7 أيام تحاور أول مدعِ عام للمحكمة الدولية لويس مورينو أوكامبو: نصيحتى للفلسطينيين كاميرات تليفوناتكم أقوى من الحجارة والرصاص

فى كل مرة يقدم أحدهم النصيحة للشعب الفلسطينى يقول: (اتبعوا غاندى.. تبنوا اللاعنف منهجا للمقاومة).. وفى كل مرة يكون الجواب الفلسطينى باندفاع: (كيف ندحض العنف باللاعنف؟ كيف ندافع عن أنفسنا وسط هجمة شرسة لا تتوقف.. فالاحتلال بطبعه عنيف.. وما نقوم به إن لم يكن مقاومة فهو الوسيلة الوحيدة التى أمامنا فى صراعنا للبقاء).. لم يكن لويس مورينو أوكامبو مختلفًا عن غيره فى هذه المناشدة: (علموا أبناءكم ترك الحجارة ورفع كاميراتهم بوجه الاحتلال.. هذا هو المجدى.. وثّقوا الجرائم والانتهاكات واستعملوها سلاح مقاومة بوجه الاحتلال).. تبنى نظام روما الأساسى إقامة المحكمة الجنائية الدولية فى 17 يوليو 1998.. وقد أدى المحامى البارع لويس مورينو أوكامبو اليمين الدستورية لقبول منصب المدعى العام الأول للمحكمة الجنائية الدولية فى 16 يونيو 2003 لدورة واحدة مدتها تسع سنوات.. واشتهر بقضايا فى وطنه الأرجنتين كمحامٍ وكمدعٍ عام بقضايا محاربة الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان.. ذاع صيته فى قضية رأى عام شغلت الأرجنتين فى أواسط الثمانينيات فيما عرف (بمحاكمات جونتاس) وكان يشغل حينها منصب المدعى العام، فى سابقة تم تقديم تسعة جنرالات بمن فيهم ثلاثة رؤساء للمحاكمة، وتمت إدانة خمسة منهم.. واشتغل بقضايا القانون الجنائى وحقوق الإنسان الدولى كمحامٍ فيما بعد، واشتهر بقضايا مكافحة الفساد وتمثيل الضحايا بجميع قضاياه.. لويس مورينو أوكامبو، الشهير باسمه الأخير الذى صاحب ولسنوات عدة هيمنة المحكمة الجنائية الدولية فى التصدى للجرائم ضد الإنسانية.

ما الذى يعنيه هذا المنصب «المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية»؟ وما المحكمة الجنائية الدولية بالضبط؟

فكرة المحكمة الجنائية هى فكرة جديدة.. هل تعرفين كم عدد المرات التى ذكرت هذه الكلمة «حقوق الإنسان الجنائية العالمية» فى ميثاق الأمم المتحدة؟ الجواب هو صفر.. تم الحديث فى السابق عن إجراء محاكمات للنازية فى 1945، ولكن لم تتكلم أىٌ من الدول عن هذا الموضوع بجدية أو متابعة حتى نهاية الحرب الباردة.. ما جرى فى يوغسلافيا، وعرض الصور للمجازر التى ارتكبت فى مخيمات الاعتقال ذكّرت العالم بصور الهولوكوست وكانت المشاهد صادمة، وبعد ذلك حصلت مجازر رواندا.. هذه كانت بداية الحراك الحقيقى نحو تأسيس جسم ما.. عندما تأسست المحكمة الجنائية الدولية بعد عشرة أعوام فى 1998.. وكانت المعضلة بإشكالية وجود جسم كمحكمة دولية تكون لها سلطة أعلى من الدول نفسها.. فالدول الكبيرة مثل الصين، وروسيا، وأمريكا لا تعجبها هكذا فكرة.. هى ليست بحاجة لمن يطبق القانون.. الفكرة مجدية للدول الصغيرة فى أوروبا، وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.. فى تلك الدول التى تعانى من جرائم حقوق الإنسان.. جاءنى اتصال وقالوا لى: كان اسمك بالقائمة، والآن اسمك بأعلى القائمة، ولكننا لا نعرف إن كنت ستحب الوظيفة.. بالنسبة لى القانون ليس بالتفاصيل.. إنما هو حياة أو موت.. فأنا أرجنتينى، وأول قضية لى كانت كمحامٍ ضد شخص خطف ٥٠ ألف شخص وقتل ١٠ آلاف شخص وعذبهم.. رأيت كم هو مهم أن نطبق القانون من أجل الإنسان.. كم هو مؤثر.

