بعد عامٍ من تولِّيها الوزارة وتحقيقها نتائج ملموسة د. رانيا المشاط وزيرة السياحة لـ«7 أيام»: نعمل على نَقْل السياحة إلى عصر جديد

بعد سبع سنواتٍ عجافٍ من اضطرابات السِّياحة وشبه توقُّفها تقريبًا، وفرار الكثيرين من زيارة مصر بعد أن كانت إحدى أبرز الوجهات السِّياحيَّة فى العالم، جاء 14 يناير 2019 لتُتم د. رانيا المشاط وزيرة السِّياحة عامها الأوَّل، مُحققةً نتائج ملموسةً فى النُّهوض بالقطاع السِّياحى.. ودون الحاجة لتقارير إثبات، أصبح المُواطن يشعر أن ثَمَّة أفرادًا من بلدان أخرى تزور مصر من جديد، وأنه ليس وحيدًا ومعزولاً فى بلده عن الجميع.

كان 2018 عامًا سعيدًا على وزارة السِّياحة مقارنةً بالسَّنوات الماضية، و«7 أيام» لا تُقدِّم هذا الحوار ليدور فقط حول ما حققته وزارة السِّياحة من إنجازات فى عام 2018، ولكنها أيضًا تُقدِّم رانيا المشاط.. الوزيرة، والدكتورة، والاقتصادية، والمرأة، والإنسانة.. وكيف استطاعت هذه المرأة -مع كامل الاحترام والتَّقدير لها- أن تنهض بقطاعٍ فى أهميَّة وصعوبة قطاع السِّياحة، قطاع يُمثِّل جزءًا لا يُستهان به من النَّاتج القومى المصرى.. قطاع يتأثر بأىِّ شىءٍ ويُؤثِّر فى كُلِّ شىءٍ.. لم تبخل د. رانيا المشاط بوقتها -رغم زخم يومها- واستضافتنا، وأجابت عمَّا يدور فى عقل وتفكير كل مُواطن مصرى، يرى ويلمس التَّقدم لكن تُساوره المخاوف.

د.رانيا المشاط وزيرة السياحة فى صورة تذكارية بعد أداء اليمين الدستورية

فى البداية دعينى أُعبِّر كمواطن مصرى عن حماسى لهذا التَّغيير الحاصل فى وزارة السِّياحة، ولا أتحدَّث بشكل تِقنى أكثر منه انطباعات، ولكن اسمحى لى أن أبدأ حوارى من سؤال هل لنا أن نعتبر تولِّى سيادتكم وزارة السِّياحة نَقْلةً وظيفيَّةً من الاقتصاد إلى وزارة السِّياحة؟

فى البداية، دعنى أؤكد أن كُلَّ منصبٍ يحصل عليه الإنسان فى بلده تشريفٌ مُهمٌّ جدًّا، ولا أخفى أن تولِّى منصب وزيرة السِّياحة كان مُفاجأةً كبيرةً لى وللجميع، وأعتقد أن هذا الحوار جاء فى يومٍ مُميَّزٍ، فقد أتممتُ عامى الأوَّل فى وزارة السِّياحة، ولكن حين نقف للتَّفكير قليلاً فيما حدث، نجد أن ثمَّة دلائل يمكن استخدامها لتبرير اختيارى -من مجال الاقتصاد- للسِّياحة؛

أهمها أن قطاع السِّياحة -بصفة عامة فى العالم- قطاعٌ رائدٌ ومُؤثرٌ فى مساهمته بالنَّاتج المحلى والعالمى، والعمالة، وحتى الصَّادرات، ومن المُهم معرفة أن السِّياحة هى تصدير خدمة، وبالتَّالى حين نقول إن ثمَّة دولةً تريد أن تزيد من صادراتها، فإن السِّياحة ليست أقل أهميَّةً من تصدير سلعٍ أخرى، والسِّياحة بالنِّسبة لمصر تُمثِّل 20 بالمائة من النَّاتج المحلى، والطَّاقات الموجودة بقطاع مثل السِّياحة كبيرة جدًّا؛ لذلك أعتقد أن وجهة نظر القيادة السِّياسيَّة فى الاعتماد على شخصٍ ذى خلفيَّة اقتصاديَّة هى البحث عن كيفيَّةٍ جديدةٍ تدير قطاعًا مُهمًّا كقطاع السِّياحة بطريقة مُختلفة، بشكلٍ يعتمد على عُمقٍ أكثر، وهو المنظور الاقتصادى، ولا تكمن الفكرة فى أن تكون الوزارة مُجرَّد «حصَّالة» لعدد السُّيَّاح الزَّائرين فقط، فالموضوع يحمل رؤيةً أعمق وأشمل؛ لذلك أطلقت مصر فى نوفمبر 2016 برنامج الإصلاح الاقتصادى بالتَّعاون مع صندوق النَّقد والبنك الدَّوليين، فأىُّ برنامج إصلاح اقتصادى مبنىٌّ على ثلاثة محاور رئيسيَّة؛ نقدى ومالى وهيكلى.

