ودخلت مكتب الرئيس الأمريكى! رأيت البيت الأبيض من الداخل

تستطيع بسهولة دخول البيت الأبيض زائرًا فى جولة تنظمها شركات سياحة، لتتعرف عن قرب على القصر الذى يسكنه الرئيس الأمريكى ويوقع فيه قراراته التى تؤثر فى العالم كله، ويمكن أن تلتقى به صدفةً، وتصافحه، وتلتقط معه صورةً تذكاريةً يُوقِّعُها بنفسه.

ولكننى دخلت البيت الأبيض صحفيًّا لتغطية لقاءات الرئيس مبارك مع ثلاثة رؤساء أمريكيين هم بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما.

تولت المهمة نيابة عن السفارة المصرية شركة علاقات عامة متخصصة تديرها سيدة عجوز طلبت منا صورة جواز السفر قبل الزيارة بيومين لتأتى بتصريح مرور لمرة واحدة على ورقة صغيرة غير مقواة تعلق فى الرقبة بسلسلة رفيعة.

يحدد التصريح مسارًا إجباريًّا -لا يجوز الخروج عنه- يؤدى إلى غرفة الصحافة التى يلتقى فيها المتحدث الرسمى مراسلى الصحف الدائمين، وهناك ننتظر -مع ماكينات القهوة- حتى تنتهى المباحثات المغلقة بين الرئيسين، لندخل من باب ضيق إلى ممر طويل، ينتهى إلى حجرة المكتب البيضاوى، حيث نلتقى الرئيسين فى أسرع مؤتمر صحفى من نوعه لا يسمح فيه بأكثر من سؤالين لكل جانب.

على يمين الحجرة يضع البروتوكول مقعدين يجلس عليهما الرئيسان، يُرفعان فور انتهاء المباحثات والتقاط الصور التذكارية وانتهاء المؤتمر الصحفى.

فى وسط الحجرة أريكتان دائمتان نقف خلفهما وكأنهما حاجزٌ أمنىٌّ لا يجوز تخطيه، وعلى الأرضية المغطاة بالموكيت غير القابل للاحتراق نسج شعار البيت الأبيض، وهو أمر لافت للنظر أن تضع المؤسسات الأمريكية رموزها على الأرضيات، ولا تعترض على أن يدوسها الناس بأحذيتهم، وتبرير ذلك أن المواطن أعلى من كل السلطات.

فى الطرف الآخر من الحجرة، يوجد المكتب الذى يجلس خلفه الرئيس، ويسمى «الريسولوت»، وسبق أن استعمله كل رؤساء الولايات المتحدة ما عدا أولهم جورج واشنطن الذى لم يمهله القدر حتى يدخل البيت الأبيض ويعيش فيه.

المكتب مصنوعٌ من نوع نادر من الخشب صنع منه كثير من أثاث القصر الملكى فى لندن، بل إن المكتب صناعة بريطانية، كان على سفينة حربية إنجليزية تسمى «صاحبة الجلالة»، أرسلتها الملكة فيكتوريا إلى القطب الشمالى، عام 1852، لإنقاذ بعثة استكشافية فُقدت هناك.

ولكن السفينة نفسها أصيبت بخلل فى محركاتها وسط المحيط، وعجزت عن الحركة ست سنوات، حتى عثر عليها جيمس بودينجتون وهو ربَّان سفينة أمريكية لصيد الحيتان، ونجح فى إصلاحها، وعاد بها إلى بلاده بصحبة طاقمها سالمين، وجرى إصلاحها هناك قبل أن تُبحر عائدةً إلى المملكة المُتحدة.

اعتبرت عملية الإنقاذ معجزة أغرت صناع السينما بتقديم ثلاثة أفلام عنها، ولكن الأهم أن الملكة فيكتوريا أهدت قطعًا من الأثاث، كانت فى السفينة، إلى الحكومة الأمريكية، كان من بينها المكتب الذى يجلس عليه الرئيس.

