نظرية أمى فى الاقتصاد وبروفيسور برهان

كانت تعتقد أنَّنى أصبحت رجلاً، فعمرى 13 عامًا، وأصبحت أضخم منها حجْمًا وصوتى غليظ، أقرأ بعض الكُتب.. كانت تتعجل تنصيبى رجل البيت، فوضعت راتبها بالكامل فى درج مَكتبى الصغير، راتبها لم يكن يتجاوز 170 جنيهًا، وطلبت منِّى أن أقتطع منه مصاريف الدروس الخصوصية دون الرجوع لها، وأن آخذ الأموال من الدرج مباشرةً.. المُراهق الذى لم ينضج بعد قضى على 150 جنيهًا فى أسبوع واحد فقط، فقد قرر أن يعزم الفصل كله على لعب البلياردو!

عَرفت أمى الخبر، وكنت فى انتظار العقاب، لم يكن أمامها سوى سيناريو واحد فقط، هو تعليقى على باب البيت، فقد ضاع راتبها فى أسبوع واحد فقط، وليس أمامها بديلٌ.. من داخلى متأكد أنها دخلت غرفتها، وبكت، ثم قرَّرت أن تبيع ما تبقَّى لها من شبكة والدى، وقد كان، ومن حُسن الحظ أنه تبقَّى لها خاتمٌ بسيطٌ.

لم تتحدث المرحومة أمى فى هذه الواقعة حينما قابلتنى، وفى اليَوْم التَّالى أعطتنى راتبها لشهر جديد، وأعطتنى راتب أبى، وكلَّفتنى بإدارة اقتصاد المنزل..

فجأةً، وجدت نفسى ثريًّا، فى جيبى ما لا يقل عن ألف جنيه شهريًّا، وضعت خططًا ضخمة للعب البلياردو، والتنزُّه، وزيارة يومية لـ«ومبى» مع شلة الأصدقاء، وشراء كاسيت جديد، وعمل شريط كوكتيل جديد يوميًّا، وخططت حضور مباراة كل أسبوع فى الاستاد، وتأجير 3 أفلام فيديو فى اليَوْم من نادى الفيديو، بجوار المنزل، وحجز موقع على المقهى كل يوم صباحًا لمشاهدة فيلم هندى جديد مع كوب «منُّه فيه».

لقد أصبحت الآن ثريًّا، ومن حقِّى أن أذهب لمحل لطفى لشراء حذاء جديد، وكوتشى من «كوتشى شو»، وبنطلون جينز «لى» أو «ليفيز»، وساعة كاسيو تعمل بالأرقام وتُصدر موسيقى.

أنا الآن ثرىٌّ، وأستطيع يوميًّا ضرب 5 سندوتشات كبدة أمام المدرسة، وشراء الدُّوم والحرنكش والتين الشوكى والنَّبق والتوت، وعشرات من بولة الآيس كريم.. سأرتدى حظاظة آخر موديل، وقميص حرير فيسكوز، مثل الذى ارتداه عمرو دياب فى افتتاح بطولة الأمم الأفريقية بالقاهرة، من حقِّى يوميًّا حجز 4 ساعات فى محل الأتارى، أو رُبما أشترى أحدث موديلات الأتارى.. أستطيع تأجير درَّاجات وموتوسيكلات، ورُبَّما سيارات.. سأشاهد كل أفلام مهرجان القاهرة السينمائى.. القصة والمناظر.. ولن أقف فى طوابير بعد الآن لشراء تذكرة فيلم عادل إمام الجديد، فأنا ثرىٌّ وأستطيع شراء تذكرة من السوق السوداء.