رُؤيتنا تحقيق تنمية مُستدامة بصياغة وتنفيذ إصلاحات هيكليَّة تهدف إلى رفع القُدرة التَّنافسيَّة لقطاع السِّياحة

د.رانيا المشاط مع الموسيقار عمر خيرت

ما أهميَّة الإصلاحات الهيكليَّة؟

عندما توليتُ الوزارة فى 14 يناير 2018 كان هناك كثير من الملفات تمسُّ شركات ومواطنين وقطاعات مختلفة، وكلها غير مُستقرة، خاصة تلك الفجوة بين قطاع السِّياحة والحكومة، ومنها أن 98 بالمائة من الشَّركات السِّياحيَّة شركات خاصَّة، فمصر تُشجِّع القطاع الخاص، ويأتى قطاع السِّياحة ليكون خيرَ مثالٍ على ذلك؛ لأن القطاع الخاص فى تلك النُّقطة يُمثِّل الجزء الأكبر والأشمل، ففكرتُ فى كيفية دمج القطاع الخاص مع الحكومة بشكل يشمل سَّلاسة ومرونةً فى التَّعامل.. وهناك ملف آخر مُهمٌّ جدًّا، هو ملف الحج والعُمرة (السياحة الدينية)، حيث تم فتح باب العُمرة طوال العام بعد أن كانت مُغلقةً فى الفترة الماضية، وقد وضعت الوزارة الشَّهر الحالى ضوابط «الحج» قبل موسمه بـ8 أشهر؛ لتوفير تسهيلات وخدمات الحُجاج والشَّركات بوقت كافٍ جدًّا، ولأول مرَّة يتم وضع ضوابط الحج فى هذه الفترة المبكرة من العام.

وتَمَّ إعداد تقرير بمثابة كشف حسابٍ عمَّا تَمَّ تحقيقه من يناير إلى ديسمبر 2018، وناقشته فى مجلس النُّواب، ومن خلفيتى فى العمل بالمُؤسسات الدَّوليَّة مُؤمنة بأنه كى يُنفَّذ أىُّ شىءٍ بشكلٍ سليمٍ يجب أن يتم بشكلٍ مُؤسسىٍّ مُنظمٍ، وأهم هذه الإنجازات إطلاق برنامج الإصلاح الهيكلى لتطوير قطاع السِّياحة من مجلس النُّواب، وهو عبارة عن رؤية مُهمَّة جدًّا، فلأول مرَّة نقول إننا بحاجة إلى قطاع سياحى مُستقر، مُقاوم للصَّدمات التى قد تحدث فى أىِّ وقت، وأكثر صلابةً ومرونةً أمام أىِّ صدمة، فرُؤيتنا تحقيق تنمية مُستدامة من خلال صياغة وتنفيذ إصلاحات هيكليَّة تهدف إلى رفع القُدرة التَّنافسيَّة لقطاع السِّياحة، وتتماشى مع الاتجاهات العالميَّة،

أريد تغيير مفهوم السِّياحة المصريَّة، فبدلاً من أن تكون الرِّسالة مُكررةً داخليًّا وخارجيًّا، نريد إظهار أن هذا القطاع مُتقدِّم جدًّا وينتقل لعصرٍ جديدٍ.

د.رانيا المشاط تلقى الكلمة الرئيسية لحفل تخرج دفعة 2018 للدراسات العليا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

ماذا عن هدفِك كوزيرة للسياحة المصرية؟

هدفى توظيف شخص على الأقل من كُلِّ أسرة مصريَّة فى قطاع السِّياحة، عن طريق محاور الإصلاح الهَيْكلى التى تتمثَّل ليس فى الإصلاح المُؤسسى فقط، بل والإصلاح التَّشريعى، والتَّرويج والتَّنشيط، والبِنْية التَّحتيَّة والاستثمار، والاتجاهات السِّياحيَّة الحديثة.

