بعد إسقاط الطائرة الرُّوسيَّة فى سوريا وتحميل إسرائيل المسئوليَّة هل انتهى شهر العسل بين موسكو وتل أبيب؟

يبدو أن تاريخ العلاقات الرُّوسيَّة الإسرائيليَّة يعود من جديد، فبعد حادث إسقاط الطائرة الرُّوسيَّة فى سوريا، وتحميل الرُّوس إسرائيل مسئوليَّة إسقاطها بسبب سلوك الطيَّارين الإسرائيليين، هل تعتبر موسكو ما جرى بادرة غدر إسرائيلى مُتعمَّد كما حدث مع ستالين فى الماضى على الرغم من العلاقات الوطيدة بين إسرائيل وروسيا؟!

أحيانًا، يلجأ المُؤرِّخون للماضى لتحليل الأحداث التاريخية بشكلٍ أو بآخر؛ إذ يرى الباحث بول جونسون فى كتابه «تاريخ اليهود» أن جوزيف ستالين كان موقفه عكس موقف لينين تمامًا، حيث إنه أيَّد مطالبَ الحركة الصهيونية مقابل أن تُوفِّر له «الرَّأسماليَّة اليهوديَّة» بمعنى إعطائه الأموال اللازمة للمجهود الحربى السوفيتى فى الدفاع عن روسيا ضد الدول المُعادية لها فى ذلك الوقت.

وكان ذلك تحديدًا فى الوقت الذى قام فيه هتلر بإبادة اليهود فى أوروبا، لذلك فرُّوا هاربين منه إلى الاتحاد السوفيتى، فقد كان الملجأ الوحيد لهم، وبين عامى 1944 و1948 دعَّم الاتحاد السوفيتى قيام دولة إسرائيل أكثر من أمريكا وأوروبا، إذ كان الرئيس أندريه جروميكو هو الذى قام بتقديم مشروع تقسيم فلسطين فى مجلس الأمن عام 1947، وبالفعل صوَّتت موسكو لصالح هذه الخطَّة فى نوفمبر 1947.

بداية العلاقات الرُّوسيَّة الإسرائيليَّة

رأى ستالين أن الاعتراف بدولة إسرائيل من أهمِّ المشاريع الإمبريالية الأوروبية، ولا يجب تركها لأمريكا، ولكن لابد من السيطرة عليها بشكل كامل، لذلك كان ستالين يحلم بتأسيس جمهورية اشتراكية فى فلسطين مُوالية للاتحاد السوفيتى، ومُناوئة لنفوذ بريطانيا فى الشرق الأوسط، وأهمُّ دليل على ذلك صفقة الأسلحة التى سمحت بها موسكو لتشيكوسلوفاكيا بيبيعها إلى إسرائيل أثناء حرب 1948 لتُحارب بها جيوش العرب، وبالفعل تمكَّنت الدولة الصهيونية من هزيمة العرب والانتصار على على 7 جيوش عربية على الرغم من قلَّة عدد الجيش الإسرائيلى حينذاك.

بداية النِّهاية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تغيَّرت خريطة العالم والنفوذ السياسى، وأدركت إسرائيل أن الهيمنة العالمية ستكون لصالح المعسكر الغربى، وعلى الفور لجأت إسرائيل لواحدة من خطط الاغتيال التى تُعرف فى كُتُب التاريخ بواقعة «حادثة الأطبَّاء» عام 1951، حيث اكتشف السوفييت أن هناك فرقة من الأطبَّاء اليهود الذين يعملون بأكبر هيئة طبية فى البلاد، حيث يقومون بعلاج كبار رجال الدولة، وعلى رأسهم ستالين، وسعوا إلى تسميمهم جميعًا، وكان هو أوَّل هدف لهم، وبالفعل تمَّت مُحاكمة هؤلاء الأطبَّاء سريعًا وإعدامهم، وشعر السوفييت بأن إسرائيل وراء هذا الأمر، لكن لم يتم إعلان ذلك بشكل رسمى، وتحوَّلت العلاقات الرُّوسيَّة الإسرائيليَّة إلى علاقة عداء، وبالفعل صوَّتت موسكو ضد قرارات توسُّع نفوذ إسرائيل فى الملاحة فى البحر الأحمر عام 1951، وذلك بالتنسيق مع الدول العربية، وتمَّ فصل العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وإسرائيل بشكل رسمى عام 1953 بسبب انحياز تل أبيب المُطلق لأمريكا.

الاتِّجاه المُعاكس

بدأت موسكو تأخذ اتِّجاهًا آخر لعلاقتها بالدول العربية، وعلى الرغم من عدم انحيازها لثورة 1952، فإنها رأت أن ذلك سيَصُبُّ فى مصلحتها أيضًا فى ردع النفوذ الأمريكى، إذ إن صفقة الأسلحة التى تمَّ بيعها قبل العدوان الثلاثى عام 1956 لعبت نفس دور صفقة الأسلحة التى تمَّ بيعها لإسرائيل أثناء حرب 1948، ووقفت موسكو بجوار مصر فى العدوان الثلاثى، وهدَّد خروتشوف بضرب لندن وباريس بالقنابل النووية ومحو إسرائيل من خريطة العالم، وهو ما اضطر الولايات المتحدة الأمريكية بمُطالبة الدول الثلاث المُعتدية بالانسحاب من مصر، وبذلك بدأ العصر الذهبى للعلاقات العربية السوفيتية.

