عذابات الطفولة

تحترق قلوبنا أمام دموع الطفولة وتتمزَّق مشاعرنا أمام آلام المرض لدى الصغار، بل إننى كلما شاهدت إعلانات علاج الأطفال مرضى السرطان ونظراتهم الحائرة فإننى أشعر وكأننا لا نُدرك أن عذابات الطفولة أقسى ما يمكن أن تُبتلى به أُمَّة، وكتبت من قبل إننى أشعر بأسى بالغ كلما رأيتُ عجوزًا فقيرًا لا يملك قوت يومه وهو فى ختام رحلة حياته، وكذلك الأمر كلما رأيتُ طفلاً مريضًا، فهو يبدأ سلم الوجود وأولى درجات الحياة وهو محروم من الصحة، مسلوب العافية، وأتذكر اليوم السيدة «سوزان مبارك» وهى عائدة من زيارة بعض ملاجئ الأطفال، ومعظمهم أيتام، أو مجهولو النسب، وقد رأيتها للمرَّة الوحيدة فى حياتى والدموع فى عينيها وهى تتحدث عن حال الأطفال الصغار الذين شاهدتهم فى ذلك الصباح، وكيف أنهم يتركون طفلاً صغيرًا مع غُلام يكبره بعدَّة سنوات فى أسرِّة مُشتركة مع الحالة المُزرية للأطفال صحيًّا ونفسيًّا، وكانت زيارة السيدة «سوزان» مفاجئة لذلك المكان، فلم يتمكن القائمون عليه من وضع الرتوش وتزييف الصورة، فرأت الحقيقة التى أبكتها إلى الحد -وهى المعروفة بالهدوء- الذى جعلها تصيح فى وجه المُشرفات وتقول لهُنَّ: إنَّكُنَّ تدَّعين التَّديُّن كما أرى، فهل تقبل الأديان ما تفعلنه؟! وهل هذا الإهمال وغياب الضمير أمر يُرضى الله ويتَّفق مع شرائعه؟!».

إننى أسوق هذا المشهد لكى يُدرك الناس مرارة الأوضاع التى يُعانى منها الأطفال الذين يعيشون بيننا ونحن لا نُدرك حجم مُعاناتهم ونوعية العذاب الذى يتعرضون له، والذى لن يجعل منهم أبدًا مواطنين أسوياء ذات يوم، ولقد كنت أتحدث منذ فترة مع الوزيرة النشطة «غادة والى»، وفاجأتنى بطرح جديد قالت فيه إن هناك اتِّجاهًا لإلغاء الملاجئ ودور الأيتام ودمج الأطفال فى المُجتمع من البداية للتَّخلُّص من المظاهر السلبية التى كُنَّا نتحدَّث عنها؛ حتى ينشأ الطفل فى بيئة طبيعية مهما كانت بسيطة، إلا أنها أفضل من حياة العُزلة داخل أسوار أبنية يقوم عليها مُشرفون مُعظمهم بلا خُلُق أو ضمير، وهنا أطرح المُلاحظتين التاليتين:

أوَّلاً: إن التفكك الأسرى يبدو مسئولاً عن جزء كبير من مُعاناة الطفولة وآلامها، كما أن غياب الإحساس بالمسئولية لدى كثير من الشباب هو الذى أنتج لنا طفولة معذبة تعيش فى ظروف تعسة، ولا شك أن حالة التمزق العائلى كفيلة دائمًا بأن تصنع الآلام والأوجاع للبراعم الصغيرة وهم يبدأون سنوات العمر ويتطلعون إلى الحياة القادمة، كما أن عالم المخدرات يتحمل هو الآخر مسئولية غياب الرشد وذهاب العقل الذى يؤدى إلى تصرفات غير مسئولة للشباب ينتج عنها أطفال لُقطاء بلا أهل ولا مأوى.

ثانيًا: إن تأمُّل نوعية الجرائم التى طرأت على مجتمعنا يؤكد أن ذلك المجتمع قد تغير، وأن البشر ليسوا هم أولئك الذين كنا نعرف من قبل.. أب يقتل أبناءه، وآخر يُلقى بهم فى مياه النهر، وثالث يخنق ابنه فى الفراش، وأم تتجرَّد من أمومتها وتقتل طفلها الوحيد بمُعاونة عشيقها، إننا أمام مشاهد جديدة لم نعرف لها مثيلاً من قبل، وجرائم من نوعية لم يكن لها نظير فى الماضى، وذلك يعنى حتمية التشدد فى وسائل التربية والتأهيل المطلوب للأزواج ومتابعة أحوال الطفولة من خلال المجلس القومى الذى يحمل اسمها.

إن دموع الطفل تحرق الأكباد، وتقضى على كل محاولات إسعاد الذات؛ لأن الطفل هو «ترمومتر» المجتمع، وسعادة الشعوب تُقاس بدرجة ازدهار الطفولة وراحتها وحبها للحياة. بقيت نقطة أخيرة أودُّ أن ألفت النظر إليها، وهى أن الطفولة صانعة المستقبل، وهى الرصيد الباقى للأمة، فإذا أحسنَّا إليها فإننا نكون قد حقَّقنا عدَّة أهداف فى خطوة واحدة، ويجب أن نتذكَّر أن رئيس الولايات المتحدة الأسبق «بيل كلينتون» يحمل اسم زوج أُمِّه، وأن أحد مُستشارى دولة ألمانيا العظام كانلقيطًا؛ فالعبرة فى النهاية بأساليب التربية، ونوعية التعليم، والثقافة المُحيطة بالطفل والبيئة التى ينمو فيها ويستكمل مقوماته العقلية والنفسية من خلالها.. إن براءة الطفولة وابتسامة الصغير هى الدنيا ومن عليها، وقديمًا قالوا: اللهم اكلأنى كلاءة الوليد الذى لا يدرى ما يُراد به ولا ما يُريد!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.