مولانا «الميرغنى» وموقف لا أنساه

عملت مساعدًا أول لوزير الخارجية، معنيًا بالدول العربية والشرق الأوسط عمومًا، بما فى ذلك دول الجوار، خصوصًا «السودان» و«إسرائيل»، كما كنت فى ذات الوقت مندوبًا لـ«مصر» لدى جامعة الدول العربية، وكان وزير الخارجية هو السيد «عمرو موسى» -الذى تربطنى به صلات طويلة- قد أوفدنى رئيسًا للاجتماع التحضيرى لـ«اللجنة المصرية السودانية المشتركة»، وكان انعقادها فى «الخرطوم»، وقد استقبلنا الرئيس «البشير» برفقة وزير الخارجية الصديق «مصطفى عثمان إسماعيل»، ومعنا سفير مصر القدير زميل دراستى «محمد عاصم إبراهيم».

وكان السيد «عمرو موسى» قد لفت نظرى قبل السفر إلى ضرورة التوازن الدقيق فى التعامل بين كل من «الأنصار» و«الختمية» -أى بين السيد «الصادق المهدى» والسيد «محمد عثمان الميرغنى»- وقد التزمت بنصيحته أثناء الزيارة، التى امتدت عدة أيام، ورأيت أن يكون حديثى للشعب السودانى دائمًا دون طائفية أو تقسيم، حتى أن السيد «الصادق المهدى» دعانا -الوفد المصرى- إلى العشاء فاعتذرت له وقبلت فقط طلب الرئيس السودانى الالتقاء ببعض القيادات الجنوبية المعتدلة، وقد فعلت ذلك راضيًا، ووجدت لديهم توجهات وحدوية، فلم يكونوا جميعًا انفصاليين، بل إننى أزعم الآن أن «جون جارنج» كان وحدويًّا، وربما دفع حياته فى وفاته الغامضة ثمنًا لذلك، وقد عدنا من «السودان» بعد انتهاء اجتماعات اللجنة المشتركة وحضر السيد «محمد عثمان الميرغنى» ومعه شقيقه الأصغر «أحمد الميرغنى» الذى كان رأس دولة «السودان»، فى مرحلة ما بعد «جعفر النميرى»، لمقابلة وزير الخارجية، فدعانى السيد «عمرو موسى» للحضور ومعى مدير إدارة شئون «السودان»، حيث جلسنا فى الصالون الملحق بمكتب الوزير حتى يفرغ من لقاءٍ بأحد زواره، وكان «الميرغنى» لطيفًا معى وودودًا للغاية، ولكننى لاحظت أنه يحمل مظروفًا أصفر فى يده، ولأننى حضرت كل اجتماعاته من قبل مع الوزير فإننى أعلم أن معظمها ينصرف إلى مطالب شخصية وليست سياسية، وبعد فترة وجيزة دخلنا للوزير الذى احتفى بنا، وجلس «الميرغنى» أمامه وجلست على يسار الوزير ومعنا بقية الوفدين السودانى والمصرى، وبعد دقائق قليلة قال «الميرغنى» لوزير خارجية مصر: أريد أن أتحدث معك على انفراد، فاستأذنت ليتبعنى كل الموجودين من الوفدين باستثناء السيد «أحمد الميرغنى»، وما هى إلا دقائق قليلة حتى دقَّ جرس تليفون الصالون، فإذا السيد «عمرو موسى» يطلب حضورى إلى مكتبه، فدخلت لأجد السيد وزير الخارجية يضحك بعمق، وينظر إلى نظرة لها معناها، ثم قال لى: إن مولانا «الميرغنى» يشكوك لى أنَّك قلت فى محاضرة فى «الخرطوم» إن الشعب السودانى كله محسوب على «مصر» بلا استثناء، كما أن الشعب المصرى محسوب كله بلا استثناء على «السودان»، قلت له: نعم قلت هذا، فردَّ السيد «الميرغنى»: هناك ثوابت تاريخية منذ أيام «سعد زغلول» و«النحاس» أن «الختمية» هم حلفاء «مصر»، فقلت له: لقد كان ذلك زمنًا ومضى، الدنيا تغيرت يا مولانا، وحرصت على استفزازه بشدة، فلاحظت أن السيد «عمرو موسى» يعطينى المساحة المطلوبة للرد عليه بقوة، فقلت له: إنك كنت تجلس معى فى الصالون منذ دقائق نتسامر وأنت تحمل مظروفًا فيه شكوى ضدى، أى نقاء ذلك؟! وما هى الدوافع لمثل هذا التصرف؟ وأريد أن أقول لك يا مولانا إنك لن تُعلمنى التاريخ، فقد يكون العكس هو الصحيح، وأنا أرفض هذه الشكوى وأظن أن وزير الخارجية المصرى يوافقنى على ذلك، وخرجت من مكتب الوزير لكى أتأمل ذلك التصرف الذى ظل حتى اليوم مصدرًا للمداعبة بينى وبين السيد «عمرو موسى»، وقد ظلت علاقتى بـ«الميرغنى» فى صعود وهبوط لقرابة عامين بعد ذلك، إلى أن فوجئت به يتصل بى غداة تركى للخارجية، وتعيينى فى لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصرى، وعقب التهنئة قال لى إنه يود أن يقيم عشاءً على شرفى فى منزله بشارع «الخرطوم» فى «مصر الجديدة»، فقلت له: ربما كان السبب يا مولانا أنك تريد أن تحتفل بخروجى من الخارجية، فضحك ضحكته الخبيثة، وقال بلا تردد: هذا صحيح، وضحكت أنا الآخر، وقلت له: كما أراحك الله منى أراحنى منك، وكلما تذكرت ما حدث أيقنت أن السياسة ليست عملاً خالصًا ولكنها دروب، ومسالك، وأهواء، ومصالح، وإن كنت لا أنكر أن علاقتى كانت دائمًا أوثق بالسيد «الصادق المهدى» زعيم حزب الأمة، وأنا أظن أن من مزايا ثورة الإنقاذ عام 1989 أنها جعلت السيد «الصادق المهدى» يتردد على «القاهرة» لفترات طويلة ويشترى مسكنًا خاصًّا فى «مدينة نصر»، وبذلك سقطت الحساسية التاريخية التى كان يعانى منها بعض قيادات الأنصار تجاه «مصر»، ومازلت أحتفى بالسيد «الصادق المهدى» كلما هبط بـ«القاهرة» وقد كنا –السيد «عمرو موسى» وأنا– المتحدثين الرئيسيين فى الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين بأحد نوادى القاهرة الكبرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.