لم يُسمح لنا بالاقتراب من المكتب، وإن لمحت عليه نموذجًا صغيرًا لمسلة فرعونية رمادية اللون، لم يعرف أحدٌ سرَّها، وبجانب مجموعة من أقلام الرصاص لا يوضع على المكتب شىء آخر، فالقرارات التى يوقعها الرئيس تُنقل فورًا لجهة التنفيذ، والتقارير التى تُعرض عليه تُرفع فور أن يقرأها لتُحفظ فى مكانها حمايةً للأمن القومى.

على أن قصر مدة التواجد فى الغرفة لم يتح لنا تأملها بدقة كما أن الرَّغبة فى الفوز بسؤال جعل التركيز فى اتجاه الرئيسين.

ولو كانت هناك حرية للمراسل الأمريكى فى توجيه سؤاله للرئيس المصرى، فإن سؤلى الجانب المصرى غالبًا ما تكون سابقة التجهيز ويحدد وزير الإعلام من يلقيها.

وكثيرًا ما انتهز الصحفيون الأمريكيون مثل هذه الفرصة لسؤال رئيسهم عن شأن داخلى بعيد عن زيارة الرئيس الضيف مثل الضرائب أو فضيحة ما نالت من الإدارة أو خلاف معلن بينه وبين الكونجرس ولا يجرؤ أحد على الاعتراض، فالصحافة هناك لا تتمتع بحرية فقط وإنما بحصانة أيضًا ولا توجد سلطة تمنعها من نشر ما تملك من معلومات مهما كانت خطورتها ويضطر الرئيس -أو أحد مساعديه- للتفاوض مع الصحفى راجيًا تأجيل النشر، موضحًا مبرراته، وعارضًا تقديم المزيد من المعلومات إذا ما وافق الصحفى على التأجيل.

ودعمت هذه الحقوق المحكمة العليا عندما وافقت على طلب صحيفتى نيويورك تايمز وواشنطن بوست على نشر وثائق البنتاجون التى تثبت تورط الولايات المتحدة فى حرب فيتنام وعرفنا التفاصيل فى فيلم «ذا بوست» الذى لعب بطولته توم هانكس وميريل ستريب وأخرجه ستيفن سبيلبرج وفاز بالأوسكار عام 2017.

صور الفيلم فى متحف نيوزيام الذى يوثق صحافة العالم ويعرض الصفحات الأولى لجرائد ثمانين دولة ولا أتصور صحفيًّا يزور واشنطن دون أن يقضى يومًا على الأقل فى طوابقه السبع خاصة أن الدخول بلا مقابل.

دخلت البيت الأبيض أول مرة عام 1994، ولأن طبيعة الزيارة لا تتيح التعرف عليه سارعت بشراء أكثر من كتاب عنه بحثًا عن التفاصيل الخفية فى القصر الذى يطلق عليه «مركز إدارة الكون».

تنسب واشنطن إلى جورج واشنطن الذى تبرع بأرض يمتلكها لتبنى عليها العاصمة، مستقلة عن الولايات، وبينما كان يشرف على تطويرها أعلن عن مسابقة لتصميم القصر الرئاسى فاز فيها المهندس المعمارى جيمس هوبن ليبدأ العمل فيه عام 1702 بحجارة استوردت من اسكتلندا.

أول من سكنه كان الرئيس الثانى جون أدامز عام 1796 وأول من أطلق عليه البيت الأبيض كان الرئيس السادس والعشرون تيودور روزفلت عام 1909 قبيل انتهاء مدة ولايته.

وفيما بعد جرت توسعات فى المبنى الرئيسى وأضيفت إليه مبان أخرى حتى أصبح فى البيت الأبيض 132 غرفة و35 حمامًا و412 بابًا و147 نافذة و8 سلالم و3 مصاعد ومساحات شاسعة من الحدائق بها نباتات نادرة أرسلت هدايا من حكام العالم بجانب هدايا أخرى صُنِّفت تحفًا.

