ماكرون وبريجيت: حبيبى أصغر منِّى!

ضحَّى رئيس فرنسا الشاب بأن يكون أبا، ولكنه نجح فى أن يكون ابنًا لكل الكبار فى بلاده!

لم يتخل عن حبه رغم التَّشهير به، بل لم يندم عن ذنوب الحب التى اقترفها، أو يتوب عنها، رغم الطعنات التى مزَّقت سمعته الجنسية.

رفض أن يضعوه فى زجاجة يكتبون عليها اسمه، ومفعوله، وخصائصه، وتاريخ صلاحيته، ليظل فى داخلها حتى يقضوا على طموحاته السياسية.

وعندما فاز فى آخر انتخابات رئاسية فرنسية يوم 14 أبريل 2017 تساءلت الدنيا: «كيف أصبح هذا الشاب المجهول سيدًا على قصر الإليزيه؟».

إن ماضى الشخصيات الحاكمة يُفسر تصرفاتها الحالية، والعقد النفسية التى عاشتها فى طفولتها تكشف عن أخطائها المزمنة.

وربَّما لهذا السبب تخوض المجتمعات الديمقراطية فى سيرة المرشحين للرئاسة بقسوة، بحثًا عن خطأ واحد ارتكبوه، يُدمرهم ويُخرجهم من المنافسة.

ولكنَّ ذلك لم يمنع تضليل الناخبين أحيانًا، ليصل إلى مراكز السلطة من لا يستحقها، وإن منحت الديمقراطية للشعوب متابعة من تختارهم لحكمها، وتقوِّمهم إذا ما حادوا عن الطريق.

وُلد إيمانويل جان ميشال فريدريك ماكرون فى مدينة «أميان»، يوم 21 ديسمبر 1977.. أبصر نور الدنيا بعد نحو العام على رحيل شقيقة له، وُلدت ميتة، لم يتسن لوالديه (جان وفرانسوا) إطلاق اسم عليها، ودُفنت دون مراسم تشييع، ولا شكَّ أن قدومَه خفَّف الحُزن عنهما، فاختارا له اسم إيمانويل، وهو اسم من التوراة معناه «ابن السماء».. فقد أطلقه النبى أشعيا على المسيح قبل عدة قرون.

جان وفرانسوا طبيبان شاركا فى تظاهرات عام 1968، التى أسقطت الجنرال شارل ديجول، ولكنهما لم يستمرا معًا.. انفصلا وتطلقا فى عام 2010.. ولكنهما توليا رعاية إيمانويل وشقيقه لوران وشقيقته إيستل.

ويبدو أن تلك المأساة دفعت إيمانويل إلى أحضان جدته «جرمين نوجيس»، ليصبح أكثر ارتباطًا بها، حتَّى أنه لم يكن يتحدث إلا عنها، مُتجاهلاً ذكر والديه، حتى أن هناك من تصوَّر أنه بلا عائلة «وهو أمر لم يحتمله إلا بمرارة».

وصف إيمانويل جدته بأنها هى التى اكتشفته، وأنها صديقته، وكاتمة أسراره، ومُعلمته، بل وصفها بأنها أمه الحقيقية، وكتب عنها يقول: «لم يمر يومٌ من دون أن أفكِّر فيها أو أبحث عن نظرتها.. نظرة التشجيع والرضا والحب».

الجدة هى التى علَّمته قواعد اللغة وأحداث التاريخ وخرائط الجغرافيا، كما علمته «أن يقرأ قربها بالصوت العالى موليير وراسين ومرياك وجيونو» وغيرهم من كتاب ومفكرى فرنسا، كما يتذكر إيمانويل فى الكتاب الذى نشره عن نفسه.

كان يناديها «تيتا»، وكانت تناديه «مانو»، ومعناه «الفتى المختار» أو «الحبيب المدلل».

عجزت أمه عن فهم سلوكه العاطفى تجاه جدته، فقد وفرت له كل ما يحلم به من رعاية نفسية وبدنية وعقلية.. فلم اتجهت مشاعره نحو جدته؟.. لم تملك الأم تفسيرًا يُريحها.

