بعد دعوة صندوق النَّقد الدولى البنوكَ لإصدارها رسميًّا هل تحل العملات الرقمية محل الورقية وتنقذ النظام المالى العالمى؟

بعد أن كانت البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية تُحذِّر الأفراد من التعامل بما يُسمَّى النقود المُشفَّرة والافتراضية، وعلى رأسها «البيتكوين»، أصبحت فجأة –الآن- ومن دون مقدمات كُبرى تلك المؤسسات هى التى تدعو إلى إصدار وتطوير تلك العُملات من قِبَل البنوك المركزية، وكأن هذه العُملات يُمكن أن تُشكِّل نظامًا ماليًّا جديدًا بديلاً عن النظام المالى الحالى الذى يتحكَّم فيه الدولار الأمريكى، والذى يرى البعض أنه يتهاوى منذ الأزمة المالية العالمية، غير أن العالم لايزال يبحث عن البديل الذى قد تُمثِّله العملات الرقمية ، وتبحث أيضاً معه «7 أيام» فى هذا التقرير عن إمكانية أن تحلَّ العملات الرقمية محل العُملات التقليديَّة.

صندوق النقد

طالبت كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولى مؤخرًا البنوك المركزية فى العالم بدراسة إصدار عُملات رقمية، وضرورة بحثها بصورة جادَّة ودقيقة وإبداعية، وأوضحت لاجارد أنه رغم التخطيط جدِّيًّا من عدَّة بنوك عالمية لهذا الإصدار، فإن هذه العملات الرقمية مازالت محدودةً.
وقالت إن صُنَّاع السياسات النقدية من أوروجواى إلى كندا يبحثون فعلاً فكرة إصدار عُملات رقمية أو افتراضية أو ديجيتال أو مُشفَّرة، مُوضِّحةً أن البنك السويدى المركزى أعلن الشهر الماضى بدء تنفيذ مشروع استرشادى العام المقبل لتطوير عُملة إلكترونية.

تاريخ النقد

يعود تاريخ النقود إلى فجر الحضارة، وقد كان البيع والشراء يتمِّان عن طريق المُقايضة، ومع تطوُّر الحضارة فَقَدَ نظام المُقايضة قُدرته على أداء وظيفته، وعندئذٍ اقتضت الضرورة وجود مُكافئ مُوحَّد من شأنه المُساعدة فى تقدير قيمة السِّلع وتبادُلها بطريقة تضمن التَّعادُل، وبهذا ظهرت لأوَّل مرَّة القطع النقدية المعدنية، فكانت الحل المناسب لهذه المُعضلة فى القرن السابع قبل الميلاد، وكانت الدولة تحتكر سكَّها، ثم ظهرت مؤسسات ما قبل المصرفية، وعندما أخذت هذه المؤسسات على عاتقها مهمة حفظ القطع النقدية أخذت تُعطى من يُودِع المال لديها شهاداتٍ ورقيةً تُثبت أنه يملك كمية محددة من القطع النقدية لديها، ومع مرور الزمن تم ربط النقود الورقية بالذهب حصرًا، وبذلك تحوَّل الدولار الأمريكى بعد الحرب العالمية الثانية إلى عُملة احتياطية عالمية، ولكن فى عام 1971 اتَّخذ الرئيس الأمريكى نيكسون قرارًا بفكِّ ارتباط العُملة الأمريكية بالذهب، ما أدَّى إلى افتقاد العُملة الورقية المربوطة بالدولار عن طريق البنوك المركزية قيمتها بالتدريج.

وفى عام 2008 عقب وقوع الأزمة المالية العالمية الدولية الناتجة عن الأزمة البنيوية فى النظام المالى العالمى الحالى طرح طرف مجهول تحت اسم مُستعار «ساتوشى ناكوتو» نظامًا ماليًّا رقميًّا جديدًا تحت اسم «بلوكتشين»، وعُملة رقمية تحت اسم «بيتكوين»، وجعل جميع العمليات فى هذه المنظومة لامركزية، ودون أى رقابة حكومية عليها، وبدأ المتعاملون يحصلون على «البيتكوين» عن طريق رفع قُدرات حواسبهم الآلية، فظهرت منظومات كاملة لاستخراج الأموال الرَّقمية، أو ما عُرف بالتعدين، على غرار استخراج الفلزَّات من المناجم، ونتيجة لذلك اتَّسع سوق «البيتكوين» اتِّساعًا لم يسبق له مثيل فى تاريخ العُملات، حتى وصل سعر «البيتكوين» الواحد إلى أكثر من 20 ألف دولار، وهذا الصعود الصاروخى لـ«البيتكوين» طرح عديدًا من التساؤلات التى لم تجد أجوبة شافية حتى الآن، حيث يُشكِّك البعض فى أن أنظمة مالية كُبرى تقف وراء هذه العُملات، وأنها لا يُمكن أن تكون مجرد ثورة، وأن النظام الفيدرالى الأمريكى هو من يقف وراء هذه العُملة.

