الرئيس السابق لشركة أبل العالمية ماركو لاندى: زوجتى وحبى لمصر كانا سبب استقالتى من عالم التكنولوجيا

هذا الرجل الذى قدم للعالم أول تليفون بالأزرار وأنهى عصر القرص القديم إلى الأبد، والذى أعاد شركة أبل للحياة وأعطى الفرصة لستيف جوبز ليقدم للعالم الآى فون والآى باد والآى بود..

ماركو لاندى الذى طاف العامل كلّه واستقر فى أكثر من تسع عشرة مدينة.. أسس مؤسسة عالمية لرعاية الفن والثقافة والإبداع فى العالم كلّه.. هذا الرجل حين يتحدث عن مصر.. فلابد أن نسمعه وأن نصغى إليه وأن نعطى كل كلمة يقولها قدرها من الاهتمام ولابد أن تلتفت إلى ما يقوله عن بلادنا لأنه كلام يستحق.. ولأنه من الممكن أن يغير شكل الحياة فى بلادنا.

حين طلبت من ماركو إجراء الحوار معه.. لم يرفض ولم يتردد ووضع شرطًا وحيدًا لهذا الحوار بأن يكون على ضفاف النيل الذى يعشقه ويحب أن يراه طوال الوقت.. وسألته عن سرّ غرامه بمصر فقال:

أزور مصر كثيرًا جدًّا! فأنا عاشق لتاريخ مصر ومهتم جدًّا بالفن المصرى الحديث، فأنا وزوجتى لدينا مؤسسة متخصصة للفن والثقافة وفن الطهو، مكونة من ستين شخصًا، وجميعنا نتجول حول العالم لاستكشاف مواهب جديدة، ثم نستضيفهم فى فيلا كبيرة بالريفيرا الفرنسية ونتحمل جميع التكاليف التى يحتاج إليها الفنانون لكى نوفر لهم مساحة للإبداع والإلهام لأن موقع الفيلا نفسه يعتبر جنة على الأرض.

ما أكثر التجارب التى تمتعت بها فى مصر؟

زيارتى لمعبد أبوسمبل، فهو من أعجب الأماكن التى رأيتها فى حياتى، وأظن أنه بُنى بهذه الطريقة تعمدًا لإبهار كل من يدخله مهما يكن العصر، وأؤمن بأنه ليس هناك شخص رأى معبد أبوسمبل دون أن يصاب بالاندهاش التام.

ما سبب هذا الشغف الكبير بمصر؟

أنا عاشقٌ لمصر، لأننى أؤمن بأن ثقافتها تساعد فى تكوين جزء كبير من الثقافة الإيطالية، فنحن شعوب البحر المتوسط لدينا أشخاص مشتركون شكلوا تاريخنا مثل كليوباترا ويوليوس قيصر وغيرهما.. فتاريخنا مندمج بشكل كبير وهذا شىء يثير اهتمامى كثيرًا، ويمكننا أن نرى هذا الاندماج من خلال مواقع تاريخية مثل معبد دندرة المركب، والذى يمتلئ بالنقوش التى ألهمت الأباطرة الرومان الذين أرادوا أن يجسدوا مثل الفراعنة.

فى وقتٍ ما، كنت أحد الأشخاص الرئيسيين فى عالم التكنولوجيا.. كيف بنيت هذه المكانة؟

كوَّنت نفسى بمعنى الكلمة.. بدأت مسيرتى كمهندس إلكترونى فى شركة إيطالية صغيرة فى مدينة ميلانو وكان اسمها تيليترا وهناك عملنا على تطوير أول معدات الشبكات الرقمية، وكانت هذه اللحظة التى تحوّل فيها العالم من عالم نظرى إلى عالم رقمى، والذى هو العالم الذى وفّر لنا كلّ ما نتمتع به من متعة وتسلية إلى يومنا هذا.

هل عشقت التكنولوجيا بنفس درجة عشقك للفن؟

كان لدىّ الفرصة للعمل على أول تصميم رقمى صُمم فى إيطاليا وفى مجال الاتصالات، فبالطبع كنت متحمسًا بشكل غير عادى! هذه الفرصة وهذه الحماسة هى ما أدت إلى شغفى للتقنية العالية.

كيف صعدت إلى المنصة؟

بعد أن طوّرت هذا النظام فى تيليترا، جاءت لى فرصة عمل فى شركة تكساس إنسترومنتس، وهى من كبرى شركات التكنولوجيا العالمية حتى يومنا هذا.. وكنا أول شركة تصنع التليفون الرقمى، وبالنسبة لى شخصيًّا كانت تجربة أشعرتنى بالمتعة التامة، وبعدها أصبحت رئيس شركة تكساس إنسترومنتس، وأرسلونى إلى هونج كونج لكى أتولى المنصب، وكنت رجلاً فى الثالثة والأربعين من عمره يقود سبعة عشر ألف عامل فى أكبر شركة فى آسيا حتى عرضت علىَّ أبل أن أصبح رئيس أبل أوروبا.. وكانت لحظة سحرية.

