بعد حصولها على لقب «المرأة الحديدية» فى سباقات «التَّحمُّل» ببرشلونة راندا المهدى فى حوار لـ«7أيام»: كنت أكره الرياضة .. ولم أتخيَّل نفسى بتلك القوة  

لم تُلقب راندا المهدى بالمرأة الحديديَّة كونها حققت الفوز ببطولة الـIRON MAN الدَّوليَّة فحسب، ولكنه لقب استحقته عن جدارة بشكل شخصى ونفسى أيضًا، لقدرتها على تحقيق ذلك الفوز، بعد ممارسة عام واحد فقط من الرِّياضة فى حياتها، وكذلك لأنها «سينجل ماذر»، فهى مُطلقة ولديها ثلاثة أطفال.. فالتَّحوُّل من امرأة روتينيَّة تعتبر صالة الجيم بمثابة مكان ثقيل عليها، لم تستطع فيه الاستمرار أكثر من أسبوع واحد فقط، إلى امرأة رياضيَّة من الطراز الأول، يجعلنا نتوقَّف لنتأمل قوة وقدرة المرأة المصريَّة على الصراخ فى وجه المُستحيل، وهو ما جعل «7 أيام» تحاورها.

«الأيرون مان» سباق عبارة عن قوة تحمُّل لممارسة ثلاثة أنواع من الرياضة فى آن واحد وبشكل متواصل وسريع ومُتتالٍ دون استراحة، والتى تُسمَّى بالـTriathlon، وهى السباحة ثم قيادة الدراجة، وأخيرًا الجرى، وهى بطولة دولية أُقيمت فى برشلونة بإسبانيا مؤخرًا، وكانت راندا المهدى – 38 عامًا والمتخرجة فى كلية الهندسة قسم قوى وآلات كهربية جامعة القاهرة- السيدة المصرية الوحيدة المشاركة بالبطولة، و3 رجال مصريين، فحققت الفوز بمركز أول كامرأة على مستوى مصر والعالم، والمركز الثانى كمصرية، بعد فوز رجل مصرى بالمركز الأول، إلا أن البطولة تضم جميع جنسيات العالم رجالاً ونساء مع بعضهم بعضًا.

تعرَّضت راندا المهدى لشتى أنواع «البهدلة» أثناء البطولة، حسب وصفها، فقالت: «لم يكن هناك مجال للشعور بمغص أو برد أو حتى قضاء الحاجة، وإذا شعر المتسابق بذلك، فعليه الاستمرار دون توقُّف مهما حدث، حتى لو اضطر أن يقضى حاجته على نفسه».

15 ساعة و40 دقيقة هى الحد الأقصى للوقت المُستغرق فى البطولة، ولكن راندا تمردت على ذلك التوقيت، بتحقيقها الفوز فى 13 ساعة ودقيقة و48 ثانية.

تعلمتُ من البطولة السَّعى وراء النَّجاح والتَّميُّز والتَّحدى وعدم تقبُّل الخسارة مهما كانت الظُّروف قاسية، وهو ما أبثه فى تربيتى لأولادى

استكملت راندا المهدى : «فى البطولة قمت بالسباحة لمسافة 3.8 كيلو متر، استغرقت نحو ساعة و18 دقيقة، يليها مباشرة قيادة الدراجة لمسافة 180 كيلو، استغرقت بها نحو 6 ساعات و38 دقيقة، ثم الجرى حيث قمت بإنجازه لمدة خمس ساعات وخمس دقائق، بمسافة 42.2 كيلو متر».

250 سعرًا حراريًّا فقط هو نظام التغذية القائم والإجبارى من قِبل إدارة البطولة، أثناء قيادة المتسابق للدراجة كل ساعة، أما أثناء الجرى فيجب تناول رشفة مياه بعد كل 2.15 كيلو متر، فضلاً عن تناول كبسولات أملاح، أما قبل السباحة بثلاث ساعات، فيجب تناول من 700 إلى 1000 سعر حرارى، وإذا لم يسر المُتسابق على خطة التغذية من قِبل البطولة بشكل صحيح، فسوف يخسر البطولة لعدم تحمُّل جسده المَشقَّة.

وأكدت راندا المهدى لـ7 أيام: «لم يكن هناك شروط أو مواصفات خاصة للمشاركة فى البطولة، سوى أن يكون الشخص لديه 50 بالمائة من العقل والتَّحدى للاستمرار والصمود إلى النهاية، وهو ما تدربت عليه لمدة عام كامل من التدريب النفسى على قوة التحمل العقلى وعدم الاستسلام حال الشعور بإجهاد شديد أو إحباط أو خسارة، فإذا لم يكن عقل الشخص مؤهلاً لذلك فلن يستطيع الإنجاز، والذى يُعدُّ أقسى من التدريب الجسدى بمراحل، أما الـ50 بالمائة الأخرى فهى عبارة عن تأهيل جسدى، فضلاً عن ضرورة المشاركة فى البطولة بدراجتى الخاصة، والتى قمت بشحنها على متن الطائرة، كما قمت بدفع مبلغ يُقدر بـ550 يورو للتسجيل فى البطولة، أى ما يعادل نحو 16 ألف جنيه مصرى».

