د. رمضان حسين رئيس البعثة الأثرية المصرية الألمانية: هذه أسرار ورشة التحنيط المكتشفة فى سقارة

«أيُّها الفرعونُ الصَّغير الذى يبحث فى تاريخ أجداده العريق، لا تدعهم يطَّلعون على كل أسرارك حتى وإن كانت من التَّاريخ، لتظلَّ فى أعيُنهم ذلك الفرعونَ الذى صَنَعَ حضارةً لم تعرف الأرضُ قرينةً لها».. تلك الكلمات لا أدرى لماذا أُلهِمْتُ بها وأنا أكتُب مُقدِّمة هذا الحوار الذى أجريتُه مع رئيس البعثة الألمانية التى اكتشفت مؤخرًا ورشةً كاملةً للتَّحنيط بمنطقةسقَّارة التَّاريخيَّة، والتى تعودُ إلى عصر الأُسرتين الـ26 والـ27 (664-404 ق.م)، ويتوقَّع القائمون على هذا الاكتشاف أنه سيقودُهم لفكِّ لُغز التَّحنيط، نظرًا لأهمية الموادِّ والأدوات التى تُستخدم فى عملية التَّحنيط، والتى عثروا عليها فى تلك الورشة الأثريَّة.. فهل يجب أن يظلَّ التَّحنيط سِرًّا لا يكشفه أحدٌ حتى تظلَّ الحضارة المصريَّة مُلهمةً على مَرِّ التَّاريخ؟! هذا ما سيُجيب عنه د.رمضان بدرى حسين، رئيس البعثة المصرية الألمانية فى هذا الحوار.

فى بداية الحوار تحدَّث د. رمضان فقال: «تخرَّجتُ فى كلية الآثار جامعة القاهرة عام 1994، وعملتُ مُفتِّشَ آثار فى منطقة الجيزة حتى عام 2001، ثم حصلتُ على منحة للدِّراسة فى جامعة براون الأمريكية، وحصلتُ منها على الماجستير والدكتوراه، ثم عُدتُ إلى مصر للعمل فى المجلس الأعلى للآثار، وتقلَّدت عدَّة مناصب حتى وصلتُ لمنصب مدير مكتب الوزير للشئون الأثريَّة أثناء فترة تولِّى د.زاهى حواس للوزارة، وفى عام 2013 حصلتُ على منحة من أكاديمية ألكسندر فون همبولت بألمانيا التابعة لجامعة توبنجن، والتى كان لدىَّ فيها مشروع بحثى عن النصوص المصرية القديمة فى القرن السابع عشر قبل الميلاد ضمن مقابر العصر الصاوى، والذى يقع الكشف ضمنه، والعصر الصاوى يُشير إلى الأُسرتين الـ26 و27، والذى يُنسب إلى مدينة (سايس)، التى تقع غرب الدلتا، وهى مدينة (صا الحجر) بمحافظة الغربية حاليًا، والتى كانت عاصمة مصر فى هذا العصر ومنشأ هاتين الأسرتين، والمُميَّز فى هاتين الأُسرتين أن الأوضاع السِّياسية فى العالم القديم كانت تشهد تطوُّراتٍ ضخمةً؛ فقد فقدت مصر قبل هذا العصر الذى استمرَّ ما بين 664 و525ق.م، مكانتها الدولية كقُوَّة عُظمى سياسيًّا واقتصاديًّا فى العالم القديم، وظهرت قوى جديدة فى العالم غيَّرت الخريطة السِّياسية تمثَّلت فى الإمبراطوريتين الفارسيَّة واليُونانيَّة، واللتين قامتا على أنقاض الإمبراطورية الحيثيَّة فى منطقة الأناضول».