نادية حرحش مع مورينو أوكامبو

فى البرازيل يقال إن القانون هو سلاح للقوى ليتحكم بالضعيف، وهناك مثل يقول: أى شىء لأصدقائى، لأعدائى القانون.. ولكنى وجدت فى ممارستى للمحاماة، إذا ما طبقت القانون على آلاف الأشخاص، سيقدّر الناس هذا.. وخلال عملى كمدعٍ عام فى الأرجنتين قدمت للمحاكمة 3 رؤساء سابقين، 9 جنرالات، وسياسيين، وقضاة، وشركات كبيرة.. فكرت، إذا ما استطعت أن أفعل هذا كمدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية سيكون العالم مثاليًا، وسنستطيع أن نغير العالم.. تعلمت أن أتكلم مع الضحايا، لأن الشرطة كانت تقتصر بشغلها على الجرائم نفسها، ولذا لا يمكن الاعتماد عليها.. فكنا نستدعى الضحايا، شهودًا، وأفراد عائلة، وهكذا كنا نوثق ونثبت عمليات الخطف والقتل.. كانت قوتى من قدرتى على أن أكون قريبًا من الضحايا وإقناعهم لإثبات قضيتى.

نصيحتى للفلسطينيين ولكل المظلومين فى العالم: كاميرات تليفوناتكم أقوى من الحجارة والرصاص


إذا ما كان القانون بحوزة الأقوياء، وإذا ما كان الضعفاء يعتقدون أن القانون وضع من أجلهم فما الجدوى من القانون؟

من أجل هذا علينا تمكين الضعفاء من خلال المحامين، وعلينا أن نعمل من أجل إيجاد محامين قادرين على تمثيل الضعفاء وتمكينهم.. من أجل إقناع الضعفاء نحتاج لمحامين أقوياء.. لا أستطيع أن أقول إن القانون دائمًا مثالى ولا أقول كذلك إنه من السهل خلق قضايا قوية، ولكن البديل هو عالم بلا قانون.. وهذا يعنى أن العالم يكون للأقوياء فقط وهذا أسوأ بكثير.

أحب عدوك.. هل هذا كان سبب عدم قيامك بتفعيل قرار إيقاف البشير؟

عندما دعوت البشير –وقتها- كان عدد الدول التى وافقت يعادل بالضبط عدد الدول التى اعترضت، لذا كان هناك الكثير من المنتقدين وكان هناك الكثير من الاتهامات.. كانت لدى البراهين فى قضية البشير، كنت أمام خيارين؛ أن أدعو البشير أو لا أدعوه. استعملت نظام التصويت وكانت النتيجة النصف وكنت فى مكان نصف من ينظر إلىَّ هو ضدى ونصفهم معى، وهذه هى الحياة.. من يوافقك لا يتكلم لأنه معك، ولكن من هو ضدك يحاول الإثبات.. ولكن اعتقال البشير لم يكن من صلاحياتى. حاولت أن أكرس الجهود لاعتقاله خارج السودان لأنه لم يكن بمقدور الشرطة السودانية أن تعتقله لأنه يتحكم بالسلطة هناك.. عندما ذهب للقذافى كانت هناك محاولة لإثبات أن السيادة معه وأنه حر. ولكن عندما ذهب إلى جنوب أفريقيا، كان عليه أن يهرب، لأن السلطة القضائية بجنوب أفريقيا قررت إلقاء القبض عليه.

وماذا عن القذافى؟

القذافى كان الرئيس التالى، عندما جاء الثوار فى 2011، دعوت كذلك ابنه ورئيس استخباراته السنوسى.. دعوت كذلك رئيس ساحل العاج لوران جباجبو، ونائب الرئيس فى الكونغو، وقائد القوات الكونغولية السابق جان بيير بيمبا، ورئيس كينيا الحالى جومو كينياتا، الذى كان نائب رئيس الوزراء فى حينه.