ورطة عالمية

لاشك أن النظام المالى العالمى بحاجة إلى تغيُّرات مُلحَّة بسبب الأزمات التى يُواجهها، ولكنَّ المشكلة تكمُن فى قُدرة البدائل على التصحيح، فعملية الإفراط فى إصدار النقود الورقية من جانب البنوك المركزية عقب الأزمة المالية العالمية فى 2008 أدَّت إلى فقدان تلك النقود قُوَّتها الشرائية، وبالتالى فعاليَّتها فى تأدية وظيفتها فى حفظ الاستقرار المالى؛ لذلك طالب بعض الاقتصاديين فى العالم بالعودة إلى قاعدة الذهب كوسيلة لإنقاذ النظام المالى، لكنَّ التَّحفُّظات التى أُثيرت حول هذا التَّصوُّر تُؤكِّد أن ذلك سيكون دون جدوى، بل إنه سيُعقِّد الأزمة، بسبب عُنصر جوهرى تمثَّل فى عدم وجود كمية ذهب تُغطِّى حجم النقود الورقية الموجودة فى العالم حاليًا، وهو ما قد يُؤدِّى لحدوث انكماش واسع لاقتصاديات دول العالم يُنذر بكارثة اقتصادية.

كانت فنزويلا أوَّل دولة فى العالم تُصدر عُملة إلكترونية بشكل رسمى فى مارس الماضى، وهى الـ«بيترو» التى تُغطِّيها الدولة باحتياطيات ضخمة من الغاز والنفط 

مُجتمعات بلا نقود

لعلَّ هذه المشكلة جعلت عديدًا من الاقتصادات العالمية تسعى للتَّحوُّل إلى مُجتمعات بلا نقود مع تزايد تدفُّق الوسائل الإلكترونية، مثل البطاقات الائتمانية، وتطبيقات الموبايلات التى تُستخدم فى السَّداد والسَّحب. وكانت فنزويلا أوَّل دولة فى العالم تُصدر عُملة إلكترونية بشكل رسمى فى مارس الماضى، حيث أعلنت كراكاس عن إصدار أوَّل عُملة رقمية فى العالم «بيترو» التى تُغطِّيها الدولة باحتياطيات الدولة الضخمة من الغاز والنفط.

وجاءت هذه الخطوة الفنزويلية كردٍّ على الحصار الاقتصادى الذى فرضته الولايات المتحدة على الدولة النفطية الصغيرة، بعد قرار رئيسها تشكيل الجمعية التأسيسية التى حلَّت محلَّ البرلمان.

ولم يقتصر الأمر على فنزويلا فقط، بل إن عديدًا من الدول الكبرى، ومنها اليابان، والصين، وروسيا، أعلنت أنها تُخطِّط لإطلاق عُملات رقمية وطنية بهدف تحقيق أهداف اقتصادية ومالية مختلفة.

وتأتى دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على رأس الدول العربية التى تُخطِّط لإطلاق عُملة رقمية تجريبية.

كريستين لاجارد

البورصات والبنوك العالمية

على الرغم من الانتقادات الواسعة التى طالت العملات الرقمية فى السنوات الماضية، وعلى رأسها «البيتكوين»، فإنها استطاعت أن تستحوذ على مساحة مميزة فى جميع المناقشات الاقتصادية العالمية منذ ظهورها، ولم يقتصر الأمر على المناقشات، بل إن عديدًا من البورصات والبنوك العالمية استخدمت تلك النقود بالفعل، حيث بدأت أوَّل تداولات على مُنتجات مالية تعتمد على عُملة «البيتكوين» فى إحدى البورصات الرئيسية بمدينة شيكاغو الأمريكية، وهو ما اعتُبر وقتها خطوةً فى اتِّجاه تقنين العُملة الرَّقمية فى الولايات المتحدة نفسها، وهو ما يحدث اليوم، كما دخل بعض عمالقة القطاع المالى مجال الاستثمار فى «البيتكوين»، حيث أعلن بنك جولدمان ساكس عن استثمار 50 مليون دولار فى شركة ناشئة تعمل فى مجال تقديم خدمات تخزين واستخدام «البيتكوين».

واقع جديد

تكمُن أهمية العملات الرقمية فى كونها تُقدِّم واقعًا جديدًا فى عمليَّات الدَّفع والتَّحويلات وتسوية الأوراق المالية وغيرها من التَّطبيقات الواسعة، لذلك فمن الطبيعى أن يكون للعُملات المُشفَّرة مساحة كبيرة فى التَّعامُلات المالية المُستقبلية، لكن يظل ذلك مرهونًا بوضع نظام عالمى يحكم تلك العمليات ويمنع القرصنة، بحيث يحول دون تحوُّل تلك النقود لأداة فى يد عصابات المافيا التى لطالما استخدمتها فى بيع المخدرات ونشر الجريمة والإرهاب.