تم تصميم هذا البرنامج ليكون إطارًا للسِّياسات العامَّة، وبأيدٍ مصريَّة.. لذلك، صُمِّم بشغفٍ وحُبٍّ وتفانٍ، فنحن نأخد وزارة السِّياحة إلى عصرٍ جديدٍ من التَّقدُّم، ومستوى آخر على جميع المحاور فى القطاع، ومن المُؤكد أن كُلَّ وزارةٍ يجب أن يتم فيها برنامج إصلاح هيكلى فى كُلِّ قطاعٍ، ومن أهم الأجزاء المُؤثِّرة فى السِّياحة العنصر البشرى؛ لذلك خصَّص البرنامج له جزءًا كبيرًا جدًّا لرفع كفاءة ذلك العنصر، فمن المهم أن يعرف المواطن المصرى أن السِّياحة مبنيَّة على جزءين؛ (هاردوير وسوفت وير)، والسوفت وير هو العنصر البشرى؛ لذلك نعمل على رفع كفاءة ذلك العنصر الذى يُمثِّل جزءًا كبيرًا ومُهمًّا جدًّا من السِّياحة؛ فقد عمل البرنامج على بناء عنصر بشرى مُؤهَّل لخدمة قطاع السِّياحة عبر التَّدريب الفنى والمهنى المُؤسسى، والجزء الأهم هو تعليم الأطفال فى المدارس أخلاقيات السِّياحة، داخل مصر وخارجها، وغَرْس حُبِّ السَّائح وكيفيَّة التَّعامل معه، وقمنا بتنفيذ بروتوكول مع وزارة التَّربية والتَّعليم للتَّأكد من تطبيق هذا النَّهج.

رانيا المشاط مع رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم جيانى إنفانتينو

هل يتضمن هذا تحديث المناهج الجديدة؟

يتم عن طريق رَبْط المناهج التَّعليميَّة باحتياجات سوق العمل، والعمل على تطبيق أخلاقيات السِّياحة بهدف رَفْع الوَعْى السِّياحى للأجيال المُقبلة، ويتم أيضًا من خلال مجموعات من وزارتى التَّربية والتَّعليم والسِّياحة، وعن طريق تربويين يُطبِّقون ذلك من خلال الحصص المدرسيَّة؛ كأن تُقام مسابقات بين الطَّلبة لرَسْم أفضل سكيتش عن السِّياحة، ويتفاعل الطَّلبة مع تلك المُسابقات ومُشاركتهم فى التَّعامل مع وفود سياحيَّة خارجيَّة، ما يزيد من تفاعل الطَّلبة مع السِّياحة، ويتم التَّعاون أيضًا مع وزارة التَّربية والتَّعليم فى تطبيق أخلاقيات السِّياحة فيما يتعلَّق بتطوير المناهج الدِّراسيَّة ومعايير القبول فى المدارس الفنيَّة والفُندقيَّة، وقد جاء ذلك للنُّهوض بمستوى الخدمة المُقدَّمة لزيادة تنافسيَّة المُنتج السِّياحى، والعمل على زيادة التَّشغيل فى قطاع السِّياحة، بحيث يُوظَّف فردٌ من كُلِّ أسرةٍ مصريَّةٍ فى القطاع، وتوفير عمالةٍ مُدرَّبةٍ لمُقابلة احتياجات سوق العمل والزِّيادة المُستمرة فى أعداد السَّائحين.

أطلقنا حملات ترويج دوليَّة لتقديم صورةٍ مُعاصرةٍ لمصر عبر الاستعانة بتحالف مصرى-دولى جديد، وبما يواكب الاتجاهات العالميَّة 

منتدى الخمسين يُكرم د.رانيا المشاط على منصبها الجديد كمستشار لكبير اقتصاديى صندوق النقد الدولى

أنا فخورٌ بذلك وألمس هذا التَّقدُّم، وما يحدث فى العالم من حوادث إرهابيَّة وأزمات اقتصاديَّة لا يقتصر على مصر فقط، وأنا شخصيًّا زُرتُ بلادًا ناميةً كثيرةً ولكنها مُنتعشةٌ سياحيًّا على الرغم من أن حالتها الاقتصاديَّة غير مُستقرة، وسياحة الشَّارع وما ظهر من مُدونات السَّفر أعتقد أنها أصبحت تمثل عنصر الترويج السياحى الأكبر.. فأين مصر من ذلك؟

