شرم الشيخ التى وقعتُ فى هواها!

على الرغم من الأزمات التى تتعرَّض إليها شرم الشيخ بسبب تراجع السِّياحة الرُّوسيَّة والبريطانيَّة التى تعتمد عليها، فإنها لم تفقد جمالها وفتنتها وجاذبيتها.

حافظت المدينة على شوارعها النَّظيفة، وخُضرتها المُنتشرة فى كل مكان، وروحها الخفيفة التى يندر أن تجدها فى مدينة أخرى.

وأعترف بأننى وقعتُ فى هواها منذ أن رأيتها أول مرة وهى تحت الاحتلال الإسرائيلى، ولم يتغير عشقى لها وأنا أعيش فيها أيام المُنتدى الثَّانى لشباب العالم الذى استضافته مؤخرًا.

فى بداية شهر يونيو 1981، التقى السادات وبيجن على أرضها قبل جلاء إسرائيل عنها، وكان علىَّ -بحُكم عملى مُراسلاً عسكريًّا لروزاليوسف- أن أغطِّى اللقاء.

عُقد اللقاء فى الفندق الوحيد البسيط الذى كان يستقبل هُواة الغوص، وقد شُيِّد من الخشب والحَصير ليسهل نقله إلى إسرائيل إذا ما انسحبت، فإسرائيل كانت تحمل معها كُلَّ ما وضعت فى سيناء، حتى حنفيات المياه، كما كانت تهدم المُستوطنات التى بنتها عند خروجها منها، ولم تترك الفندق الذى بنته فى طابا إلا بعد أن حصلت على ثمنه.

وبجانب ذلك الفندق بنت إسرائيل عددًا محدودًا من العمارات ليسكن فيها موظفوها المدنيون، أمَّا القادة العسكريون فكانوا يقيمون فى المُعسكرات.

وأعلى قِمَّة تطلُّ على خليج نعمة اختار الموساد مكانًا له تحت غطاء مدرسة لدراسة البيئة، وفيما بعد تحوَّل المكان إلى فندق مُتميِّز المعمار.

لم يضف الإسرائيليون إلى المدينة شيئًا آخر، ما يدل على أنهم كانوا يدركون أنهم سينسحبون منها مهما طال الزَّمن.

وما إن انتهى لقاء السادات وبيجن حتى تحدثا فى مؤتمر صحفى عُقد فى المطار، ولأن المطار لم يكن جاهزًا للطَّيران الليلى ألحَّ رجال السادات عليه لركوب طائرته قبل آخر ضوء، ومن السرعة نسى السادات نظَّارته الطبيَّة على المَنَصَّة التى كان يتحدث عليها، ولقُربى منها أخذتُ النَّظَّارة.

لاحظتُ أن النَّظَّارة فى «خُف الرِّيشة»، وعندما سلمتها لواحد من أمناء الرئاسة هو عبدالفتاح المنجورى عرفتُ منه أنها مصنوعة من طبقة رقيقة من ظهر سُلحفاة، ولم أتعجب ممَّا سمعت، فالسادات كان واحدًا من أكثر الشخصيات العالميَّة أناقة، ولم يكن ينافسه سوى نجوم السينما وقتها، مثل الممثل الفرنسى إيف مونتان.

عُدتُ إلى شرم الشيخ لأُغطِّى الانسحاب الإسرائيلى منها، ويومها تكرر مشهد المجندات الإسرائيليات وهن يقتلن أنفسهن من البكاء، وهو مشهد رأيته فى كل مكان على أرض سيناء انسحبت منه إسرائيل.

انتبهت مصر -ربما للمرة الأولى- إلى أهمية شرم الشيخ سياحيًّا، فبدأت بتشييد الفنادق فى خليج نعمة، وكان فندق هيلتون أول الفنادق الحكومية هناك، ولكن الفندق الذى نال سمعة سياسية كان فندق موفنبيك، الذى امتلكه حسين سالم، فقد كان يستضيف مبارك ورجاله خاصة فى الإجازات والأعياد.

وفى الوقت نفسه، كان لمبارك مكتب فى منتجع التاور، الذى يمتلكه جمال عمر فى منطقة الهضبة.

وما إن بنى حسين سالم منتجع الجولف حتى خصَّص لمبارك أكثر من فيلا، حُوكم عليها فيما بعد.

والحقيقة أن مبارك كان وراء نمو المدينة وانتعاشها، وشجَّع -بتكرار زيارته لها- المستثمرين على بناء القرى السياحية، حتى أصبحت مقصدًا عالميًّا لجنسيات مختلفة، وحققت لمصر عائدًا سنويًّا يزيد على ستة مليارات دولار.

ولكن فى الوقت نفسه، كانت شرم الشيخ هدفًا لضرب الاقتصاد بتفجيرات مُتعددة، نُفِّذ آخرها على أرضها فى عام 2008، وما إن حدثت تظاهرات يناير 2011 حتى تأثرت السياحة من جديد هناك، وتكرر التأثير السلبى بمواجهة الدولة للإرهاب فى شمال سيناء.

ولتلافى مَوَات المدينة شجَّعت الحكومة سياحة المُؤتمرات فيها، ولم يكن الهدف كسبًا ماليًّا فقط، وإنما تقديم أدلة للعالم على أن المدينة آمنة.

ولعل مشهد الرئيس وهو يتجوَّل فى المدينة بدرَّاجته -قبيل افتتاح مُنتدى شباب العالم- كان رسالة واضحة على أن مدينة السلام تعيش فى سلام.

لاشك أن وجود خمسة آلاف شاب فى المُنتدى من ستين دولة يدعم هذه الرسالة.

ولو كان التاريخ علَّمنا أن الإرهاب مهما طال وتجبَّر سيسقط قتيلاً، فإن الجغرافيا تؤكد لنا أن شرم الشيخ ستظلُّ مدينة رائعة الفتنة ومبهرة الجمال.