على غرار فيلم «إعدام ميت».. إسرائيل تتحقق من عدم تصنيع «طهران» القنبلة الذرية كيف اخترق «الموساد» الأرشيف النووى الإيرانى؟

لم يدرِ صُنَّاع فيلم «إعدام ميت» أنه بعد 33 عامًا من إنتاج الفيلم سيقوم جهاز الموساد الإسرائيلى بتنفيذ عملية استخباراتيَّة لمعرفة إذا ما كانت طهران بصدد صُنع قُنبلة ذرية تُهدِّد بها أمن إسرائيل أم لا، وبالفعل قام رجال الموساد الإسرائيلى باختراق الأرشيف النووى الإيرانى، مثلما فعل الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، عندما تمكَّن من الذهاب لمُفاعل ديمونة الإسرائيلى؛ لمعرفة حقيقة إشاعة صُنع إسرائيل قنبلة ذرية.

بعد ثمانية أشهر من القيام بهذه العملية، نشرت جريدة يديعوت أحرونوت تقريرًا يشرح المعلومات التى تمَّ جلبها من طهران

يبدو أن قصَّة الفيلم لاقت إعجاب رجال الموساد الإسرائيلى ليقوموا بتنفيذها فى عام 2018، لكنهم لم يعتمدوا على رجل واحد مثلما فعلت المخابرات المصرية، بل اعتمدوا على مجموعة من رجال الموساد الذين لم تذكر التقارير عددهم بدقَّة، ولكنها أشارت إلى أنهم أقل من 10 رجال.

ومن وجهة نظرى كان على جهاز الموساد أن يُقدِّم جزيل الشكر للسينما المصرية التى قدَّمت أعمالاً سبقت عصرها بعشرات السنين، ليقتبس منها الآن جهاز الاستخبارات الإسرائيلى خطة مُحكمة لكى يتمكَّن من الوصول إلى الحقيقة.

ولقد كشفت جريدة يديعوت أحرونوت مؤخرًا عن المعلومات التى حصل عليها جهاز الموساد عقب هذه العملية فى طهران.. تلك العملية التى تمَّ التخطيط لها منذ عامين من قبل مئات الأشخاص، حيث نجح عُملاء الموساد فى اختراق عُمق الأرشيف النووى الإيرانى.

فى منتصف الليلة الأخيرة من شهر يناير هذا العام كان عُملاء الموساد فى الغُرفة الأكثر سريَّةً فى طهران، حيث تمكَّنوا من فتح الأبواب الحديدية الثَّقيلة، وتحييد جهاز الإنذار، وكسر الخزائن، وكان فى مُخيِّلتهم أنهم يبحثون عن أوراق ومجلدات، لكنهم وجدوا أيضًا أقراصًا صُلبةً، وكانت المهمة الأولى لهؤلاء العُملاء الوصول لحقيقة المشروع النووى الإيرانى، وما خطط إيران النووية، ولقد حصل هؤلاء العُملاء على هذه الأقراص الصُّلبة لمعرفة كل المعلومات التى تفى بغرض هذه العملية.

بعد ثمانية أشهر من القيام بهذه العملية، نشرت جريدة يديعوت أحرونوت تقريرًا يشرح المعلومات التى تمَّ جلبها من طهران، وبالفعل تم الكشف عن معلومات دقيقة وتفاصيل جديدة تُعتبر كنزًا للمخابرات الإسرائيلية؛ فلقد وثَّق الإيرانيون كل شىء عن المُعدَّات وإنشاء المصانع والمواقع السرية، حتى إنهم قاموا بتصوير أنفسهم أثناء القيام بالتجارب عن طريق صور السيلفى، ووفقًا لمواد الأرشيف النووى بدأ المشروع النووى العسكرى الإيرانى السرى يتبلور منذ عام 1992-1993، وأن القيادة الإيرانية هى التى أعطت إشارة البدء لهذا المشروع تحت اسم «مشروع أمادو»، وكان الهدف من هذا البرنامج هو تطوير خمسة رءوس حربية، و10 كيلو طن من القنابل النووية، وتطوير القُدرة على تجميع هذه الرءوس الحربية على صواريخ شهاب.