استخدام الديجيتال ميديا فى التَّسويق أولويَّة فى أىِّ قطاع، لذلك اعتمدنا على العديد من الشَّباب المُؤثرين فى الديجتال ميديا لزيارة مصر، مثل مراد عثمان، ويشمل البرنامج أيضًا حملات التَّرويج الدَّوليَّة التى تتمثَّل فى إطلاق حملة ترويجيَّة جديدة لتقديم صورةٍ مُعاصرةٍ لمصر عبر الاستعانة بتحالف مصرى-دولى جديد، وتحديث الآليات التَّسويقيَّة بما يتواكب مع الاتجاهات العالميَّة، بالإضافة إلى المُشاركة الفعَّالة والهادفة فى المحافل الدَّوليَّة، وهناك أيضًا المتحف المصرى الكبير الذى سيتم افتتاحه فى 2020، وهو الحدث السِّياحى الأهم، وكُلُّ مَنْ يأتى إلى مصر يزور مركز التَّرميم فى المتحف المصرى الكبير وينبهر بما يراه.

والنُّقطة الأخرى هى «people to people»، وهى إظهار الشَّخصيات المصريَّة المُؤثِّرة، ليتعرَّف العالم على الشَّعب المصرى وإبداعاته فى مختلف المجالات؛ مثل الفن والموسيقى والثَّقافة والرِّياضة والعلوم وغيرها.

2018 هو العام الأفضل فى السِّياحة منذ وقتٍ طويلٍ، فهو قِبلة المشاهير، ويسألنى كثيرون عن كيفيَّة استغلال ذلك سياحيًّا، وذلك فى الواقع يحدث عندما يزور أىٌّ من المشاهير مصر ويلتقط صورًا، وهذا فى حَدِّ ذاته منفعةٌ للتَّرويج للسِّياحة المصريَّة، فضلاً عن استغلال الأحداث العالميَّة للتَّرويج لمصر، وقد قامت الوزارة بإطلاق حملةٍ ناجحةٍ خلال أكبر حدثٍ رياضىٍّ عالمى، وهو بطولة كأس العالم روسيا 2018، حيث كانت مصر راعيًا إقليميًّا أفريقيًّا رسميًّا للبطولات تحت شعار حملة «مصر-اكتشف واستثمر»، فالسِّياحة المُستدامة لا تقتصر فقط على الأماكن، ولكنها تعتمد على النَّاس والأماكن أيضًا، فالفكرة هى كيفيَّة تطوير النَّاس فى المُجتمعات حول الأماكن السِّياحيَّة التى تتم زيارتها، لذلك ثمَّة مشروعات مع وزارة الآثار فى القلعة وأسوان؛ لتعزيز هدف الحملة والتى تُسمَّى فى الأساس التَّجربة المصريَّة على الديجيتال ميديا، لأنها تتبلور حول اكتشاف مصر وأهلها؛ لذلك نهتم برَفْع كفاءة العُنصر البشرى للتَّأكُّد من أن تكون تجربة أىَّ زائرٍ يأتى لزيارة أى مكان مُمتعةً ومُثيرةً.

د.رانيا المشاط تلتقى النائب الأول لرئيس البنك الدولى لمناقشة الإصلاحات الهيكلية داخل القطاع

عددٌ من السياح تكون لديهم تجارب سلبيَّة فى التَّعامل مع بعض النَّاس بالشَّارع مثل الباعة فى عمليات البيع والشِّراء.. كيف ترين هذا الأمر؟

منطقة الهرم كاملة ستكون تحت إدارةٍ خاصَّةٍ، وخدمات السُّيَّاح ستكون كاملةً تحت إدارة شركةٍ خاصَّةٍ، وستكون هى المسئولة حتى عن «الخيَّالة والجمَّالة» فى منطقة الأهرامات، وهذا البند سيكون تحت التَّطبيق فى الفترة المُقبلة، وأيضًا هذا يعود لخطتنا فى تطوير العُنصر البشرى منذ الصِّغر، وهذا العمل يأخذ وقتًا طويلاً فلا يأتى بشكلٍ سريعٍ، لكن الوزارة تُقدِّم كل الجهود للنُّهوض بهذا العُنصر، وعدد السُّيَّاح فى الأقصر وأسوان فى زيادة ملحوظة.

النَّاس قلقون بعض الشَّىء من عام 2019، ماذا تقولين لهم؟

فيما يتعلَّق بالسِّياحة فهى تتطوَّر بشكلٍ ملحوظٍ، ويزيد عدد الزُّوَّار بشكلٍ ملحوظٍ أيضًا، ويجب أن يكون كُلُّ مواطنٍ فخورًا بمصر والسِّياحة المصريَّة.

نورهان سمير – شريف الألفى