عودة الأب العاق

فى كل الأفلام والمسلسلات المصرية زمان شخصية الأب كان ليها هيبة وثقل «بابا جه يا ولاد» فتلاقى العيال جريوا ووقفوا طابور أكن الملك فاروق داخل عليهم! وفى نفس واحد «حمدالله على سلامة حضرتك يا بابا».. طبعًا ده مشهد أوفر قوى بس كان بياكل مع الناس أيّاميها. ساعات واحنا بنتفرج على الأفلام الأبيض وأسود كانت مامتى تمصمص شفايفها وتقول لى «شايفة بيكلموا أهلهم إزّاى» زى ما تكون فاكرة إن زهرة العلا بتعمل كده فى الحقيقى.. ما علينا، مفهوم الأب والأم تغيَّر مع تَغيُّر الزمان، لكن لسّه فيه كلاشيهات مكمّلة معانا، زى الأم هى نبع الحنان، والأب مصدر الأمان.. ده المفروض، بس هل ده اللى بيحصل فى الواقع؟؟

للأسف، هذا الجيل الذى هو حاليًا بين الثلاثين والأربعين من عمره يعانى من نسبة طلاق مرتفعة جدًا، بناءً على دراسات أجراها جهاز التعبئة والإحصاء.. نسبة الطلاق فى مصر وصلت إلى 40 فى المائة! وده طبعًا رقم خيالى.. أسباب الطلاق كثيرة، ومش هخش فيها دلوقتى علشان دى عايزة مجلد كامل مش مقالة.. اللى يهمنى أكتر اللى بيحصل بعد حدوث الانفصال.. احنا كمصريين بنحب قوى نخلّف أول ما نتجوز، هو الجواز إيه لازمته لو مفيش نونو؟ ولو بعد الشر محصلش حمل خلال سنة بيصيب العائلتين فزع رهيب يُضفى على كل التجمعات نوعًا من التعاسة غير الملموسة.. طيب جه البيبى وجه التانى ثم دب خلاف وتم الطلاق.. من هنا بتبتدى الحوسة الكبيرة..

الرجالة أنواع، ويبقى افترى منِّى لو قلت إن صوابعى كلها زى بعضها.. فيه رجَّالة كتير محترمين وبيفضلوا يكفُّوا بيوتهم حتى بعد ما يسيبوها، بس فيه رجالة (إن جاز هذا الوصف أصلًا) لما بيرموا يمين الطلاق بيرموا كل حاجة تانية وراه من الشباك! أحب أطلق على المجموعة الحلوة دى «عاطف وإخواته». دول ما يميزهم هو قلة الكرامة وتخن الجلد، إحساس بالمسئولية معدوم وكإن علاقتهم بهذه العيلة انقطعت تمامًا وبمثابة طلعهم من عند المأذون! ومن هذه اللحظة «بيعمل عاطف». «يا سيدى مصاريف المدارس» «وأنا مالى حد قال لك تدخليهم مدارس خاصة؟» «طب العيال عايزين كسوة؟» «ماشى هابعت لك 1000 جنيه!» «طب تعالى أحضر حفلة الحضانة؟» «مش فاضى ورايا شغل» «طب وما لو فيه شغل يبقىفيه فلوس؟» «لأ، مفيش مليم أكتر من اللى بتاخديه ولو مش عاجبك عندك 60 حيطة فى البيت اخبطى راسك فى اللى تعجبك»!.. وخدى من ده لغاية ما الست تطهق من الشحاتة والزن والذل وتقول يلعن أبو العيشة واللى عايشينها.. فيه اللى بيدوروا على مصدر آخر للمال وفيه اللى بتتخبط فى دماغها وتقرر قال إيه تاخد حقها بالقانون! هاأوأوأو هنا بقى بداية الإهانة اللى على أصولها.

محكمة الأسرة مكان لاذوذ، يعمل به أشخاص فى منتهى الرقى والاحترام، مؤمنين جدًا بحقوق المرأة ومراعين ربنا فى شغلهم اللى معتمد عليه مصير أسر كتير! تخشى يا ست الكل تقبلك مدام ابتسام اللى مش طايقة نفسها ولا طايقكى من قبل متعدّى، دى المفروض الأخصائية الاجتماعية اللى بتدرس الحالة قبل ما الملف يخش للقاضى.. «إيه شكوتك يا حبيبتى؟» «ما بيصرفش على الأولاد ومصروف البيت مش بيقضّى».. «بيدِّيكى كام فى الشهر».. «حضرتك هو مش موضوع كام، المصاريف اللى علىَّ أكتر بكتير من اللى بيبعته وأقل من دخله بكتير قوى».. «يعنى كام برضه».. «3000 جنيه».. «ومش عاجبينك؟ ده فيه بره ستَّات قاعدين بقالهم سنتين مستنيين يتحكملهم بـ400 جنيه!!».. «أنا مابقولش إنى مش أحسن من غيرى بس أنا ممكن تكون عندى مصاريف تانية مش عندهم».. والست تلاقى نفسها داخلة فى حديث بوهيمى مع واحدة تعرفها بقالها 10 دقائق! إيه العبث ده، واحدة رايحة تطلب حقها وحق ولادها ليه تتلام من ابتسام؟ وهل مطلوب منها تقعد فى هذا المكتب البائس وتسرد لهذه الشلتة قصة حياتها وإن السَّواق لوحده بياخد 1500 جنيه؟؟ هل علشان تاخد حقها الشرعى لازم تقضى ما تبقى من شبابها فى هذا المبنى اللعين؟

فى اللحظة دى تشعر السيدة إنها بتتعاقب على غلطة فى أسوأ الأحوال هى وزوجها السابق مشتركين فيها، هىَّ ماعملتش جريمة لما طلبت الطلاق، وهل علشان تعيش عيشة كريمة هى وأولادها مطلوب منها تحط فى بقِّها جزمة وتستحمل الإساءة والظلم؟ فماذا تفعل المرأة فى هذا الحال ؟هل تنتظر حكم المحكمة الذى سيصدر حين ميسرة بعد معركة أليمة مع طليقها الذى سوف يقدم مستندات توفى بأن دخله 2300 (وهو بيقبض 60,000) جنيه فى الشهر !ولا تكفى خيرها شرّها وتنزل تشوف لها شغلانة تعرف تصرف عليها وعلى عيالها منها؟ فى كلا الخيارين هتبص لروحها فى المراية فى يوم وتقول «يا عينى على الحلو لما تبهدله الأيام»..

دانا الباز