كيف كان تأثيرك على «أبل» وكيف تطورت الشركة تحت ولايتك؟

أبل ليست مجرد شركة، فهى مثل الحلم بسبب الإبداع والابتكار الذى لا مثيل له فى أى شركة أخرى فى العالم. للأسف، كان وقتى فيها مليئًا بالعواقب لأننى ذهبت إلى هناك بعد أن كانوا قد قاموا بفصل ستيف جوبز من الشركة فى ١٩٨٥، ومنذ أن رحل ستيف تدهورت الشركه تدهورًا تامًا.. وفى أوروبا، حاولت قصارى جهدى إنقاذ الوضع على مدى ١٢ شهرًا، وجعلت الشركة التى كانت تخسر حوالى ٣٠٠ مليون دولار سنويًا تربح ١٠٠ مليون دولار، وكان هذا تحولاً مبهرًا ونموذجيًا، وعقب هذا التحول جاء لى صحفى من مجلة Business Week ، ليعرف كيف نجحت فى تحقيق هذه الأرباح فى هذا الوقت القصير، وانتشرت مقالته انتشارًا فيروسيًا وكان لها صدى رهيب فى جميع أنحاء العالم، وفى هذه الفترة طلب منى مجلس إدارة «أبل) أن أصبح الرئيس العالمى للشركة.

كنت رئيس «أبل» وأحد الأشخاص الذين أعادوا ستيف جوبز إلى «أبل» فى 1997.. كيف جاء هذا القرار؟

كنّا نمر بفترة عصيبة، ولم نتمكن من تطوير نظام تشغيل جديد، ونظام تشغيل أى جهاز يعمل كالمخ بالنسبة للإنسان، وكانت هذه بداية حكايتى المدهشة مع ستيف.. فكان علينا أن نبحث عن نظام من شركة أخرى مناسب لأجهزتنا، وكان هذا بعد أن قمنا بإعادة هيكلة الشركة ونزع منصب الرئيس فيما أصبحت الرئيس التنفيذى للعمليات، وقمنا بتقييم عدد من الشركات التى نجحت فى تطوير نظام تشغيل، حتى توصلنا إلى شركة صغيرة باسم BEOS الذى قررنا أن نشتريه، وعرضنا ٢٠٠ مليون دولار وقوبل بالرفض، حتى عرضنا ٢٢٠ مليون دولار، ولكنه رفض مرة أخرى! حتى عثرنا على نظام آخر ، ولحسن الحظ، كانت الشركة التى قمنا بتقييمها كرقم 2 هى شركة ستيف، والتى كانت تسمى NEXT لأنه كان يطمح فى أن يجعلها «أبل» المقبلة، ولكنه فشل فشلاً ذريعًا، وكان عليه أن يُغلق فرع التصنيع الخاص بالشركة، ولم يملك سوى نظام التشغيل الذى أردناه، فعندما عرضنا الفكرة عليه وافق على الفور! وقد وقع هذا الموقف فى ١٩٩٧، تمامًا ما أراده ستيف بعد أن استغنت عنه أبل، فعاد إلى الشركة من أوسع أبوابها.. وعندما عاد ستيف، أصبحت «أبل) الشركة التى نعرفها الآن.

هل تعتقد أن «أبل» تمكنت من توفير نفس كم الإبداع منذ رحيل ستيف جوبز؟

كل ما توفره «أبل» فى السوق الآن هو نسخ مطورة مما اخترعه ستيف، وحتى هذا اليوم لم نرَ أى ابتكار، ولم ينجح الفريق الجديد إلى الآن فى أن يخترع شيئًا جديدًا تمامًا.

من وجهة نظرك، ما سبب عدم قدرتهم على الابتكار حتى الآن؟

يجب أن أقول إن ستيف من العناصر الأساسية التى أدت إلى هذا الفشل، فهو كان مديرًا شديدًا جدًّا ولم يخلق فريقًا حوله.

أخيرًا.. حدثنى عن تجربة شخصية متميزة خضعت لها فى مصر.

كنت ذات مرة فى منطقة بريف مصر مع مجموعة من الأشخاص، وكنا نعبر الحقول للوصول إلى طرف النيل.. وفجأة، جاء إلينا مجموعة من الأولاد الصغار.. وسمح لى أحدهم بأن أتجول ببغله، وكنتُ فى شدة السعادة قبل أن أغادر الحقل، حاولت أن أعطيه بعض المال ولكنه رفض رفضًا باتًا وعلمت وقتها أنتى ارتكبت خطأً وشعرت بالغباء ولكن بشدة الإعجاب بهذا الولد الصغير الذى رغم الظروف التى يعيش بها، رفض شفقتى عليه. كان موقفًا مثيرًا للمشاعر، فطوال مدة وجودنا معه وأصدقائه، لم تفارق الابتسامة وجهه وكان فى شدة السعادة! شعرت بما شعر به لأننى أتيت من قرية أيضًا، وأعلم جيدًا أننى لو كنت فى نفس موقف هذا الصبى، كنت سآخذ المال.. رفضه أشعرنى بأن السعادة التى وفرتها له من خلال اللعب معه كانت أهم وأقيم من أى قيمة مادية.. فى كل مكان فى مصر، أحتك بهذه النوعية من الناس العظماء، وأظن أن هؤلاء الناس هم ثروة مصر الحقيقية.

مريم محسن