يكشف لـ«7 أيام» كواليس وأسرار حرب سوق الذهب العالمى سامى الراجحى صاحب امتياز منجم السكرى: الاهتمام بقطاع التعدين يجعل مصر من أغنى دول العالم

 لم يَكُن الحديث مع سامى الراجحى، رئيس شركة سنتامين العالمية، وصاحب امتياز منجم السُّكَّرى، مُجرَّد حوارٍ صحفى يتلخَّص فى مجموعة من الأسئلة والأجوبة، لكنه كان بالنِّسبة لى بمثابة خارطة طريق يُمكن أن ترسم لنا معالم النهوض بالاقتصاد المصرى خلال الفترة المقبلة. وعلى الرغم من أن هذا الحديث طغت عليه لُغة الفُكاهة التى تتمتَّع بها شخصية الراجحى الإسكندرانيَّة، فقد حمل أيضًا نبرة الأمل فى المستقبل، والحلم بأن تُصبح مصر مركز التَّعدين فى العالم، نظرًا للتَّركيبة الجيولوجية الفريدة التى حباها الله بها، كما وصفها الراجحى فى هذا الحديث. كما لم يقتصر الحديث على الوضع الحالى لمنجم السُكَّرى، الذى أكَّد أنه أصبح يُدرُّ ما بين 700 و800 مليون دولار فى الاقتصاد المصرى سنويًّا، لكنه تطرَّق أيضًا لشرح ما يحدث فى سوق الذهب العالمى، وأسرار الحرب القائمة بين البنوك المركزية ومُنتجى الذهب فى العالم، والتى كانت السبب فى انخفاض أسعار المعدن النفيس مؤخرًا، علاوةً عن كشف كثير من أسرار عن هذه الصناعة المُعقَّدة التى كشف عنها الراجحى فى هذا الحوار.

(من أسفل إلى أعلى) تطور مراحل العمل فى منجم السكرى حتى عام 2016

فى البداية، نودُّ أن نعرف حقيقة الأخبار التى انتشرت مؤخرًا عن انخفاض معدل الإنتاج فى منجم السُّكَّرى؟

هذه الأخبار ليست دقيقةً؛ لأن إنتاج المنجم لم ينخفض عن مستوى السنوات السابقة، لكنَّ القصَّة تتلخَّص فى أنه كل عام يكون لدينا خطة لزيادة الإنتاج عن العام الذى سبقه، وهذا العام استقرَّت معدلات الإنتاج بنفس معدل إنتاج العام السابق.

ما الأسباب التى أدَّت إلى عدم تحقيق زيادة فى معدل الإنتاج هذا العام؟

جاء ذلك نتيجة مشاكل تقنية تتعلَّق بعملية التشغيل، إضافة لبعض الإجراءات البيروقراطية، لكن رغم ذلك يظل هذا المنجم من أفضل مناجم العالم إنتاجيةً فى الوقت الحاضر، ونتمنَّى أن يكون لدينا فى مصر 100 منجم مثل السُّكَّرى.

لماذا لم نكشف فى مصر عن «سُكَّرى جديد» طوال هذه الفترة؟

لأنه باختصار لا يُوجد من يبحث عن «سُكَّرى جديد» حتى الآن، فالاستكشاف عبارة عن علم وخبرة، وليس مجرد أموال، ولأنه لابُدَّ من الاستعانة بمن لديهم خبرة فى هذا الشأن، وهؤلاء لن يأتوا للاستثمار إلا وفق شروط وأُسس محددة.

ألم تكن تعديلات قانون التَّعدين الجديد عام 2014 كافيةً لحل مشاكل القطاع التَّعدينى ومُشجِّعةً على جذب الاستثمار الأجنبى من وجهة نظرك؟

للأسف، تغيير قانون التعدين لم يكن كافيًا، لأن التَّعديلات أهملت وجود الحوافز التى تُشجِّع المُستثمرين، فكُبرى شركات التَّعدين فى العالم لم تأتِ لمصر حتى الآن، بينما جئنا نحن؛ لأننا مصريون وأردنا أن نُوصِّل رسالةً بأن التَّعدين من المُمكن أن يصنع شيئًا لاقتصاد هذا البلد.

ماذا عن استثمارات شركة سنتامين الخارجية؟

لدينا عدَّة شركات مُتفرِّعة من هذه الشركة، منها ما تعمل فى أستراليا وكندا وكوت ديفوار وبوركينا فاسو، وهناك شركات تعمل فى مناجم الذَّهب والمعادن الأخرى، فنحن نتخصَّص فى المعادن الفلزِّية مثل الذَّهب والنحاس والرصاص والفضة.