بكلمات أخرى، لقد قمت بأخذ دور المحكمة الجنائية إلى خطوة إضافية من تلك التى تقف مقابل الحركات الإجرامية والمنتهكة للإنسانية، إلى أخذ رؤساء الدول إلى هذا المستوى من المحاسبة؟

فكرة أن رئيس الدولة لا يحظى بحصانة أمام المحاكم الدولية هذه ليست فكرتى.. هذا قانون.. نظام روما الأساسى ينص على هذا بوضوح. أنا لم أخترع القوانين. كل من يرتكب جرائم ضد الإنسانية يجب أن يحاسب، وعندما تكون هذه هى المرة الأولى، يكون الموضوع صعبًا ولكن يجب أن يتم القيام به.

ماذا يعنى الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية؟ ما الذى نستطيع عمله هنا فى فلسطين لتفعيل هذا؟

أن تكون بمحكمة الجنايات الدولية، يعنى أنك كذلك ملتزم بعدم ارتكاب الجرائم. فهنا يجب ألا يكون هناك قتل أو جرائم مرتكبة.. هناك ثلاثة مواضيع أمام المحكمة الجنائية الدولية: موضوع غزة والجرائم المرتكبة بعد 2014، وموضوع المستوطنات، حيث إن العرب قدموا فى 1998 مذكرة بهذا الشأن.. وموضوع سفينة مرمرة، التى قدمها محامٍ تركى بالنيابة عن الضحايا ممن يحملون جنسية جزر القمر كدعوى للمحكمة، بالإضافة لهذه القضايا الثلاث يستطيع أى فلسطينى أو إسرائيلى الذهاب للمحكمة الجنائية الدولية بشأن أى جريمة يتم ارتكابها من قبل السلطات.

يشكى الفلسطينيون من أن الجرائم التى ترتكبها إسرائيل من قتل يومى يعتبر ممنهجًا؟

هناك ادِّعاء بأن هناك نمطًا فى ارتكاب الجرائم.. أثبتوا ذلك.. أقول للفلسطينيين درّبوا الأطفال على أن يستعملوا الكاميرات بدلاً من رمى الحجارة.. علموهم انتهاج التحليل الفورنسيكى (تحليل بيانات الطب الشرعى.. يفحص البيانات المنظمة فيما يتعلق بالجرائم النمطية، والهدف منه اكتشاف وتحليل الأنشطة الاحتيالية) كوسيلة لإثبات النمط التى تستعمله إسرائيل فى جرائمها.. هذا هو الطريق الذى أتمنى من الفلسطينيين استعماله فى إثبات قضاياهم.. استغلوا الفرصة المتاحة أمامكم وابدأوا باستخدام القانون.

هل الحكومة هى التى تستطيع تقديم الدعاوى؟

كلا.. كلا.. هذا خطأ.. أى مواطن فى العالم يستطيع أن يبعث بمراسلات للمحكمة الجنائية الدولية.. هذه لا تكون قضية، ولكنك تساهم بإيداع معلومات تساهم بتقوية القضية.. المعلومات بهذه الحالة تتحول لأدلة. المعلومات تكون أهم عندما تأخذ طابع الأدلة.. ليس المطلوب إرسال بيانات سياسية. يجب الابتعاد عن هذا.

إذا ما قمت بتجميع أدلة حول موضوع ما، هل أستطيع فعلاً تقديم مذكرة للمحكمة الجنائية؟ هل سيتم الاطلاع عليها؟

نعم.. هناك فلسطينى قدم مذكرة عندما قتل ابنه فى العام الماضى ولقد رصدت الكاميرات هذا. ما فعله هذا الرجل كان مهمًا. فهذا الرجل أثبت أن عملية قتل الفتى كانت متعمدة.. هكذا أمور تكون فاعلة جدًا.

هل كل إنسان يستطيع التقدم بشكوى أو مذكرة للمحكمة الجنائية الدولية؟

كل إنسان بالعالم يستطيع التقدم بشكوى أو مذكرة.. أذكر معلمة من منغوليا كانت تبعث لى برسائل من طلابها أسبوعيًا يقولون لى على أى موضوع يجب أن أركز.

