إسعاد يونس تكتب لـ«7 أيام» زمن الجيل اللى فات

أنا من الجيل اللى حياته كانت عبارة عن دفتر أبيض، الزَّمن بيكتب فيه كل شهر صفحة أو صفحتين بالكتير.. تطور إنسانى بسرعة طبيعية، يعنى مش جنونية زى دلوقتى، يعنى مثلاً أنا كتبت بالقلم الرصاص، والكوبيا، لما كنَّا نحب نثبت المعلومة قوى نبِل سِنُّه بلساننا فَخَطُّه يفرش، ويبقى غبى كده لا يُمكن طمسُه، وكنت مستَنِّيَّة بمنتهى اللاصبر أن أكبر بقى ويسمحوا لى بالقلم الحبر، وأحلم أنِّى بلغت من العمر أرذله، لما أملأ القلم من دواية الحبر وأبقَّع صباعينى.. السبابة والوسطى.. أوريهم لكل الناس عشان يعرفوا أنِّى كبيرة، يومها والدى حب يكرمنى قوى، فجاب لى قلم تروپين، يعنى غالى، ييجى بسبعين قرش كده، نفس الجيل اللى اذْبهَل لما شاف القلم الجاف.

أنا من الجيل اللى انبهر جدًّا لما علبة البولوبيف أصبح لها مفتاح ولسان ندخله فيه ونلفه فتنفتح العلبة من غير فتَّاحة، ومن الجيل اللى ماكانش يعرف كلمة كولد كاتس، لكن يعرف عرق البسطرمة وعرق المُرتَديلَّا، وأخدنا وقت عشان نحفظ كلمة لانشون.. من الجيل اللى توقَّف كثيرًا أمام حاجة اسمها كايزر، كنا فاكرينه بسكويت، واندهشنا لما قالوا لنا إنه عيش، لأ وبيتفتح ويتحط فيه جبنة.

أنا من الجيل اللى اعتبر أنه دخل التاريخ لما طابع البوستة أصبح بيلزق من غير ما نلحسه، وظرف الجواب بيتقفل من غير ما نقضى باقى اليوم بنستطعم طعم الصمغ اللى لزق فى بُقِّنا.

أنا من الجيل اللى مفاهيمه اتلخبطت لما لَقينا بتاع كده بيتلبس، لا هو بنطلون ولا شراب فيليه محتاج كورسيه بمحبس نشبك فيه طرفه، اسمه كولون، نلبسه فيدفِّى أقدامنا وطالع لحد زورنا، كنَّا حانمشى به فى الشارع، زَلْط كده، لحد ما العلماء فهِّمونا أنه بيتلبس تحت الهدوم.

أنا من الجيل اللى حضر -اسم الله على مقامك- اختراع السِّشوار.. كُنَّا فاكرينه الأول أداة بطح لو مادفعناش الحساب عند الكوافير، وكنا بنقعد تحت حلة كبيرة كده واحنا لفِّين شعرنا بالرولو اللى مزروع فيه دبابيس معدن، حوالى 45 دقيقة، وهى بتْفِح هَوا سُخن نار، فتلهلب فيها أورمة نافوخنا، والدبابيس تسيب علامات حرق فى الفروة، ولا السيخ المحمى، مع أن لو كانوا سابونا فى الطَّل الوقت ده كان شعرنا نشف لوحده والله.

أنا من الجيل اللى لما خلفت بنتى كنت بأغسل كل يوم على إيدى، حاجة بتاعة اتناشر كافولة ولفّة وملاية سرير أطفال وقماط وفانلتين وش وضهر وفستان وباڤتة، أغليها فى ميَّة وبشر صابون أو بودرة، وبعدين أنشرها عالحبل، وخرِّيت ساجدةً عالأرض أدعى للى اخترع الغسالة والپامبرز، واعتبرت أن مشاكل حياتى انتهت.

أنا من الجيل اللى بسمل وحوقل واستعاذ بالله من الشيطان الرچيم لما واحد حكى لى أن فيه جهاز ممكن ندخل فيه ورقة مكتوبة ونضرب رقم تليفون أرضى طبعًا، قوم ذات نفس الورقة -والعياذ بالله- تطلع عند واحد تانى فى أمريكا مثلاً، وقال لى إن دَه اسمه فاكس، قلت له أنت حاتهجَّص بقى؟ ده ثلاثى أضواء المسرح كان بيتريق ويقول لك فيه مكنة تدخَّل فيها العجل من ناحية، يطلَّع علب بولوبيف من الناحية التانية، وتقريبًا أهنت الراجل على اعتبار أنه بيسرح بى.

أنا من الجيل اللى استمد معلوماته من كتب وكراريس ومذكرات، وكان يعشق رائحة الورق اللى تَوه لسَّه خارج من المطبعة، وسمع الغنوة من الراديو، وحوِّش مصروفه عشان يشترى أسطوانة 45 لفَّة، أو 78 لفّة ونص، وأنا من الجيل اللى حفظ شعر نزار قبانى وصلاح چاهين وأحمد فؤاد نجم، وسمع أغانى لعبدالحليم حافظ وفيروز وإنريكو ماسياس وآزناڤور والبيتلز بنفس القدر، واللى كانت من ضمن هواياته المراسلة، وجمع طوابع البريد، وكان بيحضر صلاة العيد وقدَّاس الميلاد المجيد بنفس القدر والانتظام.

أنا من جيل الثورة العلمية والتكنولوچية هجمت عليه وابتدت تكتب بسرعة رهيبة على دفتر حياته، زى اللى كان ماشى فى سلام ببطء فى شارع هادى، كل اللى شاغله إنه حايطلع سِلِّمة أو ينزلها، أو ياخد باله وهو بيعدى الشارع من العربية اللى جاية من بعيد تكرْكَرْ دى، فجأة لقى نفسه فى وسط ميدان ملتقى لمائة شارع، وحواليه سيارات وبسكليتات وموتوسيكلات وتكاتك وكارُّو وغواصات وبواخر وسرب وز وقطيع ماعز وجمال وقطط وكلاب وعِرس وفئران وأسود ونمور وأسماك قرش وكل المخلوقات بتطارده، وجنبه ناس شكلهم غريب وكائنات من كواكب أخرى، وفوق دماغه طيارات وصواريخ وأطباق طائرة، حتَّى الجو اتملى بإشعاعات غريبة وألوان أحمر وبنفسجى.. القصد، أنا من الجيل اللى لسَّه مَذْعُور من حجم التقدم اللى دخل حياته، وبرضه من نفس الجيل اللى أقسم إنه مش حايخلى الكهربا تُفرمه، لكن حايواكب ويفهم ويتعلم من أول وجديد.. عمر العلم الجديد ما حايخوفه ولا حايخليه ينزوى داخل قديمه، ويُؤثر السلامة، أنا الجيل اللى فارد دراع ناحية تاريخه وقابض عليه بكل عزمه، والدراع التانية مضفرها فى دراع اللى أصغر منه عشان يكون حلقة وصل وسلسلة متصلة.

الخلاصة، أنا من جيل يشعر فى أحيان كثيرة بالزَّهو والفخر والسعادة، وفى أحيان أخرى بالذُّعر والتَّوهَان والانزعاج الشديد والعزلة، إزاى؟

نلتقى بعد الفاصل..