لفت د. رمضان إلى أنه فى هذه الفترة «استطاع الفُرس أن يُسيطروا على أجزاء واسعة من مصر، بعد أن غزوها مرَّتين؛ إذ استطاعوا فى المرَّة الثانية تعيين حُكَّام من الأقاليم المصريَّة تابعين لهم، وأثناء هذه الفترة تشكَّل لدى بعض الحُكَّام المصريين -فى مدينة (سايس) بالتحديد- نزعةٌ وطنيةٌ، وبدأوا يستقلُّون عن الفُرس ويُعيدون توحيد الدولة المصرية، وبالفعل استطاعوا أن يُوحِّدوا الدلتا تحت إمرتهم، ونجحوا فى ضمِّ الصعيد أيضًا، وفى النهاية نجحوا فى تحرير مصر من الحُكم الفارسى؛ وأثناء حُكمهم بدأوا فى إحياء كل الأنماط الفكرية والثقافية التى كانت موجودةً أيام الدولة المصرية القديمة والوسطى والحديثة، بهدف استعادة المكانة المصرية فى العالم، وكان من ضمن الأشياء التى اهتمُّوا بها تلك الاتِّجاهات الفنيَّة فى تزيين المقابر، وتوثيق النصوص، خاصةً النصوص الدينية المُتعلِّقة بالتِّلاوات التى تُرتَّل داخل المعابد والمقابر».

رئيس جامعة المنصورة يستقبل وفد البعثة الأثرية المصرية الألمانية

مقابر سقَّارة

قال د.رمضان حسين إن من أشهر إنجازات هذه الفترة مجموعة المقابر التى أُنشئت حول هرم الملك أوناس بمنطقة سقَّارة، وإن هذا الهرم مهم للغاية؛ لأنه أوَّل هرم ظهرت فيه النصوص الدينية المصرية، وذلك بعد 1600 سنة من عصر الملك أوناس الذى ينتمى للأسرة الخامسة، وإن هذه المقابر زُيِّنت بنصوص مهمة للغاية، حيث تكشف كيفية حفاظ المُجتمع على تُراثه الحضارى من السَّرقة، وكيف يُمكن أن ينقله من مكان لمكان آخر بعد مرور فترة زمنية سحيقة، ولذا كان تركيز البعثة على المقابر الواقعة حول هرم أوناس فى الجنوب والشرق، حيث إن هناك خمسة مقابر مهمة اكتشفها «ماسبرو» الذى كان يشغل مدير مصلحة الآثار المصرية عام 1899، مُشيرًا إلى أن كل حُجرات الدَّفن بهذه المقابر مُزيَّنة بنصوص الأهرام، بالإضافة إلى مقبرة أخرى تمَّ اكتشافها فى عام 1946، وتنتمى للعصر الصاوى أيضًا.

تابع د.رمضان: «بدأنا مشروعًا لتسجيل هذه المقابر وترميمها، كما بدأنا بفلسفة مهمة للغاية تُفيد بأن عِلْم المصريات بعد 200 عام من إنشائه أصبح علمًا يافعًا جدًّا، وبات يضمُّ علومًا عديدةً، ويتقابل معه عددٌ من العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، ومن أجل ذلك فإنه من ضمن الأشياء التى تُفكِّر بها البعثة أن الآثار المصرية فى الوقت الرَّاهن تحتاج لجولةٍ ثانيةٍ من التَّسجيل والتوثيق.

مدينة الموتى

عن مكان الكشف الخاصِّ بورشة التَّحنيط قال عالم الآثار المصرى، إن البعثة المصريَّة الألمانيَّة تُعيد حفر المنطقة التى عمل بها «ماسبرو»؛ فعلى بُعد متر وربع المتر منها جنوب المنطقة التى توقَّف عندها اكتشفت البعثة مجموعة مبانٍ خاصَّة بالتَّحنيط.

أضاف: «بالنسبة لى كانت تلك الاكتشافات مُفاجأةً كبيرةً، لأن هناك (جبَّانة) أتوقَّع أن تُشكِّل امتدادًا لمقابر جديدة»، مُوضِّحًا أن الكشف كان عبارة عن بئر حوالى 18 مترًا تُسمَّى «خبيئة المحنط»، ويُوجد جنوب هذه البئر بحوالى متر ونصف المتر مبنى مُستطيل الشكل تبيَّن أنه ورشة للتَّحنيط، وداخل هذه الورشة هناك بئر أخرى أبعادُها 3 أمتار فى 3 أمتار تُستخدم للدَّفن، وعلى طول 30 مترًا هناك دفَّانات على أعماق مُتباعدة، وهذا يعنى أن هذه البئر كانت تُستخدم للدَّفن على مراحل وفترات طويلة للغاية، إذ تُوجد حُجرات دفن عديدة، وحاليًا تُوجد 8 حُجرات، بالإضافة إلى ممرَّات كبيرة للغاية تحت الأرض لم نُحدِّد عددها بعد، وهذا الكشف يُحقِّق أن سقَّارة -جبَّانة العاصمة الإدارية (منف) لأكثر من حوالى 3500 سنة- لم تبُح بأىِّ سِرٍّ من أسرارها بعد.