من يقرر فتح قضية؟

المدعى العام هو الوحيد الذى يملك القدرة على فتح ملف، وعلى المدعى العام أن يراجع الوضع فى المكان المعنى، يجب إثبات أن هناك جرائم يتم ارتكابها لا يتم التعامل معها فى الدول المرتكبة بها، ويجب أن تكون القضية قد استنفدت الطرق القانونية.. يجب أن يكون الموضوع موضوع جرائم وليس انتهاكات لحقوق الإنسان، ويجب أن تكون الجريمة المرتكبة فى مكان المشتكى والمشتكى عليه. ووقت ارتكاب الجرائم والمدة الزمنية المتاح الرجوع إليها كذلك. عندما تجتمع كل العوامل المتممة لفتح الملف يقوم المدعى العام بذلك، وهنا يستطيع المدعى العام تقديم المذكرات التى تم تقديمها سابقًا والتى تحتوى على الحوادث التى تم تقديمها.

أى مواطن فى العالم يستطيع أن يبعث بمراسلات للمحكمة الجنائية الدولية.. هذه لا تكون قضية، ولكنك تساهم بإيداع معلومات تساهم بتقوية القضية

هل هذا يعنى أن ما تقوم به السلطة الفلسطينية من تقديم شكوى للمحكمة الجنائية الدولية يستطيع كل فلسطينى القيام به كذلك؟

بالطبع، أحب فكرة محاكم الظل.. إذا استطعتم توثيق أن ما يقوم به الإسرائيليون فى الأشهر الثلاثة الأخيرة يشكل نمطًا مُمنهجًا للقتل، هذا سيؤثر على الإسرائيليين قبل أن يتم تقديمهم للمحكمة الجنائية، لأن إسرائيل تحاول بكل جهدها تجنب المساءلة. فهذا بلا أدنى شك سيؤثر على تصرفاتها تجاهكم كشعب. هنا يكون تأثيركم أكبر من تأثير المحكمة فى التغيير أو وقف الإجرام المرتكب.. ما أحب أن أقوم به بفلسطين أن أعلم الأطفال كيف يحمون أنفسهم.. لا ترموا الحجارة.. لا تهاجموا.. خذوا صورًا.. وثّقوا ما يجرى.. وثّقوا المكان إذا ما تم قتل أحد أو جرحه.. تدربوا على التحليل الجنائى «الفورينسى».

لا أظن أن العنف يساعد الفلسطينيين بل يجب أن يجدوا طريقًا كغاندى الذى كان قائدًا مناضلاً وحارب من أجل الحقوق ووقفبالمظاهرات

اليوم، وأنت خارج دور المدعى العام، ما الأفق الذى تريد أن تراه بالمحكمة الجنائية الدولية وخارجها؟

لا توجد هناك وظيفة بالعالم أكثر تحديًا وإثارةً من تلك التى قمت بها على صعيد التحدّى الشخصى.. كان فخرًا لى أن أقوم بذلك العمل لمدة تسع سنوات.. أفتخر بأننى كنت جزءًا من بناء هذه المحكمة.. كان أصغر أبنائى فى حينها عمره 4 سنوات، وتركت المنصب وعمره 13 سنة.. أشعر بأننى أحتاج لأن أكون بالبيت أكثر، وهذا ما أقوم به، ولى مكتب للمحاماة خاص بى فى نيويورك، وأقوم بالتعليم بجامعة هارفارد وأقوم بالأبحاث، وأحب أن أقوم بالتعليم بمجال القانون بطريقة مختلفة بإدماج نهج جديد، فالقانون هو الحياة أو الموت.

إسرائيل تحاول أن تظهر وكأنها تحترم القانون؟

لا أظن أن العنف يساعد الفلسطينيين بل يجب أن تجدوا طريقًا كغاندى الذى كان قائدًا مناضلاً، وحارب من أجل الحقوق ووقف بالمظاهرات، وتعرض للضرب وكان مستعدًا لأن يذهب إلى السجن.. يجب أن تفكروا بقيادة تأخذكم إلى هذا الاتجاه.. تعليم أطفالكم بهكذا نهج لكى تخرج قيادة تقود كغاندى.. خذوا صورًا بدلاً من رمى الحجارة.. خذوا صورًا وأرسلوها للمحكمة الجنائية الدولية.

نادية حرحش