بل أكثر من ذلك، وصل إلى أسماع الأم شائعة عن المثلية الجنسية المزعومة لابنها، وعندما سألته مشجعة: «ستكذب الخبر ولا شك»، أجابها دون تردد: «لا يا أمى، الرد سيغذى هذه الشائعة، التى لا أساس لها، ولا معنى».. ولكنه فيما بعد خرج ليعلن بجرأة «أنه ليس شاذًّا، وأن علاقته بحارسه علاقة صداقة محترمة».

وبينما اختار إيمانويل جدته عرَّابةً له، وشجعته على الاعتراف فى الكنيسة، وتناول القربان، رفض الأب ممارساته الدينية، ولم يسمح بها فى البيت، مَا زاد من مساحة التناقض فى نفس إيمانويل بين مشاعره الروحانية وحساباته المادية، وهو تناقض أقرَّ بأنه تسبب فى حرمانه من فضيلة اتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب.

وتضاعف لغز سلوك إيمانويل العاطفى غموضًا بعد أن أحبَّ مُعلمته بريجيت تروجينوكس وهو طالب فى الصف الخامس فى مدرسة لا بروفيديس، وهى تكبره بأربعة وعشرين عامًا، وفشل الأب فى إبعاده عنها بإرساله للدراسة فى باريس، ولكن استمرَّ معها، بل وارتبط بها رسميًّا عندما كان عمره 18 عامًا، وكان ذلك فى سنة 2007، وحتى الآن يعيش مع أولادها الثلاثة من زوجها السابق، ويصر على أنها المرأة التى أنسته كل نساء العالم، وجعلته مستقيمًا لا يفكر فى خيانتها.

فى كتابه «الثورة» كتب إيمانويل: «الشجاعة الحقيقية كانت شجاعتها، فقد كان لها زوجٌ وثلاثة أولاد، أمَّا من ناحيتى فكنت طالبًا ولا شىء إضافيًّا.. لم يكن لدى رخاء أو طمأنينة أوفرهما لها، بل هى التى تخلت عن ذلك من أجلى.. لم تفرض شيئًا، ولكنها قدمت بهدوء درسًا فى أن ما نعتقده عصيًّا على التصور يُمكنه أن يفرض نفسه».

وعبَّر إيمانويل عن صدمته فى النميمة التى وصفت علاقته ببريجيت بالغرابة: «هذه الغرابة ما كانت تطرح لو كان السن مقلوبًا، إنها تعبر عن كره مستمر للمرأة، وتفسر فى جانب منها سبب انتشار الشائعات.. الناس لا يستطيعون تقبل ما كان صادقًا وفريدًا.. هذه هى المسألة ولا شك».

ولكن إيمانويل يتجاهل ما يعرف فى علم النفس بالولع بالشيخوخة (جيرونتوفيليا) أو اشتهاء كبار السن، وصاغ الكلمة الطبيب الألمانى ريتشارد فون كرافت عام 1901، ولكنه لم يضعها فى الدليل التشخيصى للاضطرابات النفسية.

وسبق إيمانويل فى الجيرونتوفيليا الملك هنرى الثانى، الذى أحب مربيته ديان دو بواتييه، وكانت تكبره بعشرين سنة.. ونابليون بونابرت الذى تزوج من جوزفين التى تكبره بثمانى سنوات، ولعبت دورًا مؤثرًا فى نجاحه، وأبرزت الصفات الخارقة لرجلها، وهو ما فعلته بريجيت أيضًا؛ فقد ضحَّت بمهنة التعليم التى تعشقها، لتكون بجانب إيمانويل، تنصحه وترشده وتشد من أزره.

بصوتها الدافئ تدخل بريجيت مباشرةً فى الحديث: «أولئك الذين يتحدثون عن فارق العمر لا يعرفون ما نحن عليه».

وما أن تأتى سيرة زوجها حتى تبرق النجوم فى عينيها، وتتوهج ملامحها، فهو وفق قولها: «رجل فريد مختلف.. مخلوق فضائى من كوكب آخر»، رغم أنه لم يبلغ الأربعين وهى فى الثالثة والستين.

كانت بريجيت قد تزوجت فى عام 1974.. العام نفسه الذى تزوج فيه والدا إيمانويل.. زوجها أندريه لويس أوزيير كان مدير البنك الفرنسى للتجارة الخارجية، وما أن أنجبت أطفالها الثلاثة حتَّى انجذبت ناحية مهنة التدريس، واعتبرتها أفضل مهنة فى العالم.

