عن وجع الكتابة بعد المصيبة

وجدتها فرصة أن أستغل زيارته القصيرة إلى مصر، وأستضيفه، كى يستفيد المصريون بعلمه، فمثله لا يتكرَّر كثيرًا، هو د. أسامة حمدى أستاذ السكر فى جامعة هارفارد، الجامعة الأولى فى العالم، التى يتخرج فيها رؤساءٌ وملوكٌ، وتتحكم فى اقتصاد دول.. لقد نجح هذا النابغة فى أن يغزو هارفارد بما تعلمه فى كلية طب المنصورة، وأصبح مديرًا لبرنامج السمنة المرضية والسكر فى مستشفى جوسلين، التَّابع لدولة هارفارد، وهو أهم مستشفى أبحاث لعلاج السكر فى الكرة الأرضيَّة.

استعانت به روسيا فى وضع البرنامج القومى لهم فى مكافحة السمنة التى تؤدى إلى السكر، وعلاج السكر بالتغذية السليمة، وله كتاب حقق أكثر من مليون نسخة مبيعات فى الولايات المتحدة الأمريكية، هذا الكتاب سعره يتجاوز الثلاثة أصفار بالجنيه المصرى.. مثله لا تستطيع أن تقابله أو أن تحصل على موعد معه دون ترتيب وإجراءات مُعقَّدة، ولكن لبرنامج «مصر تستطيع» معزةٌ ونفوذٌ قوىٌّ فى قلبه، يستجيب فورًا لأى نداء لنا، هو مصرى أصيل لا يتردد لحظةً فى الاستجابة لنداء الوطن فى الوعى والتوعية بالعلم.. استمتعت بثقافته وعلمه وحضوره القوى على الشاشة، وتحدث معى عن أحدث طرق علاج السكر والتغذية السليمة، وقال بيقين تام لو أصيب أحدهم ببدايات مرض السكر هناك أمل كبير فى علاجه عن طريق منع دخول أى سكر صناعى للجسد لمدة شهرين، والاكتفاء بالسُّكر فى الفواكه فقط.. تحدث ببساطة الفلاح عن لكنته الأمريكية بطعم أهل المنصورة، وتحدث عن موضة بين أبنائنا بالسُّخرية من كل من يتحدث الإنجليزية بلكنةٍ مصريةٍ.. عليك أن تتحدث مثل الأمريكان أو الإنجليز نفسهم حتى يقبلوك! وقال د. أسامة إن الهنود يتحدثون الإنجليزية بطريقتهم، ورغم ذلك فإنهم متفوقون، حينما تتحدث مع الأمريكى بلغته، وبأى لكنةٍ، فأنت أصبحت متفوقًا عليه! لأنك تعلمت لغةً أخرى، وهو لا يجيد سوى لغة واحدة، ولن تنجح فى جامعة هارفارد لو كنت تتحدث الإنجليزية باللكنة الأمريكية دون تفوق علمى يستحق ذلك، فهذه المعايير ليست موجودة سوى فى خيال البعض الذى يعانى من الجهل.

فى صفحة القناة على «فيسبوك» عرضت فيديوهات الحلقة، ووجدت هذا التعليق..

«كلامك غير علمى وغير دقيق وانت بتهبد يا دكتور فى أى حاجة».

وفى «الريبلاى» على نفس التعليق، وجدت آخرين يكتبون: «معاك حق، ده مبيفهمش فى أى حاجة وهبِّيد كبير».

وتحول التعليق و«الريبلاى» إلى موجة من الضحك والقهقهة والاتهامات لهذا العالم الكبير.

فُضولى دفعنى للتجول فى بروفايل هذا الشاب، الذى يَتَّهم عالمًا فى جامعة هارفارد بعدم الدقة.. تخيَّلت فى البداية أنه لجنةٌ إلكترونية تابعة لجماعات الخرف، ويا ليته كان كذلك.. هو يبلغ من العمر تقريبًا ١٤ سنة، مازال طالبًا فى المدرسة، كل إنجازه فى الحياة أن لديه 100 «فولورز» على «فيسبوك»! تجولت فى «التايم لاين» الخاص به، فوجدته يملأ الفضاء الإلكترونى نظرياتَ كونيةً عن الذرة والثقب الأسود والاقتصاد والكرة.. مليئًا بالسباب بأبشع الألفاظ.. يدعم التحرش ويعتبره رجولة، ويسمى وطنه «مثر» وأحيانًا «ماااصر»، ويرفض أن يكتب اسم مصر، ويهاجم كل من يدعو لرفعة وطنه، ولديه من يقول له «الله عليك»!!

حينما التحقت بالصحافة لم أستطع أن أكتب مقال رأى قبل 15 سنة، طفت فيها أرجاء المطبخ الصحفى والإعلامى.. تربَّيتُ على أن الكتابة للجمهور هى مكافأة سنوات من التعب والشقاء فى الصحافة. لا ألومه فربَّما كنت شابًا طائشًا فى عمره، أفعل ما يفعله، لكن لم يكن لى نافذة أحوِّلُ فيها طيشى إلى آراء كونية.. ربَّما كنت شابًا طائشًا يقف على الناصية لمعاكسة الفتيات، لكن جسدى تلقى ضربًا مبرحًا من والدى رحمة الله عليه.. ربَّما شكانى جيرانى لـ«طول لسانى»، لكننى تأدبت بمحاضرات لا أستطيع أن أنساها من جدى وجدتى وأبى وأمى.

لقد كنتُ طفلاً نابغةً، يستطيع قراءة الصحف وحده.. اصطحبنى جدى لمقابلة إحدى قريباته، وكان جدى يرتجف فى حضرتها، وكانت المرَّة الأولى التى رأيت فيها جدى يخاطب إنسانًا آخر بصيغة «يا طنط»، فقد كانت أكبر منه فقط بخمسة أعوام، وكانت تعمل الجدَّة فتحية مُدرسةً فى القصر الملكى قبل ذلك، تحدثت مع جدى كثيرًا فى الصالون الملىء بالتُّحف والأنتيكات الراقية.. تململت من حوارهما، وحاولت التدخل، وأنا هذا الطفل المعجزة، الذى يقرأ الصحف وحده، فنظرت هذه المُربِّية الفاضلة إلى جدى، ووبَّخته، ثم عاقبتنى بالوقوف على أطراف أصابعى بقية الجلسة، وحرمتنى من الشوكولاتة، التى حضَّرتها لى قبل اللقاء.

لقد تغيَّر الزمن، وتغيرت قواعده، ووسائل التواصل، لكن لم تتغير القيم والأخلاق والتربية.. تابعوا أبناءكم على وسائل التواصل الاجتماعى، ولا تنخدعوا بشكلهم الرقيق فى المنزل، فقد يبدو أحدهم مُهذَّبًا راقيًا متحضرًا أمامك، وهو يُمارس كل أنواع التحرش وسوء الأدب والإرهاب على «فيسبوك»، فى زمننا إذا أساء أحدهم كُنَّا نشكو إلى والده الذى كان يهذبه، فماذا نفعل إذا أساء أحدهم على وسائل التواصل الاجتماعى، هل يحتاج الأمر إلى عمل «منشن» للأهل؟!

أحمد فايق