صورة القناع الفضى على المومياء فى المنتصف

بيزنس التحنيط

لمَّح د.رمضان إلى أن سقَّارة مازالت أطرافُها مُتراميةً، وحدودها غير معلومة بالنسبة لنا، ومازالت شوارع هذه الجبَّانة غيرَ معروفةٍ حتى الآن، وأن الجبَّانة مكانٌ لم نكن نعرف فى مصر أنه كان بمثابة بيزنس عظيم، مُضيفًا: «الموتُ فى مصر القديمة له بُعد اقتصادى؛ بمعنى أن أصحاب المُومياوات كانوا يتَّفقون على التَّحنيط، ويأتون بأدواتٍ ومُقتنيات لتُوضع معهم فى المقابر، ولم يعرف عُلماء الآثار التَّخطيط العُمرانى لمدينة الموتى أو جبَّانة سقَّارة حتى الآن، وأن سقَّارة بعد 200 سنة من الاكتشافات فيها مازال لديها الكثير من الأسرار العجيبة، لكنها تحتاج إلى إرسال بعثاتٍ مُكثَّفة تقوم بعمليات استكشاف ورسم خرائط واضحةٍ عن طريق تطبيق تقنيات عالية، مثل الليزرسكان.

نموذج ثلاثى الأبعاد لورشة التحنيط

سر التحنيط

عن مدى إمكانيَّة أن يقود هذا الكشف لمعرفة سِرِّ التَّحنيط يقول: «لابُدَّ أن نُقِرَّ أوَّلاً بأن هناك رغبةً جامحةً بين الفئة المُثقَّفة لمعرفة سِرِّ التَّحنيط، لكنَّ التَّحنيط ليس سِرًّا مجهولاً بالإطلاق كما نعتقد؛ لأن معلوماتنا كأثريين عن التَّحنيط غزيرة، وذلك فيما يخصُّ ما يحدث يوميًّا فى الطُّقوس التى تتمُّ فى الأيام السَّبعين التى تُجرى فيها عمليةُ التَّحنيط، وكذلك التِّلاوات التى تُقرأ أثناء إجرائها، وأسماء الموادِّ التى تدخل فيها، لكن يبقى العُنصر الغائب فيها مُتمثَّلاً فى التَّركيبة الكيميائيَّة للزيوت التى تدخُل فيها، وهذا ما سيُحقِّقه الكشف، فما حدث فى هذا الكشف خاصة فيما يُسمَّى (خبيئة المحنط) بالذَّات، هو أن مجموعة الأوانى الفُخارية الموجودة فى الخبيئة تحتوى على هذه الزيوت، وهذه الأوانى كانت تُجمع وتُخبَّأ فى مكان مخفىٍّ نظرًا لقُدسيَّتها، والميزة فى (خبيئة المحنط) أن حجمها كبير للغاية، كما أن حجم الأوانى كبير، بالإضافة لتنوعها، والرَّائع فى الأمر أن الكتابات الموجودة عليها مكتوبة بالخطين الهيراطيقى والديموطيقى، وهُما خطَّان من خطوط الكتابة المصرية، كما أن الكتابات تُسمِّى هذه الزيوت المُستخدمة، ومنها نعرف أسماءها، مثل زيت (التوات)، و(السافيدج)، وهذان النوعان من الزيوت السَّبعة المُقدَّسة التى تدخل فى التَّحنيط، كما يُستخدمان فى طقس مهم وهو طقس (فتح الفم)، وهو آخر طقوس الجنازة قبل وضع المُومياء فى التَّابوت، والبعثة لديها حاليًا مشروع للتَّحليل الكيميائى لبقايا الزُّيوت المُترسِّبة فى هذه الأوانى».