كل الهدايا التى يتلقاها الرئيس ومساعدوه يجب تسليمها للدولة إذا زادت قيمتها على ستين دولارًا، وإلا وجهت إليهم تهمة جنائية أقلها الرشوة واستغلال النفوذ.

حدث أن نجحت دينا باول فى منح إبراهيم نافع -وهو رئيس تحرير الأهرام- فرصة حوار مع الرئيس جورج بوش الابن، ولكنها خلال زيارة تالية إلى القاهرة فوجئت وهى فى فندقها المطل على النيل بساعة ثمينة مرصعة بالماس، هدية من إبراهيم نافع، وحسب ما سمعت من والدها، فإنها شعرت بالفزع كأنها قرصت من عقرب سام وبسرعة اتصلت بالسفير الأمريكى لتبرئ ذمتها، وأرسلت إليه الساعة التى أصبحت من مُقتنيات الحكومة الأمريكية.

ودينا بأول «أو دينا أنسى» ابنة مهاجر مصرى من شبرا، ترك مصر بعد تأدية الخدمة العسكرية، ليبدأ مشوار كفاحه فى كاليفورنيا سائقًا لشاحنة، وبعد أن نالت ابنته شهادات أكاديمية رفيعة، ضُمَّت إلى طاقم العمل فى أكثر من إدارة جمهورية.

وأمام البيت الأبيض -على الناحية الأخرى من شارع بنسلفانيا- يقع قصر بلير هاوس الذى ينزل فيه الملوك والرؤساء الذين دُعوا إلى الولايات المتحدة فى زيارة رسمية، أمَّا إذا كانت الزيارة بناء على طلب منهم، فليس أمامهم سوى الفنادق الفخمة للإقامة فيها، وأشهر هذه الفنادق «فور سيزونز»، الواقع فى جورج تاون، وكان الفندق المفضل للرئيس مبارك، وهو لا يتميز بطوبه الأحمر فقط وإنما بتعدد الشوارع الجانبية التى يطل عليها، مما يسهل حمايته وحراسته ويوفر دخول وخروج الشخصيات الحاكمة دون أن يشعر باقى النزلاء.

فى عام 1824 بنى جوزيف لفيل -وهو جراح عام- بلير هاوس من 100 غرفة ليسكنه هو وعائلته، ولكن ورثته باعوه لصحفى وناشر هو فرانسيس بلير، وإليه يُنسب القصر، وبعد 100 عام اشترته الحكومة الأمريكية بعد ضم بيت مجاور إليه ليكون سكنًا للرئيس يغادره فور خروجه من الحكم، ولكن بعد تأثيث الجناح الغربى فى البيت الأبيض لتقيم فيه العائلة الرئاسية أصبح بلير هاوس استراحة لكبار الشخصيات والضيوف.

وقد التقيت هناك بمبارك لأول مرة وجهًا لوجه عام 1993 وما أن صافحته حتى قال: «انت بقى عادل حمودة.. أنا فاكرك شخص آخر»، وما أن أبديت دهشتى مما قال للدكتور أسامة الباز مستشاره السياسى، حتى سمعت منه أغرب تبرير: «هذه طريقة الرئيس فى المزاح والتبسط».

سبق هذا المزاح مزاحٌ من نوع آخر على بوابة الدخول حين أشار سمير رجب «وكان رئيسًا لتحرير الجمهورية»، إلى محفوظ الأنصارى «وكان رئيسًا لتحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط»، قائلاً: «امسك إرهابى»، وقبل أن يُكمل الجملة، وجدنا أنفسنا مُحاصرين بعددٍ كبيرٍ من رجال ونساء الأمن، لم نعرف من أين جاءوا.. ولم يكن من السهل إقناعهم بأن ما حدث نوعٌ من الهزار الثقيل، فكان أن ضاعفوا من إجراءات التفتيش.

ولولا ستر الله لاتُّهمنا جميعًا بتكوين خلية إرهابية.