هدايا عبدالناصر إلى جاكلين كيندى!

لا أحدَ يصل إلى رأىٍ صائبٍ إلا بمعلوماتٍ صائبةٍ.. وحسب ما يتوافر لدينا من معلوماتٍ فى قضيةٍ ما بقدر ما نحكم فيها حُكمًا صائبًا مُنصفًا.. عندما قُبض على أحمد عرابى بعد فشل ثورته على الخديو توفيق طاردته أوصافُ الخيانة، ولكن ما إن كشفت الوثائق البريطانية عمَّا فعل حتى استردَّ سُمعته، وأصبح زعيمًا ثوريًّا وطنيًّا لا مثيل له.

وبمزيدٍ من المعلومات التى قفزت إلى النور تحوَّل الخديو إسماعيل من سفيه يُنفق أموالَ الدولة بلا حساب إلى صاحب رُؤية حضارية مُبكِّرة جعلت من القاهرة صورةً أخرى من باريس.

وكل من يتحسَّر على ما يجرى فى الشرق الأوسط الآن أنصف أنور السادات واعتبره سابقًا لعصره مع أنه وُصف بالخيانة يومَ وقَّع مُعاهدة الصُّلح مع إسرائيل، ودفع حياته ثمنًا لخطوته الجريئة.

وسجَّلت مئات الكُتُب السياسية حالة العداء المُزمن بين جمال عبدالناصر والولايات المتحدة، واتَّهمته بالتَّعسُّف فى التَّعامُل معها، ونال الكثير من اللوم على ذلك.

ولكن.. مؤخرًا قرأتُ الخطابات المُتبادلة بينه وبين الرئيس جون كيندى، وبينه وبين السيدة جاكلين كيندى؛ لأكتشف أنه لم يكن ناشفَ الرَّأس كما صوَّروه، وإنما كان مُستعدًّا للتَّفاهم مع أشدِّ الناس خصومةً له؛ بشرط أن يُعاملوه بالمثل ولا يمسُّوا كرامته.

حكم كيندى بلاده نحو ثلاث سنوات فى بداية ستِّينات القرن الماضى.. فى تلك الفترة انشغل العالم بأزماتٍ حادَّة بعضها يخصُّنا.. والبعض الآخر بعيد عنَّا.. لكن، رغم ذلك تبادل كيندى وعبدالناصر الرَّأى فيها، وكأنهما صديقان يبحثان عمَّا يُنقذ سفينة الدنيا من الغرق.

وقعت أزمة ممر الخنازير بين كوبا والولايات المتحدة.. وحشد السوفيت صواريخ نووية وُجِّهت إلى واشنطن.. وركب كيندى رأسه.. ولكن ما إن استشار عددًا من حُكَّام العالم بينهم عبدالناصر حتى نصحوه بتهدئه النَّفس.. فالحرب التى يُهدِّد بها الطَّرفان ستقضى عليهما معًا.. وانفرجت الأزمة.

وتبادل عبدالناصر وكيندى المشورة حول حرب اليمن والمُفاعلات النووية الإسرائيلية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والصِّراعات الأهلية فى الكونغو.

على خلاف ما ساد تحمَّس كيندى لتقصير حرب اليمن.. وطالب إسرائيل بأن تكشف للعالم حقيقة برنامجها النووى للحدِّ من أسلحة الدَّمار الشَّامل فى المنطقة، وقدَّم إليها صفقةً من صواريخ هوك المتطورة مُقابل إغلاق مُفاعل ديمونة.. ومن جانبه سحب عبدالناصر القوات المصرية من الكونغو حتى ينتهى الصِّراع فيها.

لكن.. الأهم أن كيندى كان مُنحازًا للقضية الفلسطينية إلى حدِّ أن اعتبر وعد بلفور الذى منح اليهود وطنًا قوميًّا فى فلسطين وعدًا ممَّن لا يملك لمن لا يستحق.. وهو التَّعبير الذى لايزال شائعًا حتى اليوم.

ووصلت العلاقة بين الرئيسين إلى حدِّ تبادُل الهدايا.. وقدَّم عبدالناصر إلى كيندى طاقمًا من الشَّاى مصنوعًا من الفضَّة وُضع فى البيت الأبيض.. فليس من حقِّ الرئيس الأمريكى قبول هدية يزيد ثمنها على ثلاثين دولارًا.

وما إن أبدت جاكلين كيندى إعجابها بمعرض الآثار المصرية الذى طاف أكثر من ولاية أمريكية حتى أرسل إليها عبدالناصر تمثالاً فرعونيًّا صغيرًا طارت به إلى السَّماء، وبعثت برسالة تشكره فيها، وتُؤكِّد أنها أجمل هدية تلقَّتها، وأنها ستحتفظ به فى جناحها الرئاسى بالبيت الأبيض حتى ينتهى العمل فى مركز كيندى الثقافى فتنقل التمثال إليه.

وفى أحد خطابات كيندى إلى عبدالناصر عبَّر عن رغبته فى حثِّ حكومته على أن تهُبَّ -بعد إجراء مُشاورات مع العرب وإسرائيل وبعض زعماء العالم- لوضع سياسة شاملة للوصول إلى تسوية دائمة فى الشرق الأوسط «على أساس مفهوم مُشترك»، لا عن طريق قوة السلاح، ومن جانبه لم يعترض عبدالناصر على الاقتراح الذى بدا أنه قابلٌ للتَّنفيذ.

ولكن شاءت المُؤامرات التى دُبِّرت لكيندى أن تقتله، ونجحت فى اغتياله فى نوفمبر عام 1963 قبل دخوله مدينة تكساس، ورغم أن التَّخلُّص منه ظلَّ لُغزًا لم يُحل حتى اليوم، فإن أصابع الاتِّهام تُشير إلى اللوبى اليهودى الذى اعتبر كيندى مُعاديًا لإسرائيل ومُجهضًا لتوسُّعاتها.

وجاء خليفته ليندون جونسون لينحاز بلا تردُّد إلى إسرائيل، وشارك فى مُؤامرة هزيمة العرب فى يونيو 1967 ليُجهِز على أحلام سلفه جون فيتزجيرالد كيندى.