بعكس اتجاه الريح، كى لاتصل الغازات السامة، ويكون تأثيرها كبيرًا، إلا أنه عند إطلاقه لم نعرف ما نفعله.. أنهرب إلى أعلى أم إلى أسفل؟! لذلك اخترعنا أقنعة، كما أن جو القبو فى العادى رطب، خاصة أن المغارة لدىَّ بها مدخلان، ما يُسهِّل عملية التنفس».

كان علينا أن نسأل حذيفة الشحاد عن الحاجة إلى إغلاق باب المغارة الذى يصلها بالمنزل، بحيث يتم التمويه عن عدم وجود أشخاص تحت الأرض، حال إذا ما دخل غريبٌ.. فأجاب: «نعم، يمكن تمويه ذلك الباب، ولكن لا حاجة إلى ذلك، ولكن الأهم هو تمويه مخرج النجاة بالقبو إلى الشارع، حيث نقوم بوضع الأشجار الكثيفة بحيث يصعب معرفة أن ذلك مدخل أو مخرج إلى قبو».

كما يروى حذيفة لـ«7 أيام» عن أكثر أوقات المعاناة التى عاشها، وذلك عندما استشهد شقيقه الأصغر 18 عامًا، بأواخر عام 2013، عندما اشتبك بالمعارك الدائرة، فضلاً عن فقدان الجيران والأهل، وأصوات القصف، ورعب إطلاق الكيماوى.

«نقص المؤن» كان ساحة حرب أخرى للبقاء، يعيش بها الشحاد وغيره من السوريين، خاصة بعدما تم وقف إمدادهم بالطعام والشراب والأموال، إلا أنه اضطر إلى تدبير قوت يومه بالعمل كخياط ونقَّاش. توليفة من الحروب الغذائية والنفسية والاجتماعية، بل وبالأسلحة، يعانيها الشعب السُّورى يومًا بعد يوم، فإلى متى سيظل صامدًا؟، وإلى متى ستكون «القبور» المؤقتة متنفسهم إلى الحياة؟! وماذا لو هُدمت أو تم اكتشافها؟!