هل تأثَّرت أسهُم الشركة بالاضطرابات التى تضرب أسواق المال من وقت لآخر؟

شركة سنتامين شركة كبيرة، ومُدرجة فى بورصة لندن والبورصة الكندية، وأسهمها مطروحة على الـ«main board» فى لندن، وكذلك على مقياس «الفوتس فور»، وهو مقياس يُعتمد عليه فى تصنيف وتقييم اقتصادات دول العالم.

ما أهم العوامل التى تُؤثِّر على سعر سهم الشركة فى البورصات العالمية؟

أسهم الشركة غالبًا ما تتأثَّر بالوضع فى مصر أكثر من تأثُّرها باضطرابات السوق العالمية، فالسُّكَّرى منجم عالمى وإنتاجه كبير، لكن نحن نعمل فى بلد لم يكن مستقرًّا، لذلك فشركات التَّعدين لم تكن تأتى لمصر فى ظل تلك الاضطرابات، لأن العمل فى مجال التَّعدين يتطلَّب توفُّر وضع مستقر على المدى الطويل.

بصفتك مُستثمرًا لديه سُمعة دولية معروفة فى مجال التعدين، لو أردنا أن ترسم لنا خريطة لإنعاش الاستثمار فى مصر، كيف ستكون اقتراحاتك؟

على مستوى الاستثمار الذى نعمل به وهو التَّعدين كل المطلوب لإنعاشه هو القيام بوضع قانون مُشابه للقوانين الموجودة فى البلاد النَّاجحة فى هذا المجال مثل كندا، وأستراليا، وأمريكا، والسعودية، ومصر تمتلك مقومات من المُمكن أن تجعلنا المركز الإبداعى التَّعدينى فى العالم كله.

بمناسبة التركيبة الجيولوجية المصرية.. هل تعتقد أن تلك التركيبة قد تحمل بعض المفاجآت التى قد تُدهشنا وتُغيِّر خريطة الاقتصاد المصرى؟

بالطبع، فمن المُمكن أن نكتشف معادن ثمينة مثل الذهب والنحاس والرصاص والماس أيضًا، وتُصبح لدينا مجموعة من المناجم العالمية لكل هذه المعادن الاستراتيجية، لكن المناجم تتطلب من يكتشفها ولكى تكتشفها لابد من وجود أناس لديهم العلم والإمكانيات.

كثير من الخبراء اعتبروا السُّكَّرى بمثابة ثورة فى استخراج الذهب فى مصر، لأنه أدخل تقنية استخراج المعادن من صخور الجبال.. فماذا عن ذلك؟

بالفعل، كان السُّكُّرى بمثابة اكتشاف جديد، وأظهر للعالم أن مصر لديها فُرصة، فى أن تكون بلدًا تمتلك مناجم من الوزن الثَّقيل، لذلك كُبرى شركات التعدين العالم تتطلع للعمل فى مصر.

استُغلِّت المشروعات التَّعدينية فى الدول المُتقدمة فى بناء مجتمعات جديدة نائية.. كيف يُمكن أن نطبق هذه النظرية فى مصر؟

التَّعدين بالفعل يُمكنه أن يُغيِّر خريطة مصر ويحلّ أزمة التوزيع السكانى، وذلك فى حال نجحنا فى أن نأتى بمُستثمرين جادِّين يستطيعون أن يُقيموا مُجتمعات مُتكاملة، والسُّكَّرى مثال لذلك؛ فهو عبارة عن مُجتمع تعدينى عالمى به كل مُستلزمات الحياة، فلدينا خطوط للمياه ومحطات للتحلية ومحطات كهرباء لديها قُدرة على إنارة القاهرة. والقضاء على البيروقراطية فى قطاع التَّعدين يجعل مصر من أغنى دول العالم، فالتَّعدين من الممكن أن يُضيف لمصر أكثر من دخل قناة السويس والسياحة والبترول والغاز جميعًا، وكما ذكرت من قبل إذا اهتمننا بالتَّعدين، وشجَّعنا شركات التَّعدين الجادَّة على القدوم إلينا سنُصبح مركز التَّعدين فى العالم، ولن نقتصر على تصدير المعادن فقط، ولكن سنُصدِّر خبراء وعمالة مدربة، وسنُصدِّر تكنولوجيا التَّعدين أيضًا، كما يُمكننا أن نُصنِّع مُعدَّات ونُصدِّر المعرفة، وتكون الجامعات ومراكز الأبحاث لدينا قبلةً للعالم أجمع، وهذا هو حلمى الذى أثبت أنه يُمكن أن يتحقَّق عندما نجحنا فى السُّكَّرى.