وكانت الوثائق المُفصَّلة بخط اليد لأحد النجوم العظماء فى المشروع النووى، وهو البروفيسور محسن فرحى زادة، وهو يُعد المدير والرأس المدبر لهذا المشروع، وكان زادة هو الهدف الأسمى للاستخبارات الإسرائيلية، وبالفعل تم النظر فى إمكانية إلحاق الأذى به بشكل جدِّى من قبل رجال الموساد، ولكن لم يحدث ذلك. والآن، قد يكون هناك من يندم على عدم تنفيذ هذا القرار بعد الاطِّلاع على هذه المعلومات.

كما كشفت الوثائق الإيرانية أيضًا عن أحد الخبراء النوويين الإيرانيين المتشددين ألا وهو الدكتور مهدى ترانشى، وهو أيضًا لاعب كمال أجسام، ولقد وثَّق نفسه أثناء إجرائه التجارب فى موقع «تالكان1» وهو يرتدى نظارات واقية من أضرار التجارب.

ولقد وردت أيضًا أسماء مهمة لعلماء فى هذا البرنامج النووى الكبير مثل الدكتور عباسى دوعانى، وهو رئيس قسم الفيزياء فى جامعة الإمام الحسين بطهران، ويُعتبر المحور الرئيسى للبرنامج النووى الإيرانى، ولقد تمَّت مُحاولة اغتياله، ولكن قُتل صديقه ماجد هرارى وتمكَّن عباسى من الفرار فى اللحظة الأخيرة، ويُرجَّح أن مُحاولة الاغتيال كانت من قبل رجال الموساد الإسرائيلى.

وتقوم المخابرات الإسرائيلية بمُراقبة الأرشيف النووى الإيرانى عن كثب منذ بداية عام 2017، وكانت العملية مُخطَّطة بدقَّة، حيث إن أحد مُصمِّمى هذه العملية وصفها باسم الفيلم الشهير ocean 11 c، حيث إن من يقومون بهذه العمليات يخترقون المكان ويُصوِّرون المادة التى يُريدونها ثم يُغادرون دون أن يُلاحظهم أحد، ولكن فى هذه المرَّة قرَّر رئيس الموساد يوسى كوهين أن المواد يجب أن تُسرق، وعدم الاكتفاء بتصويرها، والسبب فى ذلك له شقَّان؛ الأول: لتقصير وقت العملية، والثانى أن يكون هناك وثائق وأدلَّة على طهران حتى لا تتمكَّن من الإنكار أو الادِّعاء بالتزوير، وتتمكَّن إسرائيل من تقديم الأدلة والوثائق لفحصها من قبل المجتمع الدولى.

شارك فى التدريب لهذه العملية على مدار عامين مئات من رجال الموساد من جميع فروعه، أما من تسلَّلوا فكانوا أقل من 10 أشخاص لم يناموا لعدَّة ليالٍ مُتتاليةٍ بسبب التدريب المُستمر على العملية ليلاً ونهارًا.. وفى مساء يوم 31 يناير وصل الطاقم إلى خزينة الأرشيف النووى، وعندما انتهوا من العملية وخرج جميع رجال الموساد دون أى خطر يقع عليهم، اتَّصل كوهين برئيس الوزراء نتنياهو وأخبره: «لقد نجحنا».

وفى الأشهر التى مرَّت بعد العملية كان هناك تذمُّر وشكاوى كثيرة فى إسرائيل والخارج حول طبيعة عرض المواد التى تمَّ الحصول عليها فى العملية، ولقد قال كوهين فى اجتماع مُغلق: «لم تُوقِّع إسرائيل على الاتفاق النووى، ولم يُوقِّع الموساد على الاتفاق النووى.. لدىَّ اتفاق واحد مع شعب إسرائيل أتعهَّد فيه بأن الإيرانيين لن يكون لديهم قنبلة ذرية.. هذا كل شىء».