زوجات الرؤساء «2-7»

استعرضنا فى المقال السابق لمحات سريعة عن سيدات العصر الملكى، ومررنا على فترة الرئيس «محمد نجيب» كما استعرضنا تاريخ السيدة «تحية كاظم» قرينة الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر»، وسوف نفرد السطور القادمة للحديث عن «سيدة من مصر» كما أسماها الكاتب الراحل «أحمد بهاء الدين»، وأعنى بذلك السيدة «جيهان رؤوف»، قرينة الرئيس الراحل «أنور السادات»، وصاحبة الدور الكبير فى الحياة المصرية خلال العقود الأخيرة، والسيدة «جيهان رؤوف» هى ابنة موظف مصرى، شاءت لها الأقدار أن تكون سيدة مصر الأولى، لأكثر من عشر سنوات، تسللت فيها إلى قلوب المصريين بشكل ملحوظ، لأنها تتمتع بذكاء اجتماعى واضح، ناهيك عن تواضع وبساطة شديدين، ولقد بدأت قصتها مع الرئيس الراحل «أنور السادات» عندما كانت تستمتع بما يرويه الضابط «حسن عزت» زوج إحدى قريباتها، حيث كانت قصة «أنور السادات» تشد فضولها، وتحرك مشاعرها، حتى أنها عرفته قبل أن تراه، وأُعجبت به إعجابًا شديدًا تختلط فيه المشاعر الوطنية بأحاسيس التعاطف الإنسانى لرجل اختار طريقًا صعبًا من أجل وطنه، وقد كانت ظروفه معقدة للغاية؛ فهو ضابط مفصول من الخدمة العسكرية، ومنفصل عن زوجته أم بناته، فضلاً عن مغامراته السياسية ذات الطابع الوطنى، التى لا تتوقف أبدًا، وكلما سمعت من قريبها عن ذلك الضابط البطل ازدادت تعلقًا به وتقديرًا له..

عندما رأته وهى فتاة فى السادسة عشرة من عمرها لم تفكر فى مظهره أو ما يملكه ولكنها رأت فيه الرجل الناضج الذى يُضحى براحته وسعادته من أجل وطنه واستقلاله وحريته، وقد استمعت إلى ما كان يُقال عن مشاركته فى اغتيال «أمين عثمان» الذى رأى فيه المصريون -بحق أو بغير حق- حليفًا للإنجليز، كما استمعت أيضًا إلى مواقفه السياسية الأخرى وتفضيله النِّضال فى الشارع السياسى على حياة الدعة والمنصب العسكرى المضمون، وبرغم أن «جيهان السادات» كانت فتاة صغيرة باهرة الجمال إلا أنها رفضت كثيرًا ممن تقدموا للارتباط بها وفضلت عليهم ذلك الضابط الأسمر الذى تحيط به المشكلات من كل اتجاه..

وقد روت السيدة «جيهان» أمامى أنها عندما جلست مع «أنور السادات» وبدأ تجاوب المشاعر بينهما، قال لها: ليس لدى ما أقدمه لكِ، لا مال ولا منصب ولكننى أحب أغانى فريد الأطرش، وسوف أغنى لك إحدى أغانيه الشهيرة «يا ريتنى طير لأطير حواليك.. مطرح ما تروح عيونى عليك»، وقد تأثرت الفتاة الصغيرة طيبة القلب بشخصية ذلك الرجل الواضح الذى لا يُخفى شيئًا، ويعبر عن ذاته بصراحة ووضوح، فاقترنت به سعيدةً راضيةً، وظلت إلى جواره حتى لحظة اغتياله، فعرفته قبل ثورة عام 1952 وصعدت معه إلى المدارج العليا كواحد من الضباط الأحرار، وظلت بجانبه وهو نائب للرئيس عبدالناصر، الذى كان يكن لها هو الآخر تقديرًا كبيرًا فى سنواته الأخيرة، وعندما تولى أنور السادات رئاسة الجمهورية تسلطت الأضواء على قرينته، التى لعبت بعد ذلك أدوارًا فى الحياة الاجتماعية والثقافية لمصر، ودعمت حقوق المرأة، وكانت وراء قرار منح النساء حصةً محددةً فى المجالس النيابية، كما أبلت بلاءً حسنًا أثناء حرب أكتوبر وبعدها فى زيارة المستشفيات وعلاج المرضى ومواساة المصابين وعزاء الشهداء فأحبها المصريون، سواء من اتفق مع دورها أو من اختلف معها، فقد كانت ذكية فى كسب الأصدقاء وتحييد الخصوم والابتعاد عن المشكلات المعقدة، وأتذكر أننى التقيتها فى منزل السفير «محب السمرة» قنصل مصر العام فى لندن، وكان ذلك عام 1972، وبهرنى تواضعها وبساطتها، حتى أنها كانت تخاطبنى وأنا دبلوماسى صغير بكلمة «حضرتك»، وقد ظلت إلى جوار زوجها حتى لحظة استشهاده، وقد حكى لى الجرَّاح العالمى الدكتور «مجدى يعقوب» أنه تلقى اتصالاً تليفونيًّا فى ظهيرة السادس من أكتوبر عام 1981 من رئاسة الجمهورية المصرية يطلبون فيه حضوره مع طاقم الجراحة رفيع المستوى، لأن رئيس الدولة قد أصيب بطلقات رصاص أثناء احتفالات العرض العسكرى فى ذكرى النصر، ويقول الدكتور «مجدى يعقوب» إنه فى خلال أقل من نصف ساعة كان فى طريقه إلى «مطار هيثرو» ومعه الطاقم الجراحى الكامل، حيث تنتظرهم طائرة خاصة للاتجاه إلى القاهرة فورًا، وفى الطريق جاءهم اتصال يقول إن السيدة «جيهان السادات» تشكركم، وترى أنه لا داعى للحضور، وهنا يضيف الدكتور «يعقوب» أنه أدرك لحظتها أن «السادات» قد رحل عن عالمنا، فعاد هو والطاقم إلى مستشفاهم يحملون شعورًا عميقًا بالحزن، ولكن اللافت للنظر هو ذلك الصمود الشخصى والأخلاقى الذى تمتعت به السيدة «جيهان السادات» فى سنوات ما بعد رحيل زوجها، فكرست وقتها للتدريس أستاذةً لكرسى السلام فى إحدى الجامعات الأمريكية، وانصرفت إلى رعاية أسرتها والاهتمام بأحفادها وظلت وثيقة الصلة بالمجتمع المصرى ومنتدياته المختلفة وحفلات العشاء التى تقام على شرفها فى مناسبات كثيرة كما اتَّسمت دائمًا بالأدب الجم والتواضع الشديد، ومازلت أتذكر أن أحد مُذيعى قناة الجزيرة المعروفين بكراهية وطنه «مصر» كان يخاطبها أثناء الحديث قائلاً «أنت» وهى ترد عليه طوال الحلقة بكلمة «حضرتك»، وقد أكبر فيها الناس ذلك الخلق الرفيع واستنكروا من ذلك المذيع سوء تصرفه، ولقد مرَّت السيدة «جيهان السادات» مؤخرًا بأزمة صحية كبيرة وخضعت للعلاج فى الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن ندعو لها بالصحة وطول العمر، فهى بحق سيدة من مصر كما وصفها «أحمد بهاء الدين» فى كتابه عنها.