على عكس قطاع التَّعدين، قطاع البترول والغاز تستثمر فيه حاليًا كُبرى الشركات العالمية، والتى نجحت فى إنجاز مشروعات ضخمة فى وقت قياسى.. كيف تُفسِّر ذلك؟

الفرق بين الاستثمار فى التَّعدين والاستثمار فى البترول والغاز كبير، فهما يتَّفقان فى شىءٍ واحدٍ فقط يتمثَّل فى أن المُستثمر فى الحالتين مُستعدٌّ للاستكشاف وإنفاق مئات الملايين من الدولارات، على احتمالات أن يجد فيها خامًا أو لا يجد، وبخلاف ذلك فالتَّعدين والبترول مُختلفان تمامًا، فالبترول عبارة عن سائل، والسائل لا يحتاج إلا لحفر بئر واحدة لكى نعرف نوع البترول أو الغاز ومن نفس البئر يتم الإنتاج، أما المعادن فتختلف لأنها صُلبة، ولكى يتم تقييمها لابد من حفر مئات الآبار، وليس بئرًا واحدة، كما يجب الهبوط إليها لأنها لا تصعد فى أنابيب كالغاز والبترول، لذلك فالتَّعدين مُعقَّد ويحتاج إلى وقت طويل للتقييم، فحتى ننتج من السَّكرى حفرنا حوالى 750 بئرًا، لذلك الاستثمار فى التَّعدين أخطر، لأنك لا تعلم هل سينجح المشروع أم لا إلا بعد إنفاق الملايين.

سجَّلت أسعار الذَّهب فى الأسواق العالمية انخفاضًا ملحوظًا خلال الشهر الماضى.. ما تعليقك على ذلك؟

الانخفاض والارتفاع فى أسعار الذهب يكونان غالبًا نتيجة للحرب القائمة بين الذين يطبعون النقود الورقية، ومن يستخرجون النقود الحقيقية من باطن الأرض التى تتمثَّل فى الذَّهب، فهناك ما يُسمَّى بحرب الذَّهب، وهى حرب قديمة حديثة، فالبنوك المركزية -خاصة البنك المركزى الأمريكى- لا يُريد أن يصعد سعر الذَّهب لكى لا يسحب المُستثمرون استثماراتهم فى الدولار ويضعونها فى الذهب، لذلك يتم كبح جماح سعر الذَّهب كلما أُتيحت له الفُرصة أن يصعد. وبالمناسبة يصل إنتاج كل مناجم العالم من الذَّهب لأقل من 3000 طن سنويًّا، بينما يصل معدل الطلب فى السوق لنحو 4200 طن، أى إن هناك عجزًا بنحو 1200 طن سنويًّا، لذلك من الطبيعى أن يحدث صعود مُطرد فى الذَّهب لولا تدخُّلات تلك البنوك.

هل تعتقد أن مُعدَّل الاستثمار فى الذَّهب سيزداد خلال الفترة المقبلة، خاصةً فى ظل التَّوتُّرات الجيوسياسية بين الدول الكُبرى؟

على الرغم من أن البنك الفيدرالى الأمريكى وعددًا من البنوك المركزية فى العالم تُحجم على شراء الذَّهب لكبح أسعاره، فإن هناك بنوكًا مركزية تشترى الذَّهب بكثافة، مثل البنك المركزى الصينى، وكذلك البنك المركزى الروسى؛ ولذلك أرى أنه من المُمكن أن نشهد فى يوم من الأيام أن تكون البنوك المركزية ليس لديها ما يكفى من احتياطيات الذهب، التى تستطيع أن تضخه فى السوق لكى يكبح سعره، ولذلك أيضًا أتوقَّع أن ترتفع أسعار الذهب بشكل غير مسبوق، خاصة عندما يكتشف الناس أن النقود المطبوعة ليس لها غطاء، بعكس ما كان قبل عام 1971، عندما كانت الورقة النقدية عبارة عن مُستند يُمكن استبداله بالذَّهب، وهو ما سيضطر البنوك المركزية فى يوم من الأيام أن تلجأ للغطاء الذهبى من جديد حتى لو بنسبة ضئيلة؛ لأنه لا يوجد ذهب فى العالم يُغطِّى كمية الورق المطبوع.

أخيرًا.. كيف تنظر إلى مشكلة البحث العشوائى عن الذَّهب فى جنوب مصر؟

حبى الله مصرَ بجيولوجيا مليئة بالمعادن، ولذلك انتشرت هذه الظاهرة، والتَّنجيم العشوائى أعتبره جريمةً فى حق مصر، ولابد أن يتوقَّف، خاصةً أن من يعمل فى هذا المجال أُناسٌ يُتاجرون فى الذَّهب وأشياءَ أخرى ضد القانون.