نَظرت لى أمِّى بخبثٍ غير معهود، وكأنها تعيش بداخلى، وقالت من الآن أنت ستُعطينا المصروف اليومى والكهرباء والمياه، وستتولى ميزانية طعام المنزل، ومصاريف المدرسة لك ولأختك، كُنت سعيدًا أننى أصبحت كبير العائلة، كُنت كريمًا معهم فى أول أسبوع، حتى وجدت أن ما لدىَّ لا يَكفى ميزانية شهر.. تخليت عن خروجة «ومبى»، ثم بدأت فى التخلى عن أحلامى واحدًا تلو الآخر، وتوقَّفت عن الدِّرُوس الخصوصية.. كنت أنتظر أمى وأبى يوم 27 فى الشهر، وفى يدى دفتر لعمل موازنة للبيت.. طلبت من أبى السَّماح لى بالعمل لتوفير إيرادات للمنزل، لأن المصروفات أكبر من الإيرادات، ورفض والدى بعنف، فذهبت من ورائه وعملت مع خالى، الذى يمتلك شركةً لصيانة المصاعد، وتنقلت فى الوظائف السِّرية حتى أساهم فى مصروف البيت دون أن يدرى والدى، وبتشجيعٍ من أمِّى، وبعد قليل علمت أن أمى كانت تحكى لوالدى كل شىء عن عملى السِّرى.. ابتكرت طرقًا جديدة فى ترشيد النفقات؛ كنت أشترى الخبز والجبن والحلاوة واللانشون لعمل سندويتشات لوالدى ووالدتى لتوفير بند شراء سندويتشات أثناء العمل، حتى أننى حينما درست فى الجامعة كنت أجمع مصروف الشهر كله وأذهب إلى الكلية من 6 إلى 8 مرات فقط فى الشهر، لترشيد النفقات، وقمت بعمل اشتراكات فى المترو للعائلة كلها، ونجحنا فى توفير فائض ساعد والدى فى بناء منزل على أرض جدى بالتقسيط، فقد حوَّل العلاوات والمكافآت والحوافز ومنحة الخروج المبكر على المعاش لبناء منزل. البند الوحيد الذى لم نرشد فيه النفقات هو القراءة، فوالدى كان محاميًّا فى شركة سيناء للمنجنيز ويعشق شراء كتب القانون، ووالدتى كانت تعمل فى حسابات الهيئة القومية للبريد ولم تبخل علىَّ بكُتب مكتبة الأسرة ومجلدات ميكى وروايات رجل المستحيل وملف المستقبل وما وراء الطبيعة.

تذكرت جملة قالتها أمى، وهى تبيع خاتمها الأخير، لتغطيتى حينما فشلت فى إدارة ميزانية البيت أول شهر «يا ابنى أنا مش هعيش لك كتير وعاوزة أسيبك راجل تشيل أختك ومتحوجهاش لحد».

ماتت أمى وهى تبلغ من العمر 52 سنة.. منحتنى كل شىء، ولم يُسعفنى القدر لأعوِّضها عن أى شىء.. كان من الممكن أن توفر لى طلباتى كلها من جدى أو خالى المتيسِّر، لكنَّها علمتنى كيف أصطاد. البشر أنواع؛ هناك من يبدع ويبتكر، وهناك من يُنفِّذ.. أمِّى كانت من النوع الأول، هذا النوع الذى تذكرنى به حكاية أخرى..

لقد دخلت مكتبه البسيط فى جامعة نورث كارولينا.. رجل طاعن فى السِّن، مكتبه عبارة عن ثلاث سبُّورات ضخمة، مكتوب عليها عشرات من المعادلات الرياضية، يضع ورقًا على كل كاميرات الكمبيوتر والهاتف المحمول.. كان د. محمد برهان العالم النووى الكبير، رئيس قسم الهندسة النووية فى جامعة نورث كارولينا، وحاليًا هو أستاذ متفرغ فى الجامعة.. كان يتحدث معى عن جمعية علماء الذَّرة الأمريكية، التى تضم ما لا يقل عن 200 عالم مصرى.. تحدَّث معى عن طاولة المصريين فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ذات الصوت العالى والنكات.. الطاولة التى تضم د. أمجد شكر مدير برامج أمان المفاعلات النووية فى العالم، هذا الشاب الأربعينى.. بروفيسور برهان قادرٌ على جذب انتباهك من اللحظة الأولى، ووجدت فيه تواضعًا لم أجده عند شاب يمتلك أكاونت على فيسبوك عليه 300 فولورز! لكننى رأيته مذاقًا قديمًا شعرت أن الزمن عفا عليه.. المراهق الذى بداخلى وأنا الآن على مشارف الأربعين كان يعتقد أنه شخصية عظيمة آن الأوان لها أن تُسلم الراية.. سألته: «ليه حضرتك مش بتعمل معادلاتك الرياضية فى الكمبيوتر.. فيه آلاف البرامج بتعمل كده؟».. فنظر إلى الشاب الذى بداخله، وهو على مشارف السبعين: «يا ابنى احنا اللى بنعمل البرامج دى على السبورة عشان اللى زيك يستخدمها فى الكمبيوتر».

شعرت فى هذه اللحظة أننى مازلت بحاجة كبيرة إلى دروس أمى!

أحمد فايق