زوجات الرؤساء «1-7»

عرفت مصر فى العهد الملكى دورًا محددًا للملكة، التى تحمل تاج العرش، وتتمتع بميزات مستقرة، ولها مسئوليات متعارف عليها تتصل بالعمل الاجتماعى وأنشطة البر والمبادرات الخيرية، ولم يكن الأمر قاصرًا على الملكة وحدها بل إن سيدات العائلة المالكة كُنَّ شريكات لها فى ذلك، فالأميرات يتسابقن لإنشاء المبرات والمشاركة فى الخيرات، ومازلت أتذكر أن مستشفى «هليوبوليس» كان فى الأصل مستشفى «الأميرة فريال»، وقِسْ على ذلك عشرات النماذج لما قامت به أميرات الأسرة العلوية من أنشطة اجتماعية فى المجالات كافة، وعندما قامت ثورة يوليو عام 1952 فإن أول رئيس للجمهورية وهو «محمد نجيب» لم يدفع بأم أولاده إلى ساحة الحياة العامة وفقًا للتقاليد الجديدة المرتبطة بالنظام الجمهورى، الذى كان المصريون حديثى العهد به، ولقد عانى الرئيس محمد نجيب كثيرًا وعاش ظروفًا صعبة بعد الصراع على السلطة، بدءًا من عام 1954، وخضع للإقامة الجبرية، وجرى نقله إلى إحدى مدن الصعيد أثناء العدوان الثلاثى عام 1956 خشية أن تحاول بريطانيا تقديمه بديلاً لعبدالناصر، ولقد نسى الناس نجيب لسنوات طويلة فى غمار كاريزما الزعيم الراحل عبدالناصر.

وقد علمت أن الرئيس محمد نجيب قد تزوَّج مرة أخرى، وكان يذهب إلى قرينته فى مسكنها بمصر الجديدة، يرافقه حارسٌ يُلازمه كما حكى لى ذلك الصديق اللواء شريف خفاجى الذى كان مرافقًا للرئيس نجيب، وهو ضابط صغير فى أواخر الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضى.. وبذلك، فإننا لا نجد دورًا لقرينة أول رئيس للجمهورية المصرية فى حياتنا العامة. وعندما وصل «عبدالناصر» إلى سدة الحكم كان دور السيدة الفاضلة «تحية كاظم» قاصرًا على بيتها، وتربية أولادها، والاهتمام بالرئيس، الذى هو حبها الأوحد من المهد إلى اللحد، ولم يكن يراها الناس كثيرًا إلا فى مناسبات محدودة، وعندما رافقت زوجها فى زيارة رسمية إلى «اليونان» قال خبراء البروتوكول إن حرم الرئيس المصرى سوف تتأبط ذراع «الملك بول»، بينما تتأبط «الملكة فيكتوريا» ذراع الرئيس عبدالناصر، ولكن الرئيس المصرى الصعيدى اعتبر ذلك تجاوزًا، واعتذر عن عدم قبوله، وظل وفيًّا لتقاليده العائلية التى التزم بها.

ولى شخصيًا ذكريات مع السيدة الفاضلة «تحية عبدالناصر»، والدة زميلتى فى الدراسة د. هدى، والصديق الراحل المهندس خالد، وزميلى فى السفارة بلندن عبدالحميد، وقد دعتها «أنديرا غاندى» سيدة الهند القوية ورئيسة وزرائها إلى زيارة رسمية عام 1980 فأوكل إلىَّ السفير الراحل هشام عامر سفيرنا فى الهند –آنذاك- القيام بمهمة الاستقبال وترتيب الإقامة والتواصل مع الجانب الهندى فى هذا الشأن، وقد فعلت ذلك بحماس شديد نتيجة احترامى لها، ولأنها أم زميلتى وصديقى، وعشيَّة وصولها اتصلت بى الخارجية الهندية لإبلاغى بأن السيدة «أنديرا غاندى» سوف تكون فى استقبال ضيفتها بمطار «نيودلهى»، وأن الاستقبال لن يتم فى قاعة الشرف فقط، ولكن فى القاعة التذكارية الكبرى، التى تُجرى فيها الاحتفالات الخاصة بالضيوف ذوى المكانة الرفيعة من رؤساء الدول، وعندما عبرت السيدة «تحية» لحظة وصولها عن شعورها بآلام الصداع النصفى، كان «راجيف غاندى» -الذى خَلَف أمه فيما بعد فى رئاسة الحكومة الهندية، ثم جرى اغتياله هو الآخر- هو الذى هرع إلى صيدلية المطار باحثًا عن الدواء المناسب للضيفة الكبيرة، وقد قرَّرت أن أُقيم لضيفة الهند عشاءً رسميًّا فى منزلى، ودعوت أنا وزوجتى بعض الشخصيات الهندية العامة وبعض السفراء العرب مُتحاشيًا أولئك الذين كنت أشعر منهم بالتجاهل إلى حد العداء بعد توقيع «الرئيس السادات» لاتفاقية السلام، ولكننى فوجئت بهم جميعًا يتصلون بى راجين دعوتى لهم للمشاركة فى استقبال قرينة الزعيم العربى الرَّاحل، وفى أثناء حفل العشاء أعلن سفير الكويت، وكان عميدًا للسلك الدبلوماسى العربى، أن العشاء على شرف السيدة المصرية العظيمة سوف يكون فى منزله، فى اليوم التالى، وحظيت قرينة عبدالناصر بتكريم لا نظير له.

أمَّا المناسبة الثانية، فعندما طالب الادعاء فى قضية «تنظيم ثورة مصر» بإعدام خالد جمال عبدالناصر اهتزت السيدة الراحلة من وقع ذلك، واتصلت بالرئيس الأسبق مبارك، وقالت له إن النبى قد أوصى على سابع جار وأنا جارتك «فقد كان منزلها مجاورًا للمركز الرياضى للقوات الجوية الذى يذهب إليه الرئيس كل يوم»، فقال لها: إننى أعرف صلة مصطفى الفقى بكم، وسوف أوفده لك غدًا.. وبالفعل، ذهبت إليها وجلست معها جلسة ودودةً لا أنساها، وقد استقبلتنى فى الحجرة التى تضم صور زعماء العالم مع الرئيس الراحل، وقد طمأنتها تمامًا، وقلت لها إن ادعاء النيابة ليس بالضرورة هو الحكم المحتمل، وكانت سعيدةً وراضيةً ومؤمنةً ومتواضعةً وبسيطةً على نحو يدعو إلى الاحترام، حتى لقَّبها الناس بالسيدة الجليلة..

هذه هى زوجة الرئيس جمال عبدالناصر، التى رحلت عن عالمنا فى ثمانينات القرن الماضى!

زوجات الرؤساء «2-7»