إسماعيل حسن

السيادة الوطنية

قال الدكتور إسماعيل حسن الرئيس الأسبق للبنك المركزى المصرى فى تصريح خاص لـ«7 أيام»: «إن العُملة الخاصَّة بكل دولة ترتبط بسيادة الدولة نفسها، لذلك فيجب أن تُعبِّر العُملة عن شخصية الدولة، وأن يقتصر تداوُلها داخل حدود القُطر نفسه»، مُضيفًا: «لستُ مع فكرة إصدار الدول للعُملات الرَّقمية؛ لأن الأرقام لها نهاية، والعُملة عندما تصدُر يتم إصدارها باسم الدولة؛ لذلك أنا ضد العملات الرقمية». ولفت إلى أن إصدار تلك العُملات من شأنه أن يُثير البلبلة فى النظام المالى، لأن العُملات الافتراضية ستجعل كل العُملات فى العالم مُتشابهة، وفى النهاية ستُصبح عُملة واحدة، وذلك على عكس ما هو موجود الآن، حيث إن هناك اختلافات بين كل العُملات الدولية.

شريف دلاور

سهولة التبادل

قال الدكتور شريف دلاور خبير الاقتصاد الدولى فى تصريحات خاصة لـ«7 أيام»، إنه لابد من التفريق بين العُملات الإلكترونية الافتراضية التى تدعو إليها كريستينا لاجارد والعُملات الافتراضية مثل «البيتكوين» وغيرها، حيث إنها عُملات غير خاضعة لأى رقابة من البنوك المركزية، أو غيرها، موضحًا أن هذا ما تُحذِّر منه الدول، ويُحذِّر منه صندوق النقد.

وأضاف أنه من كان من أوائل من طالبوا بإدخال العُملة الافتراضية فى التعاملات المالية منذ سنوات، نظرًا لأن هذه العُملة تُسهِّل التَّبادُل الإلكترونى والنقدى على شبكة الإنترنت، وتكون خاضعة للبنك المركزى المصرى من حيث الإصدار عن طريق المنصَّة الإلكترونية الخاصَّة بها، مشدِّدًا على أنه لابد من التفريق بين العُملات الافتراضية التى تُسهِّل التبادل الإلكترونى والتحوُّل الرقمى فى المُعاملات والتى تكون تحت سيطرة البنوك المركزية، مشيرًا إلى أن دولة الإمارات أعلنت العام الماضى أنها ستُصدر هذه العُملة الافتراضية من البنك المركزى.

تكمُن أهمية العُملات الرَّقمية فى كونها تُقدِّم واقعًا جديدًا فى عمليَّات الدَّفع والتَّحويلات وتسوية الأوراق المالية وغيرها من التطبيقات الواسعة

التَّحوُّل الرَّقمى

لفت «دلاور» إلى أن الهدف من إصدار هذه العُملات هو التَّحوُّل الرَّقمى للمُبادلات وسُرعة التَّداوُل النقدى، موضحًا أن العُملة الإلكترونية ستكون مُقيَّمة بوحدات من العُملة المحلية (الجنيه) بما لا يجعلها لا تتسبَّب فى أى مشاكل اقتصادية، مشدِّدًا على أن استخدام العُملة الافتراضية بديلاً عن أنظمة نقل وتحويل الأموال الحالية الهدف منه هو أن تكون هذه العُملة بديلاً للعُملة الورقية على المدى الطويل.

ورفض الربط بين الاتجاه العالمى لإصدار العُملة المُشفَّرة، ومُحاولة إقامة نظام مالى جديد يعتمد على هذه العُملة، مشيرًا إلى أن الوقت لايزال مبكرًا جدًّا للحديث عن هذا الأمر.

مُعادلة جديدة

شكَّك «دلاور» فى التحليلات التى تربط بين إصدار العُملات الرقمية والبحث عن نظام مالى لا يعتمد على الدولار، مُشيرًا إلى أن الدولار يستند على قوَّة الولايات المتحدة الاقتصادية، وأنه لم يفقد قُدرته ووزنه العالمى كما يُشير البعض، رغم زيادة طباعة الدولار عقب الأزمة المالية العالمية؛ لأن أمريكا عندما تطبع الدولار تقوم بتصدير التضخم للخارج، وليس العكس، مؤكدًا أن التقدم الهائل للولايات المتحدة فى كل تكنولوجيات المستقبل يُعطى للاقتصاد الأمريكى قوَّة رهيبة للمستقبل، ولافتًا إلى أن هناك ثلاثة عناصر مرتبطة لو أن أىَّ اقتصادى لا يضعها بجانب بعضها البعض فلن يصل إلى رؤية صحيحة، وهى السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا. وأضاف أن هذا الثالوث أصبح لا ينفصل اليوم، موضحًا من لا يفهم التكنولوجيا لن يفهم الاقتصاد، وأن الاقتصاد هو جوهر السياسة؛ لأنه إدارة موارد المجتمع، واليوم إدارة موارد المجتمع تتمُّ من خلال التكنولوجيا الجديدة.

وأنهى «دلاور» تصريحاته قائلاً: «النظريات الاقتصادية التقليدية تسقط الآن، لأنها لا تصلح فى الوقت الراهن، وحتى أدوات الاقتصاديين اليوم أصبحت لا تصلح»، مضيفًا: «إن العالم يبحث الآن عن مُعادلة مالية جديدة تتواكب مع كل هذه التطوُّرات».