لم يكن إحراز نجاحًا بتلك البطولة على المستوى الرياضى فحسب، ولكنه كان إحرازًا على المستوى الشخصى أيضًا، وهو ما تعلمته راندا، فتلك المثابرة والتحدى وتعلُّم عدم الاستسلام، جعلها حقًّا امرأة بل وأمًّا حديدية، فقالت: «لم أكن أتخيل أننى بتلك القوة، فقد تعلمتُ من البطولة السَّعى وراء النَّجاح والتَّميُّز والتَّحدى وعدم تقبُّل الخسارة مهما كانت الظُّروف قاسية، وهو ما أبثه فى تربيتى لأولادى».

قبل خوض البطولة فى برشلونة، خاضت راندا صراعًا اجتماعيًّا ونفسيًّا ورياضيًّا، فلم تمارس الرياضة فى حياتها من قبل مطلقًا، حتى أنها اعترفت أن جسدها كان غير مؤهل رياضيًّا ومترهلاً قليلاً، وكانت تكره الرِّياضة، ولكن كانت الصدفة البحتة هى بوابة دخولها عالم الرياضة و«الأيرون مان»، عندما اقترح عليها زميلها ذات مرة أثناء العودة من رحلة غطس فى «دهب»، فى رأس السنة 2017، المشاركة بماراثون للجرى فى الجونة فى فبراير من العام نفسه، وعندما سألته عن المسافة التى ستركضها، قال: «21 كيلو».

استغربت راندا وقالت: «هل جننت؟! فأنا عندما أجرى كيلو واحد أشعر بالموت، لم يكن أمامى سوى شهر واحد على تلك البطولة، فكيف سأقوم بذلك؟! إلا إنه حاول إقناعى»، فقلتُ له: «إذن جنان بجنان، فسوف أحاول التدرب خلال شهر وربنا الستار، وانتظرنى فى الجونة فبراير القادم».

قررتُ التَّدريب لمدة عام واحد من القهر الرِّياضى، فلم يكن هناك حياة بمعنى الكلمة، سوى أولادى والرِّياضة، حتى أحقق ما وصلتُ إليه الآن

الرهبة والتحدى فى آن واحد، كانا شعورها فى البدايات، إلا أنها شاركت ببطولة الجونة بالفعل بعد التدريبات، وخاضت بعدها بأسبوعين ماراثون الجرى فى أسوان، ثم جاءت المصادفة بتشجيع أصدقائها لها على ممارسة قيادة الدراجة، فقامت بقيادة أكثر من 30 كيلو بدراجة ضعيفة فى العين السخنة وشعرت بالإجهاد الشديد، إلا أنها بعدها بأسبوعين آخرين، حققت نحو 55 كيلو بالدراجة، ولكن الإجهاد غلبها هذه المرة حتى اضطرها إلى النوم فى الطريق وبجانبها الدراجة، ثم شاركت راندا مع فريق GBI الشهير للدراجات حول العالم، بالقيادة نحو 105 كيلو إلى الفيوم.

لم تكن راندا تعرف عن ممارسة رياضة السباحة شيئًا، حتى شجعها أصدقاؤها على تعلُّمها، وبعدها لأول مرة قررت خوض بطولة تلك الرياضات الثلاث معًا «الترايثلون» فى سهل حشيش أبريل 2017، وكانت عبارة عن 750 متر سباحة، و20 كيلو قيادة دراجة، و5 كيلو جرى.

شعورها بالغيرة الحميدة تجاه أصدقائها الذين شاركوا ببطولة «الأيرون مان» فى برشلونة 2017، كان الدافع وراء قطع وعد على نفسها بالمشاركة فى العام الحالى 2018 فقالت: «قررتُ التَّدريب لمدة عام واحد من القهر الرياضى، فلم يكن هناك حياة بمعنى الكلمة، سوى أولادى والرياضة، حتى أحقق ما وصلت إليه الآن».

ذلك الوعد لم يكن بالسهل، فعندما قالت لأصدقائها إنها ستشارك بالبطولة 2018، نظروا إليها نظرة سخرية وقالوا «أنتِ مجنونة؟!»، والبعض الآخر «خدها على أد عقلها»، حسب وصفها.. تلك النظرات والسخرية جعلت من الإصرار أفضل صديق اتخذته راندا على الإطلاق، والذى اتبعته لمدة عام كامل من التدريب المكثف، حتى حققت المشاركة وتحقيق الفوز ببرشلونة.

بطولة العالم لـ«لأيرون مان» هو حلم راندا الذى تنتظر تحقيقه بفارغ الصبر الفترة المقبلة، وبالتالى تعمل حاليًا على تكثيف التدريبات وتحسين الأداء من أجل التأهل.