ليلة الـ«بيبى دول» فى أسوان!

يُوصَفُ الإنسان بأنه «حيوان اجتماعى» يستحيل عليه العيش بمفرده.. ولاختلاف البشر كان عليهم التَّوصُّل إلى قوانين تُعاقب المُجرمين والتَّوافُق على تقاليد تُقرِّب بينهم، يُنبَذُ من يخرج عنها وكأنه مُصاب بالجُذام.

ولو شاءت جماعة من الناس الخروج على عُرف سائد فإنها تفعل ذلك بعيدًا عن العيون الناقدة التى لن تتركها دون التشهير بها وتحريض فئات وطبقات المجتمع عليها.

هذا ما حدث عندما نُشر على شبكات التواصل الاجتماعى أخبار وصور «فرح» فى أسوان تصاهرت فيه عائلتان من كبار أثرياء رجال الأعمال فى مصر.

لم يلفت النظر استمرار العُرس ثلاث ليالٍ، فمن حق أصحابه تحديد المدة التى تُسعدهم، ولو كانت شهرًا.. ولم يتوقَّف أحد عند التكلفة الباهظة التى دُفعت بسهولة رغم أنها وصلت إلى 25 مليون جنيه، فمن حكم فى ماله ما ظلم.. كما أن أفراح العائلات الثرية تتفجَّر بمظاهر التَّرف التى لا يهمها فيه التكلفة.. وإنما يهمها المُنافسة فيما بينها.. للتأكيد على تميُّزها وتفرُّدها وثرائها، وهو ما يجعلها تبتكر فى اختيار المكان والديكور، وزهور الزينة، ونوعية الطعام المستورد من دول مختلفة وهدايا الضيوف، دون مُراعاة للظروف الصعبة التى تعيشها أطقم الخدمة والمُقارنة التى ستُجريها فى داخلها بين حياتها وحياة من تسهر على تنفيذ رغباتهم.

وتململ البعض من أن يكون احتفال اليوم الأول فى بهو معبد فيلة، الذى وصلت إليه العروس فى قارب مُضاء بخيوط ملونة من الضوء، ليكون فى انتظارها زوجها وعائلتها قبل أن تمُرَّ من بوَّابة مُغطَّاة بالزهور تُؤدِّى إلى ساحة المعبد.. كان سرُّ التَّململ أن ينال العُرس من قدسية المكان الذى شُيِّد للصلاة على الموتى وليس لدقِّ طبول الزفاف.. ولكن.. النَّقد هنا لا يُوجَّه إلا لوزارة الآثار التى منحت موافقتها على الحفل بكل ما فيه من تهديد وتخريب للمعبد الذى تمنع تعليماتها مجرد التصوير فيه وتراقب كل من يدخله نهارًا وترفض زيارته ليلاً.. وهنا أتساءل: ألم يخشَ المُحتفلون من الإصابة بلعنة الفراعنة التى قد تُصيب الزوجين فلا يستقرَّان فى حياتهما معًا؟

وكان حفل اليوم الثانى فى مسرح مُغلق غرب مدينة أسوان ارتبكت فيه حركة المرور بسبب تدفُّق سيارات المدعوُّين إليه فى وقت واحد، ما ألقى عبئًا واضحًا على رجال الشرطة الذين كان عليهم أيضًا تأمين نجوم السينما والشخصيات العامة التى وصلت إلى المكان.

كل ذلك فى حدود ما يجرى عادة فى حفلات الأثرياء مهما كانت المُبالغة فيه، ولكن ما تجاوز الحدود حفل اليوم الثالث الذى وصف بـ«ليلة الحنَّاء».

و«ليلة الحنَّاء» تقليد قديم يسبق يوم الزفاف عادةً، وتلتقى فيه العروس بصديقاتها ليتصرَّفن على راحتهنَّ بملابس داخلية كاشفة ومُثيرة، ولكن لا ضرر منها، فالحفل لا يقربه الرجال، ومن ثَمَّ تتصرَّف النساء قولاً وفعلاً على راحتهنَّ دون قيود بما فى ذلك تقديم النصائح الخاصَّة للعروس فى كيفيَّة التَّعامُل على فراش الزوجيَّة إذا كانت فى حاجة إلى هذه النصائح.

ولكنَّ «ليلة الحنَّاء» فى ذلك الفرح الذى وصفته الصُّحُف بالأسطورى كانت مُختلفةً تمامًا.. جرت فى فندق شهير.. وسُمح بانضمام الرجال إلى النساء.. وكان الشرط الوحيد أن يرتدى الجنسان ملابس غرفة النوم.. وراح الجميع يرقص فى سعادة على أنغام الموسيقى دون أن ينسى التقاط صور له وهو يُقبِّل زوجته وهى شبه عارية مثلها مثل باقى النساء.. فى حالة غير مسبوقة.. كشفت عنها الصور التى نشرها أصحابها بأنفسهم على السوشيال ميديا وكأنهم يفتخرون بأنفسهم فى هذا الوضع غير المُعتاد.

هنا رفض المجتمع ما حدث؛ ليُصبح العُرس حديث الناس فى البيوت والنوادى وعلى المقاهى، فقد خرج أصحاب الفرح عن المألوف دون أن يتكتَّموا ما فعلوا، بل فضحوا أنفسهم بأنفسهم.

إننا فى حاجة إلى سبق فى العلم أو التكنولوجيا أو علاج متاعبنا، وليس فى نشر صور النساء وهُنَّ بالبيى دول، ورجالهُنَّ باليجامات وكأنهم كريستوفر كولومبس لحظة اكتشاف أمريكا.