الورشة

شدَّد رئيس البعثة الألمانية على أن الأهمية الثانية للكشف تكمُن فى ورشة التحنيط نفسها، موضحًا أن الورشة هى المكان الذى تُجرى فيه عملية التحنيط وإعداد لفائف الكتَّان، وكذلك وضع الجثمان فى ملح «النترون»، وهو المادة الأساسية فى عملية التحنيط، حيث إنه عقب الوفاة يتم دفن الجسد فى هذا الملح، الذى يمتصُّ كل السوائل من جسد المُتوفَّى بحيث يمنع تعفُّن وتحلُّل الجُثَّة، وأضاف أن التَّحنيط فى الأساس أول خطوة فيه هى التَّجفيف، وهى عملية عبارة عن نزع كل السوائل من الجسد، وتعقُبها عملية فتح الأحشاء، وبعدها تُستخدم الزيوت العطرية التى تحفظ الجسد.

المُجتمع الفرعونى

قال د.رمضان: «الطبقات الاجتماعية للمُومياوات المُكتشفة فى الغالب، والتى بلغ عددها 35 مُومياء، هى عبارة عن طبقات وُسطى بالأساس بدرجاتها الثلاث؛ العُليا، والوُسطى، والدُّنيا، ما يُرجِّح أن تكون هذه البئر فُتحت كـ(بيزنس) ومكان للدَّفن على مدار حوالى 150 سنة، وهو عُمر الأسرتين الـ26 و27، وأشهر الأمثلة التى يُستشهد بها أن هناك ثلاث حُجرات دفن موجودة على عُمق 30 مترًا، كما أن هناك صالةً أماميَّةً وصالةً خلفيَّةً وحُجرات للدَّفن على الجوانب، وفى الصَّالة الثَّانية تُوجد حُجرة دفن مشهورة لسيِّدة كانت ذات قُدرة ماليَّة ومكانة اجتماعية ما جعلها تُوفِّر لنفسها حُجرة دفن خاصَّة بها، وتابوتًا ضخمًا من الحجر بأبعاد 285 سم، و135 سم، وارتفاع 165 سم، وهذه التَّوابيت لا تُعبِّر عن أطوال الفراعنة الحقيقيَّة، وبالمناسبة أطوال الفراعنة مثل أطوالنا الآن، فالملك تُحتمُس كان طوله 165 سم، لكنَّ ضخامة التوابيت تُشير إلى أن هناك توابيتَ أُخرى داخلها، لأن المصريين توابيتُهم تأخذ شكل العلب».

السِّياسة والآثار

حول عمل البعثات الأجنبيَّة فى مصر ودوافعها فى البحث عن الآثار المصريَّة، أكد رئيس البعثة أن سياسة طمس وتحريف التاريخ ليست الدافع وراء هذا الشَّغف، ولكنَّ دافع الأجانب يكمُن فى حُبِّ معرفة الإنسان، مُوضِّحًا أن هذه العلوم تُسمَّى علومًا إنسانية تدرس سلوك الإنسان وتطوره الفكرى والحضارى والثقافى، وعلم الآثار أصبح علمًا مهمًّا للغاية؛ لأنه يتعامل مع أهم مُنجزات البشر، وهى الحضارة.

فى نهاية حوارنا طرحنا على د.رمضان اقتراحًا يتعلَّق بتلخيص صيغة من النُّصوص المصريَّة القديمة يُمكن أن نهتدى بها فى الوقت الرَّاهن لنصنع بها حاضرًا مُشرقًا يتلاءم مع تاريخ أجدادنا العريق، فكان رده أنه لابُدَّ أن نحلم على قدر إمكانيَّاتنا، وبالفعل مصر لديها قُدرات ضخمة للغاية، لكن فى مصر هناك شىء مهم للغاية غائب حتى الآن، وهو أن المصريين أنفسهم لابُدَّ أن يُؤمنوا بأن النجاح الفردى نجاحٌ للمُجتمع ككل طالما كان لا يأتى على حساب فُرَص الآخرين وضررهم.