وما أن عرفت عائلتها بخبر زواجها من إيمانويل -الطالب الذى فى فصلها، الذى تمسح أنفه الملوث بمنديل يدها، وتصلح من هندامه- حتى ثارت عائلتها، واعتبرت ما فعلت «أمرًا غير أخلاقى».. فقد كانت هى الأخرى فى سبيل حبها.

ولكن الحيرة المصاحبة لشخصية ماكرون تنتقل من حياته الخاصة إلى حياته العامة.. فهو يبدو مرحًا وجذابًا ولكنه لا يكشف عمَّا بداخله.. وهو متحول دون ضجيج.. برز شيئًا فشيئًا فى شبكات التواصل الاجتماعى.. وقدم نفسه كتكنوقراطى محترف بملامح طفولية وثياب أنيقة وكلمات لطيفة.. وسمح للصحفيين بالتقاط صور وهو مشمر الأكمام فى مكتبه الرئاسى، فى قصر الإليزيه.

ونجح ماكرون فى الإيحاء بأنه كان مناهضًا للنظام رغم أنه كان أحد المندفعين المثاليين فى صفوفه، وهو ما جعل البعض يصفه بالإسفنجة التى تشرب كل ما يصادفها، أو بالعلقة التى تشتهى دم الآخرين.

لم يخض ماكرون معارك صراع الديوك التقليدية، التى اتسمت بها دومًا السياسة الفرنسية.. وبطريقة شبه واعية تساوى عنده فوزه بقلب تلك المرأة التى تكبره وفوزه بقلب فرنسا، ولكنه لم يحتفظ بقلب بريجيت فقط وإنما احتفظ بحكم فرنسا أيضًا بعد أن نجح فى علاج الأزمات السياسية التى تعرض لها وآخرها أزمة السترات الصفراء.

إن ماكرون الذى ضحَّى بفرصة أن يكون أبًا حرص على أن يكون ابنًا للكبار.. لم يكن ابنًا لزوجته فقط، وإنما كان ابنًا لشخصيات مؤثرة فى الحياة السياسية الفرنسية أيضًا.

بفضل خصاله الحسنة وقدرته المذهلة على العمل ومرحه المعدى فى دوائر السلطة، لفت ماكرون أنظار أشخاص مناسبين فى اللحظات المناسبة، دون أن يبدو أنه يتعمد ما يفعل.. فكان أن حظى بأبوة متعددة وانتقائية.. وفسر البعض ذلك بقوله: «هو يتودد دائمًا إلى العجائز، ويضع نفسه دومًا فى موضع الابن الذى تمنوا أن يُرزقوا به».

من بين هؤلاء هنرى هرمان رجل الأعمال الكتوم الذى كون ثروة من تجارة الجملة، وموَّل اليسار التقدمى الذى انتمى إليه ماكرون.

تعارفا على غذاء فى معهد الإدارة العليا.. ويومها، أُعجب هرمان بماكرون، ووصفه بالفتى اللامع، وتولى تقديمه إلى الأشخاص المهمين فى باريس، وفتح له الأبواب المغلقة، بعد أن أقرضه المال لشراء شقته الأولى، وحسب بريجيت: «إيمانويل لم تكن له قط مثل هذه العلاقة مع والده الحقيقى».

بعد هرمان الذى وضع ماكرون فى الرِّكاب تولت مجموعة أخرى من الكبار، ذوى المراكز المرموقة دفعه إلى الأمام؛ منهم فرانسوا هنرو الذى ناضل لاجتذابه إلى العمل لدى روتشيلد.. وجان بيار جوييه الذى أدخل ماكرون قصر الإليزيه ليكون نائبه المساعد فى الرئاسة.. وآخرهم رئيس الجمهورية السابق فرانسوا هولاند الذى سمعه أحد مستشاريه ذات يوم يقول: «إيمانويل هو الابن الذى يتمناه كل أب»، واختاره وزيرًا للاقتصاد والصناعة فى حكومة مانويل فالس الثانية.

لن يتوقف الكبار عن دعم ومساندة ماكرون حتى يتخطى أزمة السترات الصفراء، فهو بالنسبة إليهم ليس رئيسًا أخطأ التقدير، ولكنه ابنٌ يصعب دفعه للانتحار السياسى، لأنهم سيقضون ما تبقى من أعمارهم يبكون عليه.