استمرَّت العلاقات العدائية بين الاتحاد السوفيتى وإسرائيل حتى ذروتها أثناء حرب 1967، لتُعلن موسكو قطع العلاقات بشكل رسمى مع إسرائيل، ولم تكتفِ بذلك، بل قام الكُتَّاب الرُّوس بكتابة وتأليف كُتُب ضد الحركة الصهيونية وفضح المخططات اليهودية للسيطرة على العالم.

عودة العلاقات

فى خطاب لفلاديمير بوتين فى 20 يوليو 2011 قال: «إن إسرائيل تُعتبر عمليًّا دولةً ناطقةً بالرُّوسيَّة، لأن نصف سُكَّانها يتحدَّثون الرُّوسيَّة، والكثير من الثقافة الإسرائيلية ما هى إلا ثقافة روسية، وكافَّة الأغانى الوطنية الإسرائيلية أغانٍ روسية».

حاليًا يقوم بوتين باستخدام اللوبى اليهودى لحشد التأييد للمجهود الحربى الرُّوسى فى سوريا، وفى وجه الأصوات المُعترضة فى البيت الأبيض أو أىِّ حكومة غربية ترفض التَّدخُّل الرُّوسى فى سوريا، مقابل السماح لإسرائيل بتوجيه ضربات فى العُمق السورى ضد ما تعتبره تحرُّكات لإيران تُهدِّد أمنها القومى.

يستخدم بوتين حاليًا اللوبى اليهودى لحشد التأييد للمجهود الحربى الرُّوسى فى سوريا، وفى وجه الأصوات المُعترضة فى البيت الأبيض أو أىِّ حكومة غربية ترفض التَّدخُّل الرُّوسى فى سوريا 

أزمة إسقاط الطائرة الرُّوسيَّة ومنظومة الصواريخ الــ«إس 300»

مواقف إسرائيل التى تتغيَّر من حين لآخر على حسب أهوائها السياسية قد تتسبَّب فى تغيير خريطة العلاقات الدبلوماسية، وهو بالفعل ما حدث بعد واقعة إسقاط الطائرة الروسية فى سوريا وتحميل تل أبيب مسئولية إسقاطها، ومن جانبها أعلنت موسكو أنها ستُزوِّد القوات فى سوريا بمنظومة الــ«إس 300» الرُّوسيَّة، والتى تعتبرها إسرائيل خطرًا كبيرًا على مُقاتلاتها الحربية، لأن تلك الصواريخ يُمكنها إسقاط الأهداف الجويَّة فى سماء تل أبيب، إذ إن مدى الصواريخ الروسية يصل إلى 250 كيلومترًا، ما يُمكِّنها من ضرب الطائرات الحربية فوق تل أبيب، وذلك سوف يحدُّ من هيمنة إسرائيل الجوية فى المنطقة.

وتُحاول إسرائيل من منع حصول إيران على هذا النظام الصاروخى منذ عام 2007، لكنَّ طهران حصلت على الدفعة الأولى من هذه الصواريخ فى عام 2016، إلا أن الخطر الحقيقى هو حصول سوريا على تلك الصواريخ، واستخدامها ضد المُقاتلات الإسرائيلية.

ومُؤخَّرًا، بعد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بأن الجولان ستظل دائمًا تحت السيادة الإسرائيلية، وأن أىَّ وضع آخر سيجلب إيران وحزب الله حتى بحيرة طبرية، زاعمًا أن إيران وحزب الله يرغبان فى تكوين قوَّة ضد إسرائيل على هضبة الجولان لتهديد المُدُن الإسرائيلية فى الجولان والجليل.

وردًّا على ذلك أعرب وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف عن استيائه من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى، قائلاً: «إن أىَّ تغيير فى وضعية الجولان المُحتلة، دون تصديق من مجلس الأمن، سيُؤدِّى إلى الإضرار بالاتفاقات السابقة»، مشيرًا إلى أن وضع الجولان الحالى تحدَّد وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، لذلك فإن أىَّ تغيير مُباشر دون تصديق من مجلس الأمن سيُعتبر انتهاكًا للقرارات التى تم اتِّخاذها.

التَّوتُّر الآن هو المُهيمن على استراتيجية العلاقات الرُّوسيَّة الإسرائيليَّة، ولذلك يبقى السؤال هل يعود التاريخ من جديد؟ أم هى مجرد زوبعة وستنتهى قريبًا؟ وفى كل الأحوال الأحداث تمرُّ سريعًا، والمشهد السياسى هو الحَكَمُ الأوَّل.